
الحياة الرقمية وتحجيم البشر في مكان خارج التصنيف
نعيمة عبد الجواد
التغييرات التي تطرأ على الحياة بداية من العقدين الماضيين كانت من العنف أن تغيِّر مفاهيم البشر قاطبة في جميع بقاع العالم، ومن النعومة أن تفعل ذلك في آن واحد دون أن يدري أحدهم ماذا يحلّ به. ومن أبلغ الأمثلة على ذلك، أن يستخدم الجميع، حتى العامين المنصرمين، مصطلح الرقمنة للإشارة إلى التغييرات التكنولوجية التي طرأت على المجتمع. بيد أنه مؤخَّرًا، قلَّما تجد أحدهم يستخدم مصطلح الرقمنة؛ لأن الجميع استبدل به مصطلح «العالم الرقمي»، وهذا لاختبار البشر ما ألمّ بالمجتمع من تغييرات تكنولوجية جوهرية تسللت وتغلغلت في الحياة اليومية بنعومة لم يعها أحد، لأنها أصبحت أمراً واقعاً لا يمكن الاستغناء عنه.
وتجدر الإشارة إلى أن تغيير المصطلحات الذي صاحب التغيير في المنظومة الفكرية إزاء ما يحدث من تقدُّم وتطوُّر متلاحق، قد صاحبه أيضًا تغيير جذري في السُّلوك البشري. وبالرغم من الحياة المستقبلية التي يهيمن فيها الذكاء الاصطناعي على البشر، لدرجة أنه سيزيح الجميع عن الوظائف التي اعتادوا على امتهانها؛ حتى ولو كانت من ذاك الصنف الذي يحتل أعلى المراتب في تصنيف الوظائف، فإن التكنولوجيا لن تستطيع المساس بالوظائف الخدمية المتعلِّقة بالرعاية والتعامل مع البشر بشكل مباشر. وجدير بالذكر أن هذا الصنف من الوظائف لا يحظى بمكانة مميَّزة، وغالبًا ما كان يُنظر له نظرة دونية، لكنه من القوَّة أن يحافظ على مكانته وسط كل التقلُّبات العنيفة في سوق العمل؛ وذلك ببساطة لأن وحش العالم الرقمي المسمى بالذكاء الاصطناعي لم يستطع بعد أن ينفذ لتلك الوظائف.
ويجب الأخذ في الحسبان أن هناك محاولات مستميتة لنزع تلك المكانة من أيدي البشر بعدَّة طرق يمكن أن توصف بأنها متلاعبة وسامَّة. لكن عندما لم تفلح تلك المحاولات فقد تم إطلاق حملة مؤخرًا للتعامل مع تطبيقات الذكاء الاصطناعي بصورة لطيفة؛ لاتقاء غضبتهم عندما تؤول جميع الأمور في أيديهم في المستقبل القريب العاجل. واللافت في تلك الحملة الضالة المُضِلَّة أن المقصود بها خلق سيطرة رقمية تخشع لها الأرواح والعقول؛ وذلك لتحويل كل شيء وأي شيء إلى جهاز رقمي ميكانيكي. فما حدث للبشر خلال العقديين المنصرمين هو عملية اجتثاث وتبديل الوعي الجمعي المتوارث، واستبداله بنسخة باهتة، ولاؤها الكامل للعالم الرقمي.
وحتى المعقل الأخير الذي قد يجد فيه البشر متنفَّسًا لممارسة أعمالهم بعيدًا عن سطوة الذَّكاء الاصطناعي، والمقصود به الوظائف الخدمية، فإنه لم يعد مهددًا فحسب، بل أن جدواه وضعت في مهب الريح؛ لقد أثبتت آخر الدراسات الاجتماعية أن الجيل زد يمج التواصل البشري، بجميع ألوانه، حتى ولو كان في صورة ردّ على اتصال هاتفي. أضف إلى ذلك، أن الشعور بالأمان لدى البشر لم يعد بالتواصل مع الآخرين، بل التواجد خلف الشاشات الرقمية بمعزل عن الاتصال المباشر بالبشر الآخرين، الذين صار يُنظر لهم بالشكّ والارتياب، والتوقُّع أنهم سيقدمون على أذيتهم آجلًا أم عاجلًا. ولعل هذا الموقف يشرح سبب انتشار مصطلح «سامّ» وإلصاقه الدَّائم بجميع ألوان التعامل البشري، حتى ولو كان على مستوى الأسرة.
وعملية إعادة تشكيل الوعي هذه وإعادة ترتيب الأولويات بين أفراد المجتمع خلقت ما يمكن تسميته بمتلازمة «كره البشر» وجعلت منه الملاذ الآمن الذي يمكن الاحتماء به إذا شعر الفرد بأنه قد وقع في إطار علاقة سامَّة من شأنها تدمير حالته النفسية، حتى ولو كان هذا الشعور مبالغاً فيه أو غير حقيقي.
ويُعرِّف خبراء الطب النفسي حالة «كره البشر» Misanthropy بأنها ليست مرضاً نفسياً، بل استراتيجية حمائية تستهدف حماية الذَّات من المضايقات المتكررة التي تعرَّض لها الفرد فيما سبق على يد الآخرين، مما كان السبب الرئيسي في حدوث نفور وعدم ثقة تجاه البشر عمومًا، وليس لأي فرد من الأفراد على وجه الخصوص. وقد يتطوَّر الأمر إلى احتقار البشر أجمعين، ورفض أي حوار أو وسيلة للتعامل معهم. ولا يعني ذلك بأن أي فرد كاره للبشر لديه رغبه في إيذاء الآخرين؛ فمن يفعل ذلك يسمى «عدو البشر» Public Enemy، لكن «كاره البشر» شخص قرر الانعزال عن المجتمع والاكتفاء بدائرته الشخصية التي قد تكون متناهية في الصغر، وبهذا يكون قد حمى نفسه من التعرُّض لإيذاء الآخرين، الذي ينجم من التفاعل معهم.
ويعتقد كاره البشر بأنه قد رسم حدوده الشخصية عندما سمح لفئة قليلة للاقتراب منه والتفاعل معه؛ وهذا لأنه ينظر للآخرين بعين الريبة أو الازدراء، وإن كان يستثني من ذلك دائرته المقرَّبة التي استطاع أن يكوِّن معها أواصر شديدة الارتباط. وعلى هذا الأساس، فإن «كره البشر» في حد ذاته هو وجهة نظر وفلسفة حياة تكوَّنت بفعل حالة نفسية أو عاطفية ناتجة عن صدمات سابقة أو تجارب حياتية سلبية جعلت من الصعب على الفرد مواصلة العيش في وسط مجتمع قد يصيبه بالأذى في أي لحظة. وعلى صعيد آخر، قد يكون السبب هو الملاحظة الدقيقة لتصرُّفات وسلوك البشر، بوجه عام. ومن ثمَّ، يتجذَّز كره البشر في آلية «حماية الذَّات»، مع الأخذ في الاعتبار بأن كره البشر ليس بالمرض النفسي الذي يستوجب العلاج بالعقاقير أو حتى بالجلسات النفسية، بل يستلزم إعادة الثقة في سلوك الآخرين وعدم التعرُّض لصدمات نفسية قد تعصف بآخر خيوط الثقة بين الإنسان والجنس البشري.
و»كره البشر» ليس السبب الوحيد له التعامل مع أفراد عينهم، بل إن منشأه قوى مجتمعية خارجية. ويلاحظ أن الأفراد شديدي الاستقلالية قد يتسمون بـ «كره البشر»؛ فالآخر بالنسبة للشخص الذي يقدِّر استقلاله هو أقصر طريقه للضغط عليه وحرمانه من التعبير عن حرِّياته. فالآخر بالنسبة للشخص المستقل هو قيد مخملي يجبره على التفاعل مع الآخرين بطرق تتعارض مع قيمه، مما يشعره بالاضطهاد والاستياء وانعدام الثقة تجاه المجتمع ككل؛ فلقد أصبح الآخر بالنسبة له وسيلة فاعلة لقمع الحياة الشخصية وإزالة الحدود التي رسمها لنفسه. وبناء على ذلك، فإن الشخص المستقل الذي لا يُسمح له بالتعبير عن نفسه بحرية أو الحفاظ على حدوده الشخصية، قد يبدأ بتعميم مشاعر الاضطهاد لديه، ما يُؤدي في النهاية إلى الاعتقاد بأن الجميع يُمثلون مصدر إزعاج، أو تهديداً، مما يؤجج من فرط الحساسية إزاء إساءة المُعاملة أو القسوة أو الاضطهاد، ويتسبب ذلك في انزعاج عاطفي شديد بالنسبة لكاره البشر، ربما يتمثَّل في صورة غضب أو اشمئزاز وتكوين نظرة سلبية عامة تجاه الآخرين. ويجب الإشارة بأن الشخص «كاره البشر» قد لا يكون قد تعرَّض للأذى من الآخرين بصورة مباشرة، لكن ما يشهده من أحداث حوله جعلت هذا الشعور ينمو لديه ويجعله يتصوَّر بأن العالم الخارجي قد جُبِل على القدرة على إلحاق الأذى بالآخرين، ولهذا فإنه من الأحرى تجنُّب التفاعل معهم، وأن الأمان الحقيقي يكمن في البقاء بمعزل عنهم.
وعند تحليل التشخيص العام لحالة «كره البشر»، يُلاحظ أن خبراء الطب النفسي يصفون بأن من تصيبه هذه الحالة يكون من جرَّاء ما تعرَّض له من ضغوط جعلت من المستحيل أو غير المسموح للفرد أن يُعبِّر عن نفسه بحرية أو يحافظ على حدوده الشخصية، والتراكمات تتسبب في تعميم وتأجيج مشاعر الاضطهاد في نفسه. وكلَّما زادت تلك الضغوط على الفرد، تكون النهاية الحتمية اعتقاداً راسخاً بأن الآخر لن ينفك عن كونه مصدر تهديد، أو في أفضل الظروف مصدر إزعاج.
وعند تحليل وصف خبراء الطب النفسي لحالة «كره البشر»، يلاحظ أنه قد تم استخدام مصطلحات مثل: «علاقات سامة»، و»رسم الحدود الشخصية»، و»تفادي التعرُّض للأذى»، و»الاستقلالية»، و»عدم فرض آراء الآخرين على الشخص»، وما شابه ذلك، وجميع تلك المصطلحات يتم استخدامها والترويج لها بكثافة في العصر الحالي، ما يؤكِّد أن الرهان الأعظم على البشر حتى تنتصر الآلة الذكية عليه هو خلق حالة من الانعزال والريبة التي تفضي إلى تفشِّي الكُره فيما بين الأفراد. والنتيجة، بكل تأكيد، ليس فقط إحداث صدع لا يمكن رأبه بين البشر، بل أيضًا حالة من الفُرقة والقطيعة التي صارت سماتها واضحة في الجيل زد الذي تربَّى في ظل تقدُّم تكنولوجي غير مسبوق.
الحقبة القادمة واحدة من أعقد الفترات في تاريخ البشرية؛ لقد استبدل بجميع ألوان التفاعل والتعامل البشري تعاملات رقمية مراقبة مكشوفة من قبل الآلات والقائمين عليها. وبينما العالم يسعى للحرية المطلقة والاستقلالية التي لا يمكن ممارتها، سيكون قد وقع في سجن «العزلة الاختيارية التَّامة» التي لا يملأها إلَّا الآلات الرقمية التي استفادت من متلازمة كره البشر، وجعلت منها وسيلة تساعدها في تدمير الجنس البشري قاطبة.



