عربي دولي

الدبلوماسية اللبنانية بعد وقف النار: فرصة ضائعة كرّست منطق القوّة

الدبلوماسية اللبنانية بعد وقف النار: فرصة ضائعة كرّست منطق القوّة

منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني 2024، امتلكت الدولة اللبنانية فرصة لاختبار الدبلوماسية كخيار لحماية لبنان ووقف الاعتداءات الإسرائيلية. لكن، لم تخض السلطة معركة دبلوماسية فعلية، بل قدّمت تنازلات مجانية وتخلّت عن أوراق القوة.

عبد الله اسماعيل

النّار في 27 تشرين الثاني 2024 للدّولة اللّبنانيّة اختبار الدّبلوماسيّة كخيار في حماية لبنان ومنع العدوان الإسرائيليّ على لبنان، وقد ساعدت الظّروف الّتي تلت الحرب في بسط يد الدّولة بشكل كامل للعمل بهذا الخيار، ولا سيّما التزام المقاومة بمندرجات الاتفاق لناحية إيقاف العمليات العسكريّة والانسحاب من منطقة جنوب نهر اللّيطاني والتّعاون مع السّلطة.

ولكن هل خاضت السّلطة معركةً دبلوماسيّةً حقيقيّةً؟ وهل استنفذت كلّ الوسائل والأدوات المتاحة في هذه المعركة؟ وهل جيّرت نقاط القوّة المتوفّرة لديها لإجبار العدو على تقديم تنازلات فعليّة؟

تعريف الدبلوماسية

للإجابة عن هذه الأسئلة لا بدّ أوّلاً من معرفة ما هي الدّبلوماسيّة وأدواتها، وكما هو معروف فإنّ الدّبلوماسيّة هي إدارة العلاقات بين الدّول أو الجهات الدّولية عبر التّفاوض والحوار والوسائل السّلميّة، بهدف حماية المصالح الوطنيّة، وتحقيق الأهداف السّياسيّة، وهي تعتمد جملةً من الأدوات لتحقيق أهدافها، وأهمها: الضّغوط السّياسيّة، استثمار العلاقات الدّوليّة، العلاقات العامّة والإعلام، استخدام القوانين الدّوليّة، استثمار الرّأي العام العالميّ، وغيرها من الأدوات. على أنّ إدارة المعركة الدّبلوماسيّة تتطلّب وضع استراتيجيّة محدّدة، تقوم على تحديد الأهداف المطلوبة والتّنازلات الّتي يمكن القبول بها، وذلك بالاستفادة من نقاط القوّة المتاحة.

تفويت الفرص

وبناءً على تتبّع سلوك السّلطة اللّبنانية خلال الـ15 شهراً الماضية، يتبيّن أنّها -أي السّلطة- لم تقم بأيّ خطوة فعليّة في هذا المجال، ويتّضح أنّ الاستراتيجيّة الّتي اعتمدتها هي تقديم التّنازلات، والتّفريط بنقاط القوّة، على أمل تكرّم العدوّ عليها بتقديم تنازلات مقابلة، وهذا ما لم يحصل، لا بل كان العدوّ عند كلّ تنازل مجانيّ تقدّمه له، يطالبها بالمزيد من التّنازلات، حتّى أنّ السّلطة لم تكلّف نفسها عناء القيام بالحدّ الأدنى المطلوب من إجراءات، حتّى الشّكليّة منها، للمواجهة، من قبيل رفع شكاوى متكرّرة إلى مجلس الأمن، لتثبيت الاعتداءات الإسرائيليّة، والطّلب من الدّول الرّاعية للاتّفاق إلزام العدوّ بوقف هذه الاعتداءات، وهي ذهبت إلى حدّ تبنّي الرّواية الإسرائيليّة في المحافل الدّوليّة، من خلال التّصريحات المتكرّرة لوزير الخارجيّة اللّبناني، الّذي برّر للعدو اعتداءاته، معتبراً أنّ سببها هو عدم التزام المقاومة بالاتّفاق، وكما أنّ سلوكها حاول إظهار سلاح المقاومة على أنّه المشكلة وليس عدم التزام العدوّ بالاتّفاق.

فوتت السلطة السياسية فرصةً تاريخيةً للإثبات أنّ الدبلوماسية يمكنها حماية بلدهم

وبالتّالي، يمكن القول بأنّ السّلطة في لبنان لم تخض حرباً دبلوماسيّةً فعليّةً لتحقيق المصالح اللّبنانيّة، بل خضعت كليّاً للضّغوط الأمريكيّة الّتي تخدم العدو الإسرائيليّ، وهي بذلك فوّتت فرصةً تاريخيّةً قد لا تتكرّر للإثبات للّبنانيّين أنّ الدّبلوماسيّة يمكنها حماية بلدهم، وأعادت من حيث لا تدري تأكيد المؤكّد، أنّ حماية لبنان لا تكون إلّا من خلال امتلاك عناصر القوّة، لأنّنا في عالم لا يحترم الضّعيف، ولا يقيم وزناً للقوانين والمعاهدات، إلّا إذا صبّت في مصلحة القويّ.

  • رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في آخر اجتماع لمجلس الوزراء (مروان بو حيدر)
    رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في آخر اجتماع لمجلس الوزراء (مروان بو حيدر)

وعليه، فإنّ ما أقدمت عليه هذه السّلطة منذ وقف إطلاق النّار، وفي ظلّ التّغوّل الأمريكيّ، والتّوحّش الإسرائيليّ، ساهم في تثبيت المقاومة المسلّحة، بوصفها الخيار الوحيد أمام اللّبنانيّين لمواجهة العدوان وأطماعه، وحماية بلدهم، وخصوصاً لدى أهل المقاومة الّذين قُتل أبناؤهم، وهُدمت بيوتهم، ودمّرت قراهم في ظلّ خيار الدّبلوماسيّة.

وهذا يمكن أن يفسّر سبب صبر الناس على دفع الأثمان الباهظة نتيجة تبنّيهم لخيار المقاومة، وشعورهم بتخلّي السّلطة عنهم وتركهم في مواجهة آلة القتل الإسرائيليّة بمفردهم، وفشلها في خوض معركة دبلوماسيّة حقيقيّة لحمايتهم. هذا إن كانت جادّة في حمايتهم!

الاخبار اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب