الرابحون الخلفيّون من حرب إيران: مكاسب الصين ليست محدودة

الرابحون الخلفيّون من حرب إيران: مكاسب الصين ليست محدودة
يبدو أن أطرافاً أخرى غير إيران ستَخرج من حرب الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بمكاسب استراتيجية. وعلى رأس هؤلاء تأتي الصين، التي يبدو أنها ستستفيد من غير جانب من جوانب الحرب، ومن بينها ما لحق بصورة الولايات المتحدة من أضرار.
في وقت تتركّز فيه غالبية التحليلات على المكاسب التي جنتها إيران من الاتفاق الذي قبِل الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، مُجبَراً، توقيعه معها، يَبدو أن ثمّة «رابحين» آخرين من الصراع، من دون أن يكونوا أطرافاً مباشرين فيه؛ وعلى رأس هؤلاء تأتي الصين، إذ يجادل مراقبون، طبقاً لِما يرِد في تقرير لمجلة «نيوزويك» الأميركية مثلاً، بأن بكين خرجت من الحرب في الشرق الأوسط بمكاسب استراتيجية على «جبهات» عدّة، في مقدّمها تعزّز صورة واشنطن، ولا سيما في دول الجنوب العالمي، كشريك غير موثوق، تزداد تصرّفاته، مع الوقت، تقلّباً، وتصبح غير قابلة للتنبّؤ بشكل أكبر.
وفي حديث إلى المجلّة الأميركية، تعتبر كوري شاكي، مديرة «دراسات السياسة الخارجية والدفاعية» في «معهد أميركان إنتربرايز»، أن الأميركيين يشهدون الآن عواقب سياسات ترامب، والتي تتجلّى في حجب دول غاضبة الدعم عن بلادهم، ولا سيما أن الخيارات الأميركية تفرض عليها أثماناً ومخاطر. وتقول شاكي في هذا الإطار: «أصبحنا نبدو أقلّ كفاءة من الناحية الاستراتيجية مقارنة بالصين». وبالحديث عن الصين، يعتقد المعلّق السياسي الصيني، هو شي جين، في منشور على منصة التواصل الاجتماعي «ويبو»، أنه «ليست للصين مصلحة في ارتداء (هالة المنتصر) في حرب بعيدة في الشرق الأوسط»، مستدركاً بأن «الصراع قد أثّر على نظرة العالم إلى الصين؛ إذ أظهر نجاح تخطيطها الاستراتيجي في مواجهة صدمات الطاقة، ومدى جاذبية مسار التنمية السلمي الذي تنتهجه»، مضيفاً أن الحرب «أضعفت بشكل كبير قوة الردع الشاملة للولايات المتحدة عندما يتعلّق الأمر بتايوان». كما يشير إلى أن «الصراع كشف عن حدود مخزونات الذخيرة الأميركية، وعجز واشنطن عن تشكيل تحالف غربي حتى ضدّ عدو معزول مثل إيران»، وهو ما يعزّز مساعي بكين لإقناع الجزيرة بأنه ما من خيار أفضل من الوحدة مع البرّ الرئيسي.
الحرب الأخيرة عزّزت إحدى نقاط القوة الرئيسَة لدى بكين، أي المعادن النادرة
في المقابل، يتساءل بعض الخبراء الصينيين، بشكل متزايد، عمّا إذا كانت الحرب الأخيرة تمثّل ما يُعرف بـ«لحظة السويس» بالنسبة إلى الولايات المتحدة، في إشارة إلى فقدان بريطانيا لسيطرتها على قناة السويس في خمسينيات القرن الماضي، والذي تمّ النظر إليه على نطاق واسع كمؤشّر على أفول نجم بريطانيا. ويتساءل سون ديغانغ، مدير «مركز دراسات الشرق الأوسط» في «جامعة فودان» في شنغهاي، في مقال رأي نُشر في صحيفة «غلوبال تايمز» الحكومية الصينية: «هل المشهد الذي ألقى بظلاله على الإمبراطورية البريطانية خلال أزمة السويس يتكرّر الآن مع الولايات المتحدة في مضيق هرمز؟». ويشير ديغانغ إلى أنه «منذ نهاية الحرب الباردة، أصبحت الولايات المتحدة (القوة العظمى الوحيدة) في العالم»، مستدركاً بأنه في هذه المرّة «لم تُثبِت القوة العسكرية الأميركية أنها طاغية وقوية بالشكل الذي تخيّلته واشنطن»، في حين أن امتناع الحلفاء الرئيسين عن دعم حربها يُعدّ علامة على أن «نظام التحالف العالمي الذي تقوده بات يُظهِر انقساماً متزايداً».
دبلوماسية الطاقة
اختبرت الصين، في خلال الحرب على إيران، واحدة ممّا كان يُفترض أنها أكبر نقاط الضعف لديها، والمتمثّلة في استيرادها نحو 40% من نفطها الخام، ونحو ثلث غازها الطبيعي المُسال من الشرق الأوسط. ولذا، عندما أُغلق مضيق هرمز، وتوقّفت حركة الشحن بشكل شبه كامل، توقّع العديد من المحلّلين أن تواجه بكين اضطراباً اقتصادياً حادّاً. ومع ذلك، تمكّنت الصين – بحسب مجلة «نيوزويك» – من امتصاص الصدمة، مستندةً إلى احتياطياتها النفطية الاستراتيجية المُقدَّرة بنحو 1.2 مليار برميل، وخفض إنتاج مصافي التكرير، فضلاً عن الجهود التي بذلتها على مدار سنوات لتنويع طرق الإمداد وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري المُستورد. وفي حين أُجبرت دول أخرى، بما فيها اليابان وكوريا الجنوبية، على السحب من احتياطيات الطوارئ الخاصة بها ومسابقة الزمن لتأمين إمداداتها، واجهت الصين ضغوطاً أقلّ لاتّخاذ تدابير جذرية، وأتيحت لها الفرصة لممارسة «دبلوماسية الطاقة». هكذا، زادت المصافي الصينية من صادراتها من المُنتجات النفطية، بما فيها وقود الطائرات والديزل، إلى الأسواق الإقليمية، ما ساعد في تخفيف النقص في الاقتصادات التي تعاني من إجهاد الطاقة، حتى لدى شركاء للولايات المتحدة، من مثل الفيليبين.
في الإطار نفسه، خلص تقرير لشركة الاستشارات الجيوسياسية «مجموعة آسيا»، أخيراً، إلى أن الصين استطاعت الاستفادة من «التوجّهات الاقتصادية والجيوسياسية التي أنتجها الصراع» في الشرق الأوسط. ويُعزى ذلك إلى أسباب متعدّدة، من بينها أن بكين حافظت لفترة طويلة على احتياطيات استراتيجية من الطاقة، واستغلّت العام الماضي انخفاض الأسعار لبناء مخزونات أكبر. كما أحدثت توسّعاً كبيراً في البنية التحتية للطاقة المتجدّدة؛ ففي العام الماضي مثلاً، قامت بتركيب 315 غيغاوات من سعة الطاقة الشمسية الجديدة، أي أكثر من نصف ألواح هذه الطاقة ومحطّاتها في العالم، علماً أن بكين تهدف إلى أن يأتي نصف طاقتها من مصادر غير أحفورية بحلول عام 2030. بالتوازي، استفادت الصين من لجوء الدول الأخرى، عقب أزمة «مضيق هرمز»، إلى تسريع بنائها للبنية التحتية للطاقة النظيفة، ولا سيما أن بكين تسيطر على سلاسل التوريد العالمية في قطاع الطاقة الشمسية وغيره من صناعات التكنولوجيا النظيفة. وبعدما أرسلت، في السنوات الأخيرة، الجزء الأكبر من هذا الإنتاج إلى الخارج بأسعار منخفضة، ارتفعت صادراتها من السيارات الكهربائية بنسبة تتجاوز 110% في أيار مقارنة بالعام السابق، في حين زادت شحنات الطاقة الشمسية في نيسان بنسبة 60%.
كذلك، يُحتمل أن تعزّز الحرب نقطة قوة أخرى لدى الصين، هي المعادن النادرة؛ إذ فيما استهلكت واشنطن، خلال المواجهة مع طهران، مخزوناتها من الأسلحة والذخائر المتطوّرة، بما فيها صواريخ «توماهوك» و«باتريوت»، بات استبدال هذه الأسلحة، طبقاً لتقرير نشرته شبكة «أن بي سي»، يتطلّب «معدناً قوياً» هو التنغستن، الذي تهيمن الصين على إنتاجه وتكريره، وهو ما يدفع الولايات المتحدة، حالياً، إلى البحث عنه بيأس في مكان آخر. والجدير ذكره، هنا، أن الأميركيين لا يمتلكون مناجم «تنغستن» تجارية نشطة منذ عام 2015، فيما جعلت إدارة ترامب من كبح الاعتماد على الإمدادات الصينية في هذا المجال مهمّة أساسية لها. ومن بين الأماكن التي يمكن العثور فيها على المعدن المذكور، جبال شرق كوريا الجنوبية، حيث ثمّة منجم تملكه شركة أميركية، لكن عدد هذه المناجم قليل جدّاً حول العالم. وظَلّ «التنغستن»، الذي تعرّضت إمداداته العالمية لمزيد من الضغوط منذ بدء الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، لفترة طويلة، يُعرف باسم «معدن حرب»، قبل أن يصبح محورياً في إنتاج أشباه الموصلات والبطاريات والهواتف الذكية وغيرها، من أن يتوافر له حتى اليوم أيّ بديل.
الاخبار اللبنانية




