
السابع من نيسان : من ذاكرة الميلاد الى مسؤولية إعادة التأسيس
بقلم الدكتور طارق عبد اللطيف عكرمة
استشراف الذكرى التاسعة والسبعين في زمن انحسار المشاريع الكبرى
تمهيد: ليست الذكرى رقمًا يُضاف إلى التقويم، ولا هي لحظة وجدان تُستعاد كطقس سنوي. الذكرى، في جوهرها العميق، مواجهة. مواجهة بين ما وُعد به التاريخ وما أنجزه الفعل، بين ما صيغ في لحظة تأسيسية وما تفتّت عبر مسارات الانكسار. في السابع من نيسان، لا نحتفل بذكرى ميلاد حزب بقدر ما نُحاكم أنفسنا: هل ما زالت الفكرة التي وُلدت لتُحرّر التاريخ قادرة على أن تُعيد كتابته؟ أم أنّها تحوّلت (بفعل العواصف)،إلى ذاكرةٍ تُستدعى حين نحتاج العزاء، لا حين نقرر الفعل؟
حين صاغ المفكر الأستاذ ميشيل عفلق رؤيته في منتصف أربعينيات القرن العشرين، لم يكن يكتب برنامجًا سياسيًا بالمعنى التقليدي. كان يُطلق نداءً وجوديًا: أن يعود الانسان العربي إلى ذاته، ليس بوصفه أثرًا من ماضٍ مجيد، بل بوصفه طاقةً حاضرة قادرة على الفعل. لم تكن العروبة عنده حنينًا إلى أمجاد سابقة، بل رسالةً تُستكمل، ولم تكن الوحدة شعارًا يُرفع في المناسبات، بل ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة العصر، ولم تكن الحرية مطلبًا سياسيًا فقط، بل شرطًا لولادة المعنى الإنساني في مجتمع كان يخرج من تحت رماد الاستعمار.
ومن هنا، فإنّ استحضار الذكرى التاسعة والسبعين لا يكتمل بالاحتفاء والاستذكار، بل يكتمل حين تتحوّل إلى بوصلة تُعيد ترتيب علاقتنا بالزمن: ماذا أخذنا من الميلاد؟ وماذا أضفنا إليه؟ وماذا قصّرنا فيه؟ هذه الأسئلة ليست نقدًا للذات بقدر ما هي شرط لتجديدها. فالأفكار الكبرى لا تُورث، بل تُعاد ابتكارها في كل جيل، وإلا تحوّلت إلى متاحف. والذكرى ليست فقط مواجهة مع الماضي، بل مواجهة مع الموت – موت الفكرة إن لم تتجدد. كل ذكرى هي تذكير بأن الفكرة حية ما دامت تُسأل، وميتة إذا اكتفت بالإجاب. ومع كل هذا ، لا ننسى أن ما نحتفل به اليوم هو ميلاد فكرة غيّرت وجه المنطقة لعقود. فكرة قالت للإنسان العربي، أنت لست تابعاً. فكرة أسست لدولة عصرية في العراق، وقادت نضالات التحرر في فلسطين، وفتحت الطريق أمام أجيال من المناضلين. نحن لا نحتفل بماضٍ مثالي، بل بماضٍ حي، فيه من الإنجاز ما يبعث الأمل، وفيه من العثرات ما يدفع إلى العمل.
وفي هذا السياق، يكتسب انعقاد المؤتمر القومي الثالث عشر دلالة استثنائية، فهو ليس مجرد مؤتمر تنظيمي عادي، بل هو امتحان للفكرة في قدرتها على تجديد نفسها. فالقيادة المنتخبة التي خرج بها المؤتمر تتحمل مسؤولية ترجمة هذه الذكرى إلى برنامج عمل.
أولاً: صناعة المستقبل: (من استعادة الذاكرة إلى استشراف الغد):
1. المشكلة ليست في الماضي، بل في علاقتنا به: هناك فارق جوهري بين استعادة الذاكرة واستشراف المستقبل. الأول فعل مؤرخ، والثاني فعل مؤسس. نحن لا نحتاج إلى ترميم صورة الماضي، بل إلى استخلاص روحه، تلك الطاقة التأسيسية التي قالت للإنسان العربي إنه ليس تابعًا، وإنه قادر على أن يكون فاعلًا في التاريخ لا موضوعًا عليه. وما فعله القائد المؤسس في أربعينيات القرن الماضي كان أشبه بانقلاب في الوعي، ألا تكون العروبة رد فعل على الآخر، بل إعلانًا للذات. هذه النزعة (نزعة الفعل الذاتي) هي ما نفتقده اليوم. نحن في زمن يُقرأ فيه تاريخنا كسلسلة من الهزائم، ونُنتج وعيًا دفاعيًا لا هجوميًا. والمطلوب اليوم، في هذه الذكرى، هو قلب المعادلة، في أن نتحول من قراءة الماضي كحنين إلى قراءته كمشروع.
2. المستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات: إذا نظرنا إلى مسيرة الفكرة القومية، نجد أن قوتها كانت في قدرتها على التعبئة، وضعفها كان في قلة قدرتها على التحويل. التعبئة تصنع اللحظات الكبرى، لكن التحويل—أي تحويل الطاقة الجماهيرية إلى مؤسسات دائمة، وإلى اقتصادات منتجة، وإلى علوم متقدمة، هو ما يصنع المستقبل. لقد أفلحت الفكرة في لحظات التحدي الكبرى، لكنها لم تُترجم بما يكفي إلى قوة صلبة، تتمثل في قاعدة صناعية متكاملة، تكامل عربي حقيقي، مشروع معرفي ينتج العلم لا يستورده. كما إن استشراف الذكرى اليوم يعني الجرأة على القول، في إنّ صناعة المستقبل تبدأ حين نعيد تعريف القوة. حيث إن القوة لم تعد فقط قوة السلاح، بل قوة الاقتصاد، قوة العلم، قوة التنظيم، قوة القدرة على إنتاج البدائل. وهذه لا تُبنى بالشعارات، بل ببرامج طويلة الأجل، وبمؤسسات قادرة على الاستمرار، وبوعي جماهيري يرفع من سقف طموحاته.
3. المستقبل للقادرين على إنتاج المعنى: في زمن العولمة وثورة المعلومات، أصبحت المعركة على المعنى لا تقل أهمية عن المعركة على الجغرافيا. الأمة التي لا تملك قدرة على إنتاج معناها الخاص، تُقرأ من خلال معاني الآخرين، وتُصنف ضمن تصنيفاتهم. لقد أتقنت القوى الكبرى فن صياغة السرديات، فجعلت القضية الفلسطينية (إرهابًا)، والمقاومة (عنفًا مذهبيًا)، والدعوة إلى الوحدة (رجعية قومية)، والنضال من أجل العدالة الاجتماعية (شعبوية). في مواجهة هذا، نحتاج إلى استعادة القدرة على إنتاج المعنى، في أن نعيد كتابة تاريخنا بلغتنا، أن نعيد تعريف مفاهيمنا (الحرية، العدالة، الوحدة) من داخل ثقافتنا وتاريخنا وواقعنا، لا من خلال عدسات الآخر. هذه هي المعركة الثقافية، وهي شرط لأي نهوض حقيقي. ويبقى الشباب العربي العامل الحاسم في أي عملية إعادة تأسيس، ليس بوصفه امتدادًا للذاكرة، بل كقوة قادرة على إعادة إنتاج الفكرة بلغة عصرها، وأدواته، وتحدياته.
ثانياً: العراق: (حين تكون التضحية علامة وجود):
1. لماذا العراق؟: ليس من قبيل الصدف أن تتركز أعنف الهجمات على العراق في العقود الأخيرة. العراق، في الوعي القومي، لم يكن يومًا مجرد قطر عربي من بين أقطار، بل كان العمق الاستراتيجي الذي يمكن أن تنطلق منه مشاريع النهضة. موقعه الجغرافي، ثرواته، تنوعه، وتاريخه الطويل من المقاومة جعلته نقطة ارتكاز لأي مشروع تحرري. ومن هنا، كان لا بد من تحييده. لم تكن الحرب على العراق واحتلاله في (2003) مجرد غزو عسكري، بل كانت محاولة لاقتلاع نموذج. ذلك النموذج الذي قال، يمكن لدولة عربية أن تمتلك قرارًا مستقلاً، أن تواجه الإرادة الدولية، أن تصنع تنميتها بيدها، أن توظف ثرواتها في خدمة قضايا الأمة العربية. هذه (الجرائم) كانت كافية لتكون العراق مستهدفًا.
2. التضحيات التي قُدّمت: ما دفعته الأمة العربية عبر العراق ليس أرقامًا في سجلات، بل دماء، وخرابًا، وتفكيكًا لمؤسسات، وتهجيرًا لسكان، ومحاولة ممنهجة لطمس الهوية. وتشير تقديرات الأمم المتحدة لعام 2006 إلى تجاوز عدد الضحايا في العراق المليون شهيد، بينما تحدثت تقارير أخرى عن 500 ألف، وملايين النازحين، وبنية تحتية دُمّرت، واقتصاد نهب، وثقافة استُبدلت بثقافة الفتنة الطائفية. هذا هو الثمن الذي دُفع. لكن السؤال الذي يواجهنا اليوم، هل حوّلنا هذه التضحيات إلى رصيد؟ أم تركناه في خانة الرثاء؟ إنّ التضحيات لا تُورث قوة بمجرد سردها، بل تتحول إلى قوة حين تُترجم إلى برنامج، برنامج لإعادة بناء الدولة، برنامج لاستعادة السيادة، برنامج لمواجهة مشاريع التقسيم.
3. الشهيد صدام حسين: بين الرمز والمساءلة: هنا لا يمكن المرور دون وقفة عند اسم شهيد الحج الأكبر صدام حسين. ليس لأنه شخصية تاريخية عابرة، بل لأنه—في لحظة فارقة—جسّد معنى المواجهة حين كانت كلفة الرفض أعلى من طاقة الاحتمال. لقد وقف الشهيد، بكل ما حمل من قوة وعنف، في وجه مشروع دولي كان يريد إعادة ترتيب المنطقة كاملة. لم يكن التجربة خاليًة من الهفوات، ولم تكن تجربته مثالية، لكن لا يمكن إنكار أنه مثّل، لعقود، سدًا منيعًا أمام أطماع إقليمية ودولية. اليوم، حين نقف في الذكرى التاسعة والسبعين، يمكننا أن نتصور الشهيد صدام حسين- وهو في مصافّ الشهداء- ينظر إلينا متسائلاً: ماذا فعلتم بما قدّمنا؟ هل حوّلتم الدماء إلى نهضة، أم تركتموها تتبخر في صراعات داخلية؟ هل حافظتم على ما بُني من مؤسسات، أم تركتموها تنهار؟ هل صمدتم كما صمدنا، أم انكسرتم؟ هذه الأسئلة ليست استدعاءً لشخص، بل هي مساءلة للذات القومية، ماذا نصنع اليوم بالثمن الذي دُفع؟ هل نُحوّله إلى رصيد للفعل، أم نُبقيه في خانة الرمز والاستذكار؟
ثالثاً: التآمر الدولي – قراءة في استمرارية المشروع الاستعماري: وكما يذهب المفكر الأمريكي جوزيف ناي في نظريته عن (القوة الناعمة) إلى أن أنماط الهيمنة لم تعد تعتمد فقط على القوة الصلبة، بل على مزيج من القوة الناعمة والذكية، بما يعيد تشكيل الدول والمجتمعات من الداخل. وليس الصراع اليوم بين قطبين كما في الحرب الباردة، بل هو صراع متعدد الأقطاب، فيه تناقضات يمكن استثمارها. فالصعود الصيني والتنافس الروسي الأمريكي يفتحان فراغات يمكن للحركة القومية العربية أن تتحرك فيها، ليس بالتحالف مع أحد ضد الآخر، بل بالاستفادة من هذه التناقضات لخدمة المصالح العربية.
1. أشكال الهيمنة تتجدد، لكن الجوهر واحد: إذا نظرنا إلى تاريخ الأمة العربية خلال المائة عام الماضية، نجد أن الهيمنة الخارجية لم تتوقف يومًا، لكنها تبدّلت في أشكالها. بدأت بالاستعمار المباشر (الانتداب الفرنسي والبريطاني)، ثم انتقلت إلى الهيمنة غير المباشرة عبر القواعد العسكرية والتحالفات، ثم إلى الهيمنة الاقتصادية عبر الديون والهياكل المالية الدولية، ثم إلى الهيمنة المعرفية والثقافية عبر الإعلام وشبكات التواصل، وأخيرًا إلى محاولات إعادة تشكيل الخرائط السياسية والديموغرافية تحت عناوين (الديمقراطية) و(حقوق الإنسان) و(محاربة الإرهاب). لكن الجوهر لم يتغير، إبقاء الوطن العربي مجزأ الإرادة، مجزّأ القرار، قابل لإعادة الترتيب كلما اقتضت المصالح. المشروع الاستعماري لم ينتهِ مع انسحاب الجيوش، بل استمر بأدوات أكثر تعقيدًا وأقل كلفة.
2. الجغرافيا الممتدة: من المشرق إلى أفريقيا: ما يجري في المشرق العربي (العراق، سوريا، لبنان، فلسطين) ليس منفصلاً عمّا يجري في امتدادات الأمة العربية في أفريقيا (ليبيا، السودان، الصومال، موريتانيا). الخرائط تُعاد صياغتها بوسائل جديدة، تتمثل في تقسيم الأقطار، خلق صراعات مذهبية وقبلية، تفكيك الجيوش الوطنية، إضعاف الدولة المركزية، واستبدالها بكيانات هشة قابلة للاختراق. هذه ليست أحداثًا عابرة، بل استراتيجية ممنهجة لتفكيك أي تجمع عربي قادر على الفعل المستقل.
3. الأدوات الجديدة للهيمنة: من أبرز الأدوات:
أ. أداة الفتنة الطائفية والمذهبية: بعد فشل المواجهة المباشرة، رُوّج لمشروع (الشرق الأوسط الجديد)، القائم على دول طائفية ومذهبية تتصارع فيما بينها، فلا تقوى على مواجهة المشروع الخارجي.
ب. أداة الإرهاب كغطاء: استُخدمت جماعات التطرف كذراع لتبرير التدخلات، فكلما أريد لقطر أن يُغزى، قيل إنه (يضرب الإرهاب)، أو إنه (يحمي نفسه من الإرهاب).
ت. أداة الاقتصاد والديون: بات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يفرضان شروطهما على الاقطار العربية، في مقابل قروض تزيدها فقرًا وتبعية، وتجردها من قرارها الاقتصادي المستقل.
ث. أداة الإعلام والوعي: أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي ساحة معركة مفتوحة، تُستخدم لتجريف الوعي الوطني والقومي، ونشر ثقافة الفردانية والاستهلاك، وتفريغ الشباب من هموم الأمة الكبرى.
ج. كما أصبحت التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي أدوات مركزية في إعادة تشكيل الوعي، حيث لم تعد السيطرة تمر فقط عبر الجيوش أو الاقتصاد، بل عبر التحكم في البيانات، والخوارزميات، ومنصات التواصل التي تعيد تشكيل إدراك الأفراد للواقع.
4. المطلوب: الوعي بالعدو وبالذات معًا: مواجهة هذا التآمر لا تكون بالشعارات، بل بفهم دقيق لآلياته، ثم ببناء مشروع مضاد. المطلوب وعي مزدوج، وعي بالعدو (بأدواته، مصالحه، تناقضاته)، ووعي بالذات (بإمكاناتها، عثراتها، طاقتها على التجدد). ومن هنا، فإنّ أول خطوات المواجهة هي استعادة القدرة على التحليل النقدي، أن نقرأ ما يحدث حولنا بعيوننا، لا بعيون الآخر.
رابعاً: فلسطين: (معيار الصدق القومي): تبقى القضية الفلسطينية المعيار الأكثر وضوحًا لقياس صدقية أي مشروع قومي عربي. فهي ليست مجرد قضية سياسية أو صراع حدودي، بل تمثل جوهر الصراع على الهوية والمعنى والوجود. لقد كانت فلسطين، منذ لحظة الميلاد، البوصلة التي تختبر بها الشعارات، فمن خلالها يُقاس مدى التزام الوحدة، وعمق معنى الحرية، وحقيقة العدالة. وفي زمن إعادة تشكيل المنطقة، لم تعد فلسطين فقط أرضًا محتلة، بل تحولت إلى ساحة لإعادة تعريف المفاهيم ذاتها: المقاومة، الشرعية، الإرهاب، السيادة. ومن هنا، فإن أي مشروع نهضوي عربي لا يجعل من فلسطين مركزًا لتحليله ورؤيته، يظل مشروعًا ناقصًا، مهما بلغت قوته النظرية. وفي هذا السياق، لا تمثل فلسطين فقط اختبارًا للصدق القومي، بل تمثل أيضًا بوصلة استراتيجية تعيد تعريف أولويات الصراع في المنطقة. ولا تقتصر هذه الحالة على فلسطين، بل تمتد إلى مجمل الأراضي العربية المحتلة، حيث يتجلى استمرار الصراع على السيادة والهوية في أكثر من جغرافيا عربية.
خامساً: مسؤولية الفكرة القومية في زمن الانحسار:
1. الفكرة لا تسقط بخسارة معركة: لقد خاضت الفكرة القومية معارك كثيرة، بعضها انتصرت، وبعضها انكسرت. لكن الفكرة الكبرى لا تُقاس بمعركة واحدة، بل بقدرتها على العودة بعد كل انكسار. المشكلة ليست في وجود هزائم، فالتاريخ لا يُصنع دون هزائم. المشكلة في أن نحوّل الهزيمة إلى حالة دائمة، أو أن نقرأها على أنها نهاية الطريق. ما تحتاجه الفكرة اليوم هو إعادة اكتشاف معانيها في ضوء متغيرات العصر، وإعادة صياغتها بلغة جديدة تخاطب الأجيال الشابة التي لا تعرف الماضي، وإعادة بناء أدواتها لتكون قادرة على المنافسة في سوق الأفكار.
2. العودة إلى الجوهر: الوحدة – الحرية – الاشتراكية: في زمن التفكك والانقسام، قد تبدو هذه الشعارات (كلاسيكية) أو (متجاوزة). لكن الجوهر الذي تحمله لم يتجاوزه الزمن:
أ. الوحدة: ليست تعني بالضرورة الاندماج السياسي الكامل في لحظة واحدة، بل تعني التكامل التدريجي، وتعني أن تكون المصالح العربية العليا فوق المصالح القطرية الضيقة، وأن يكون التنسيق العربي في كل المجالات (الأمن، الاقتصاد، السياسة، الثقافة) قاعدة لا استثناء.
ب. الحرية: ليست فقط التحرر من الاستعمار الخارجي، بل التحرر من الاستبداد الداخلي، والتحرر من الفقر والجهل والمرض، والتحرر من التبعية الثقافية والفكرية.
ت. الاشتراكية: ليست تأميمًا عقائديًا، بل عدالة اجتماعية منتجة، وتكافؤ فرص، وحق لكل مواطن في العيش الكريم، وسيادة الدولة على الثروات الاستراتيجية. كما إن النهج الاشتراكي اليوم، في سياق عربي، تعني مواجهة سياسات صندوق النقد الدولي، ووقف نزيف الديون، وتحرير الاقتصاد الوطني من الهيمنة الأجنبية، وبناء قاعدة صناعية قادرة على المنافسة.
هذه الثلاثية، إذا فهمت في عمقها، تبقى صالحة لكل زمان، لأنها تجيب عن أسئلة الوجود الجمعي، كيف نحمي أنفسنا (الوحدة)؟ كيف نحرر إرادتنا (الحرية)؟ كيف نوزع خيراتنا بعدالة (الاشتراكية)؟
3. تجديد العلاقة بين الفكرة والتنظيم: لعل أخطر ما واجه الفكرة القومية هو( انفصالها )عن تنظيمها، أو انغلاق التنظيم على نفسه. الأفكار تحتاج إلى أدوات تحملها، وهذه الأدوات هي التنظيمات. لكن التنظيم إن لم يبقَ على صلة حية بالمجتمع، يتحول إلى نخبة مغلقة، تتحدث بلغة لا يفهمها الجمهور، وتتصرف وكأنها تملك الحقيقة دون أن تثبتها في الواقع. تجديد الفكرة يعني تجديد التنظيم، انفتاحًا على المجتمع، واستقطابًا للجماهير ، وتطويرًا لأساليب العمل، واستعدادًا للتعلم من التجارب—الناجحة والفاشلة على السواء. ولا يمكن لأي مشروع نهضوي أن يكتمل دون إعادة الاعتبار لدور المرأة العربية، بوصفها شريكًا أصيلاً في بناء المجتمع، لا موضوعًا للخطاب أو التهميش.
سادساً: ماذا يريد البعث أن يكون؟ في السابع من نيسان، لا يُسأل: ماذا كان البعث؟ بل: ماذا يريد أن يكون؟. هل يبقى شاهدًا على تاريخه، أم يعود فاعلًا في صناعة تاريخه؟ هل يكتفي بأن يُقال عنه إنّه صمد، أم يفرض على الواقع أن يعترف بأنّه عاد؟ هل يظل أسير خطاب دفاعي، أم يمتلك الجرأة على خطاب تأسيسي؟
بين هذين السؤالين، تقف الأمة العربية (بأوجاعها وآمالها)، تنتظر إجابةً لا تُكتب بالكلمات وحدها، بل تُصاغ بالفعل. فحين تُحاصَر الفكرة، لا يكون أمامها إلا خياران: أن تنكمش… أو أن تتجدّد. والتجدّد، هنا، ليس ترفًا… بل شرط البقاء. إنّ تحويل الفكرة من حالة الدفاع إلى موقع الفعل يتطلب جملة من المحددات الاستراتيجية، من أبرزها:
1. إعادة بناء العلاقة بين الفكر والتنظيم،
2. الاستثمار في المعرفة والتكنولوجيا،
3. تعزيز التكامل العربي التدريجي،
4. استعادة مركزية القضايا القومية، وفي مقدمتها فلسطين،
5. والانفتاح على الأجيال الشابة بوصفها حاملة مشروع المستقبل.
إنّ استشراف الذكرى اليوم لا يعني تكرار ما قيل، بل الجرأة على ما لم يُقَل. يعني الانتقال من منطق الدفاع إلى منطق الخلق: أن نُعيد تعريف الوحدة كمسارٍ تراكمي يبدأ من التكامل لا من القفز، وأن نُعيد تعريف الحرية كقدرةٍ على الفعل، لا مجرد تغيير في شكل السلطة، وأن نُعيد تعريف الاشتراكية كعدالةٍ منتجة، لا توزيعٍ للعجز. ويعني قبل ذلك كلّه، أن نُعيد بناء العلاقة بين الفكرة والتنظيم، بحيث يصبح التنظيم أداةً في المجتمع، لا إطارًا مغلقًا عليه.
المقترحات العملية:
جدول رقم (1): يوضح المقترحات العملية وآليات التنفيذ
إنشاء لجنة لتحديث الأدبيات الحزبية
تُكلف القيادة القومية لجنة من الرفاق لتقديم مسودة أدبيات محدثة خلال 6 أشهر
فتح قنوات تواصل مع الشباب
منصات رقمية تفاعلية، لقاءات مفتوحة، برامج تدريبية
مشروع للتكامل الاقتصادي التدريجي
البدء بثلاثة أقطار عربية في مجالات الطاقة والمياه والأمن الغذائي
مركز للدراسات الاستراتيجية
يكون ملحقاً بالقيادة القومية، يصدر تقارير ربع سنوية
إحياء العمل النقابي والجماهيري
إعادة تنظيم الاتحادات الطلابية والعمالية والفلاحية والفئات
خاتمة: ربما يكون من المفارقات أن نحتفل بذكرى ميلاد فكرة في زمن تبدو فيه الأفكار الكبرى في أشد حالات الانحسار. لكن المفارقة الأعمق هي أن الأفكار لا تموت عندما تُحاصر، بل تموت عندما تتوقف عن تجديد نفسها. فالذكرى التاسعة والسبعون ليست نهاية طريق، بل هي فرصة لبداية جديدة. بداية تضع التضحيات (تضحيات العراق، تضحيات فلسطين، تضحيات كل من دفعوا الثمن)، في موقعها الصحيح، ليست رصيدًا للبكاء، بل رصيدًا للبناء.
لقد علّمتنا التجربة أنّ الفكرة لا تسقط بخسارة معركة، لكنها تضعف حين تنفصل عن شروط تجددها. وعلّمتنا أيضًا أنّ التضحيات، مهما عظمت، لا تُغني عن العمل إن لم تتحوّل إلى برنامج. لذلك، فإنّ الوفاء الحقيقي للذكرى، وللعراق، ولمن سقطوا وهم يظنّون أنّ الغد سيحمل ما قاتلوا من أجله، لا يكون بالوقوف عند حدود الذاكرة، بل بتحويل الذاكرة إلى مشروع. في السابع من نيسان، نقف أمام خيارين اثنين: أن نُعيد إنتاج الماضي كما كان. أو أن نُعيد ابتكار المستقبل كما ينبغي أن يكون. الخيار الأول أسهل، لكنه لا يصنع شيئًا. والخيار الثاني أصعب، لكنه وحدَه يليق بمنهج البعث. تشير المعطيات إلى أن قدرة الأمة على النهوض لا تزال قائمة، إذا ما توفرت القيادة القادرة على تحويل الفكرة إلى مشروع. وفي هذه الذكرى، نجدد العهد: أن نكون أوفياء للفكرة لا للشعارات، أوفياء للشهداء لا للرموز، أوفياء للمستقبل لا للماضي. (إن الأمة العربية في حاجة حيوية قاهرة إلى تحقيق انقلاب عميق مبدع شامل يبعث فيها طاقتها الروحية الأصيلة الكاملة) — القائد المؤسس، المؤتمر التأسيسي 1947.

