عربي دولي

السعودية وفرنسا تعزّزان شراكتهما في ظل إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط

السعودية وفرنسا تعزّزان شراكتهما في ظل إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط

تعكس الاستثمارات السعودية بالمليارات يورو في فرنسا تقاربا إستراتيجيا متسارعا، لتنويع الشراكات الدفاعية والاقتصادية ضمن رؤية 2030، وذلك لسد ثغرات التراجع الأميركي بالمنطقة عقب حرب إيران، دون التخلي عن التحالف الأساسي مع واشنطن.

تعكس الاستثمارات السعودية في فرنسا تقاربا متسارعا بين باريس والرياض في ظلّ إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط، حيث تسعى الرياض إلى تنويع شراكاتها من دون تقويض تحالفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة.

وشكّلت زيارة ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، الإثنين، إلى باريس مناسبة للإعلان عن 21 اتفاقا ومذكرة تفاهم، خصوصا في مجالات الدفاع والصحة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة والترفيه مع استثمارات بقيمة ستة مليارات يورو لإنشاء ثلاثة متنزهات ترفيهية في الضاحية الباريسية.

وقد كشفت الحرب التي شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر شباط/ فبراير، والتي تنعكس تداعياتها على منطقة الشرق الأوسط برمّتها، لدول الخليج محدودية الالتزام الأميركي بأمن المنطقة.

وقد أدّت هذه الحرب إلى “تسريع الحاجة إلى تنويع شركاء السعودية لأن الانطباع السائد في المنطقة هو أن الإسهام الأميركي في حماية دول الخليج والدفاع عنها لن يكون بالقدر الذي كان عليه سابقا”، وفق ما قالت مديرة برنامج الخليج وشبه الجزيرة العربية في مجموعة الأزمات الدولية، ياسمين فاروق.

وذكرت الباحثة أن “ما تسعى إليه السعودية هو شريك قوي بقادر على النأي بنفسه عن الولايات المتحدة في بعض الملفّات من دون قطع العلاقات”.

وتندرج الاستثمارات في فرنسا “مباشرة في سياق رؤية 2030” وهي الخطّة الكبرى التي أطلقها محمد بن سلمان في 2016 لتنويع الاقتصاد، بعيدا عن النفط وتحويل البلد إلى قطب اقتصادي ودولي له ثقله، بحسب ما قالت المديرة المعاونة في الفرع الباريسي من المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، كاميل لونس.

عامل محفّز

ولا تقتصر هذه المبادرات على الجانب الاستثماري، إذ تهدف أيضا إلى تعزيز الشراكة الدفاعية.

ففي نظر السعوديين، “تشكّل فرنسا قوّة كبيرة ومفيدة”، بحسب كاميل لونس، ففرنسا “قوّة مزوّدة بالسلاح النووي وهي عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وهذا ليس أمرا ثانويا”.

أما بالنسبة إلى باريس، فالتقارب مع الرياض كان مرجوا منذ عدّة سنوات، في سياق إعادة تقويم السياسة الخارجية في الخليج، بحسب لونس، “وخصوصا من خلال عدم الرهان على شريك واحد”، في حين توجَّه انتقادات لدور إماراتي يوصف بأنه مزعزع للاستقرار، خصوصا في السودان.

وكان من الصعب “على باريس حتّى فترة قصيرة توطيد شراكتها بالسعودية”.

وشكّلت الحرب على إيران عاملا محفّزا ساهم في تسريع العجلة.

لكن المعادلة لم تتبدّل جذريا وما زالت واشنطن حليفا لا غنى عنه.

وبحسب ياسمين فاروق، “لا الرياض ولا باريس تعتبر أن من شأن قوّة أخرى أن تحلّ محلّ الولايات المتحدة”.

وتبقى الولايات المتحدة “في العقلية السعودية الشريك الأساسي القادر على قلب المعادلة” في النزاعات القائمة، بحسب كاميل لونس.

“سدّ الثغرات”

وتعوّل باريس والرياض على شراكة “من شأنها سدّ الثغرات هنا وهناك التي خلّفها الانكفاء الأميركي، من خلال الاستناد إلى ما تبقّى من الدور الأميركي”.

وهذا لا يحول دون مواصلة السعوديين استثمار مبالغ طائلة في الولايات المتحدة.

ويعدّ تنامي الشراكة الفرنسية السعودية رهنا بقدرة فرنسا على تحمّل “المزيد من التكاليف والمخاطر السياسية في المنطقة، لا سيّما في ما يخصّ القضيّة الفلسطينية والملف الإيراني، بغية تقديم بديل إستراتيجي فعلي عن الولايات المتحدة في مسائل معيّنة على هذين الصعيدين”، بحسب ياسمين فاروق.

وكانت نقطة القوّة بالنسبة إلى فرنسا “التحرّك من أجل الاعتراف الدولي بدولة فلسطين (العام الماضي)، وهو أمر ما كان الأميركيون يريدون تقديمه للسعودية”، بحسب الباحثة.

لكن ينبغي لباريس الآن أن تُقرن الأقوال بالأفعال، فيما يبدو إنشاء دولة فلسطينية بعيد المنال.

ولفتت فاروق إلى أن “الأميركيين موجودون في الميدان ويدفعون ثمنا سياسيا وعسكريا. وينبغي للأوروبيين، بمن فيهم فرنسا، خوض غمار المعترك”.

ولا بدّ من “تقاسم المخاطر”، بحسب الباحثة، في حين تُنتقد فرنسا على عدم فرضها عقوبات على إسرائيل ردّا على أعمال العنف التي يمارسها المستوطنون إزاء الفلسطينيين في الضفة الغربية.

واكتفت باريس والرياض حتى الآن بالتشديد على عزمهما تنسيق مواقفهما بشأن لبنان وسورية والأمن في المنطقة، فضلا عن تأكيد دعمهما للجيش اللبناني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب