الافتتاحيهرئيسي

السلام لا يُصنع بالحرب.. وعلى المجتمع الدولي أن يختار بين القانون والقوة

السلام لا يُصنع بالحرب.. وعلى المجتمع الدولي أن يختار بين القانون والقوة

بقلم: رئيس التحرير

في زمنٍ تتسع فيه دائرة العنف، وتُستنزف فيه الشعوب بالحروب والحصار والدمار، آن الأوان لرفع صوت مختلف؛ صوت الذين يؤمنون بأن السلام ليس استسلاماً، وأن التعايش ليس تنازلاً، وأن الاعتراف بحقوق الآخر لا ينتقص من حقوقنا.

آن الأوان أن يُسمع صوت محبي السلام من الفلسطينيين والإسرائيليين معاً: كفى حروباً، كفى قتلاً، كفى تجويعاً وحصاراً، وكفى رهناً لمستقبل الأجيال بمنطق القوة والانتقام.

فالعنف لا يصنع سلاماً، والقتل لا ينتج أمناً، والتجويع لا يحقق عدالة، والحصار لا يبني تعايشاً. ومن يعتقد أن إخضاع شعب بالقوة يمكن أن ينتج استقراراً دائماً، إنما يؤجل الانفجار ولا يصنع سلاماً.

إن السلام الذي نريده ليس سلام المقابر، ولا هدوءاً مؤقتاً تفرضه القوة، ولا هدنة بين حربين. إنه سلام الحياة؛ سلام يتيح للفلسطيني والإسرائيلي أن يعيشا بأمن وكرامة وحرية، وأن تتوقف دوامة الثأر التي جعلت أجيالاً متعاقبة تدفع ثمن صراع لم تصنعه.

لكن لا يمكن الحديث عن السلام الحقيقي فيما يستمر الاحتلال والاستيطان والضم والتهجير، كما لا يمكن بناء أمن إسرائيلي مستدام في ظل استمرار حرمان الشعب الفلسطيني من حريته وحقه في تقرير مصيره.

هذه ليست مجرد رؤية سياسية؛ إنها أيضاً مسألة قانون دولي.

فقرار مجلس الأمن 242 وضع منذ عام 1967 أساساً لتسوية تقوم على عدم جواز الاستيلاء على الأرض بالحرب، وإقامة سلام عادل ودائم. وجاء القرار 338 عام 1973 ليؤكد ضرورة تنفيذ القرار 242 والدخول في مفاوضات لإقامة سلام عادل ودائم.

ثم جاء القرار 2334 عام 2016 ليؤكد بوضوح أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا تتمتع بشرعية قانونية وتشكل عقبة أمام تحقيق حل الدولتين.

أما محكمة العدل الدولية، فقد وضعت المجتمع الدولي أمام استحقاق أكثر وضوحاً في رأيها الاستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024، حين خلصت إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن سياسات الضم والاستيطان تعوق حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وطالبت بإنهاء هذا الوجود في أسرع وقت ممكن ووقف الاستيطان الجديد. كما أكدت أن على الدول عدم الاعتراف بالوضع غير القانوني أو تقديم المساعدة في استدامته.

وهنا تبرز المعضلة الأخلاقية والسياسية الكبرى: لماذا يطالب المجتمع الدولي بتطبيق القانون الدولي في مكان، ثم يتردد في تطبيقه عندما يتعلق الأمر بفلسطين؟

ازدواجية المعايير تقوض الثقة في النظام الدولي، وتبعث برسالة خطيرة مفادها أن القانون يكون ملزماً عندما يخدم مصالح الأقوياء، وقابلاً للتأجيل عندما يصطدم بمصالحهم.

والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تحديداً أمام مسؤولية تاريخية. فالدعم السياسي والاقتصادي والأمني لإسرائيل يجب ألا يتحول إلى حصانة سياسية تحول دون تطبيق القانون الدولي. وفي الوقت نفسه، فإن دعم الحقوق الفلسطينية لا ينبغي أن يكون مجرد بيانات موسمية، بل يجب أن يتحول إلى سياسة عملية تقود إلى إنهاء الاحتلال وتحقيق حل سياسي قابل للحياة.

لقد أثبت التاريخ أن المصالحة بين الشعوب ليست مستحيلة. أوروبا التي عاشت حروباً مدمرة بين فرنسا وألمانيا استطاعت أن تحول الخصومة إلى شراكة. وفي أيرلندا الشمالية، تمكن الخصوم بعد عقود من الصراع من الوصول إلى اتفاق سياسي وضع الحوار والشراكة والحقوق في مقدمة الطريق.

والدرس واضح: الأعداء يستطيعون أن يصبحوا شركاء عندما تتوافر الإرادة السياسية، وعندما يدرك الجميع أن استمرار الحرب أكثر كلفة من السلام.

ولهذا فإن علينا أن نرفع الصوت عالياً، فلسطينياً وإسرائيلياً وعربياً ودولياً، دفاعاً عن تيار السلام الحقيقي.

نحن لا نريد سلاماً يقوم على إلغاء الفلسطيني، ولا سلاماً يقوم على الخوف من الإسرائيلي. نريد سلاماً يعترف بإنسانية الطرفين وحقوقهما، ويؤسس لتعايش حقيقي بين شعبين لهما حق في الحياة والأمن والكرامة.

وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته، لا أن يكتفي بدور الوسيط بين الضحية والقوة القائمة بالاحتلال.

المطلوب اليوم واضح:

أولاً: وقف الحرب والعنف وحماية المدنيين دون ازدواجية في المعايير.

ثانياً: وقف الاستيطان والضم والتهجير، وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة.

ثالثاً: إنهاء الاحتلال وفق إطار زمني واضح، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

رابعاً: توفير ضمانات دولية حقيقية لأمن الشعبين، لأن الأمن الفلسطيني والإسرائيلي ليسا متعارضين، بل متلازمان.

خامساً: الانتقال من إدارة الصراع إلى حل الصراع، ومن بيانات الإدانة إلى آليات تنفيذ ومساءلة.

سادساً: دعم القوى والحركات المدنية الفلسطينية والإسرائيلية التي ترفض العنف وتؤمن بالتعايش والسلام، وعدم ترك أصوات الاعتدال رهينة للمتطرفين.

إن السلام ليس مشروعاً رومانسياً، ولا حلماً ساذجاً. إنه ضرورة سياسية وأخلاقية واستراتيجية.

لقد جُرّبت الحرب، وجُرّبت القوة، وجُرّب الحصار، وجُرّب القتل والتهجير؛ ولم تنتج أياً منها سلاماً دائماً.

فلماذا لا نجرب الطريق الآخر؟

طريق العدالة والقانون والحوار والتعايش.

فلا الفلسطيني يستطيع أن يلغي الإسرائيلي، ولا الإسرائيلي يستطيع أن يلغي الفلسطيني. وقد آن الأوان لكي يدرك الجميع أن المستقبل لن يكون لأصحاب القدرة الأكبر على القتل، بل لأصحاب القدرة الأكبر على صناعة السلام.

نحن، محبي السلام، نرفع صوتنا عالياً: أوقفوا الحروب قبل أن تقتل ما تبقى من فرص السلام. أوقفوا التجويع والحصار لأن الجوع لا يصنع أمناً. أوقفوا القتل لأن الدم لا يبني مستقبلاً. واحتكموا إلى القانون لأن العدالة وحدها تستطيع أن تمنح السلام شرعيته واستدامته.

إن الطريق إلى السلام ليس عبر إخضاع شعب لشعب، وإنما عبر بناء واقع يستطيع فيه الفلسطيني والإسرائيلي أن يعيشا جنباً إلى جنب، دولتين وشعبين، بأمن وحرية وكرامة، في إطار سلام عادل تضمنه الشرعية الدولية.

فالسلام الحقيقي ليس أن ينتصر طرف على طرف؛ السلام الحقيقي أن ينتصر الإنسان على الحرب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب