فلسطين
الزراعة والري في فلسطين تحت ضغط الاستيطان ومصادرة الأراضي والسيطرة على المياه
انحسار الرقعة الزراعية يهدد الأمن الغذائي ويستهدف مقومات الصمود الفلسطيني

الزراعة والري في فلسطين تحت ضغط الاستيطان ومصادرة الأراضي والسيطرة على المياه
انحسار الرقعة الزراعية يهدد الأمن الغذائي ويستهدف مقومات الصمود الفلسطيني
إعداد وتقرير: صحيفة صوت العروبة
تواجه الزراعة الفلسطينية تحديات متصاعدة تتجاوز الأزمات التقليدية المرتبطة بشح الأمطار والتغير المناخي وارتفاع تكاليف الإنتاج، لتصل إلى تهديد مباشر لمقومات استمرار النشاط الزراعي، بفعل التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والاعتداءات المتكررة على المزارعين، والسيطرة على مصادر المياه والينابيع والآبار وشبكات الري.
وباتت الأرض والمياه تشكلان محوراً أساسياً في التحديات التي تواجه الأمن الغذائي الفلسطيني، في ظل تراجع قدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم واستثمارها، خصوصاً في الأغوار والمناطق المصنفة (ج) والأراضي المحاذية للمستوطنات.

تطور أنظمة الري وتحديات الواقع
شهد قطاع الزراعة الفلسطيني خلال العقود الماضية تطوراً في وسائل الري، من الاعتماد التقليدي على مياه الأمطار والآبار والينابيع والري بالغمر، إلى استخدام تقنيات الري بالتنقيط والرش، وإنشاء الخزانات وشبكات توزيع المياه، والاستفادة من الطاقة الشمسية لتشغيل المضخات.
وأسهمت هذه التقنيات في تحسين كفاءة استخدام المياه ورفع إنتاجية بعض المحاصيل، إلا أن انتشارها لا يزال محدوداً بفعل ارتفاع تكاليف الإنشاء والصيانة، وصعوبة تطوير مصادر المياه، والقيود المفروضة على إقامة المنشآت المائية وحفر الآبار في مناطق واسعة من الضفة الغربية.
وتؤكد وزارة الزراعة أن السيطرة على الموارد المائية وارتفاع كلفة مياه الري من أبرز التحديات التي تعيق التنمية الزراعية، إلى جانب محدودية التمويل وضعف البنية التحتية.
مؤشرات رقمية تكشف حجم الخسائر
تكشف البيانات الرسمية والدولية عن حجم الأضرار التي لحقت بالقطاع الزراعي الفلسطيني:
أعلنت وزارة الزراعة الفلسطينية، في 12 كانون الثاني 2026، أن الخسائر الاقتصادية المباشرة للقطاع الزراعي في الضفة الغربية تجاوزت 103 ملايين دولار خلال عام 2025.
وثّق تقرير الوزارة خسائر تجاوزت 1.58 مليون دولار نتيجة الاعتداءات على الآبار وبرك تجميع المياه وشبكات الري والسيطرة على الينابيع.
أشار التقرير إلى تضرر 91,933 شجرة زيتون نتيجة الاقتلاع والتكسير والحرق ومنع الوصول إلى الأراضي والمحاصيل.
أعلنت سلطة جودة البيئة توثيق 685 انتهاكاً بيئياً خلال عام 2025، شملت الاعتداء على مصادر المياه والأراضي الزراعية والغطاء النباتي والتنوع الحيوي.
وفي تقريره الصادر في 17 تموز 2026، وثّق الاتحاد الأوروبي إقرار إقامة 54 مستوطنة جديدة و86 بؤرة استيطانية خلال عام 2025، إلى جانب تسجيل 1828 اعتداءً للمستوطنين أسفرت عن إصابات أو أضرار مادية.
وتعكس هذه الأرقام حجم الضغوط التي يتعرض لها القطاع الزراعي، وتؤكد أن الخسائر لا تقتصر على المحاصيل، بل تمتد إلى البنية التحتية والموارد الطبيعية وسبل عيش آلاف الأسر الريفية.
السيطرة على المياه تهدد الأمن الغذائي
تشكل السيطرة على مصادر المياه أحد أبرز العوائق أمام تطوير الزراعة الفلسطينية، إذ تؤدي القيود على حفر الآبار وتطوير شبكات المياه، والاعتداء على الينابيع والخزانات، إلى تقليص قدرة المزارعين على ري أراضيهم بصورة منتظمة.
كما أن اضطرار المزارعين إلى شراء المياه ونقلها بالصهاريج يرفع كلفة الإنتاج ويضعف القدرة التنافسية للمنتجات الفلسطينية، ويهدد استمرارية زراعة الأشجار المثمرة والخضراوات والمحاصيل الموسمية.
مسؤولية وطنية وقانونية وتنموية

إن حماية الزراعة الفلسطينية تتطلب استراتيجية وطنية متكاملة تقوم على توسيع شبكات الري الحديث، وإنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، وإعادة تأهيل الآبار والينابيع، ودعم الطاقة الشمسية، وتطوير معالجة المياه وإعادة استخدامها وفق المعايير الصحية والبيئية.
كما تتطلب توفير التأمين الزراعي والقروض الميسرة وتعويض المزارعين، وتوثيق الاعتداءات ومتابعتها أمام المؤسسات الدولية المختصة، وضمان وصول المزارعين إلى أراضيهم ومصادر المياه.
إن حماية الأرض والمياه ليست قضية زراعية واقتصادية فحسب، بل قضية وطنية تتصل بالوجود الفلسطيني والأمن الغذائي والحقوق المشروعة في الموارد الطبيعية. فالري الحديث لا يكفي إذا حُرم المزارع من المياه، والاستثمار الزراعي لا يمكن أن يستمر إذا أصبحت الأرض عرضة للمصادرة والعزل والاعتداء.
ومن هنا، فإن تثبيت المزارع في أرضه، وحماية مصادر المياه، وتطوير القطاع الزراعي، يجب أن تكون في صدارة الأولويات الوطنية، باعتبارها ركائز أساسية للصمود والتنمية المستدامة وحماية حقوق الأجيال الفلسطينية القادمة.
إعداد وتقرير: صحيفة صوت العروبة



