فلسطين

السلطة الفلسطينية تحذر من مخطط إسرائيلي يستهدف رجال الأمن.. ماذا يحدث؟

السلطة الفلسطينية تحذر من مخطط إسرائيلي يستهدف رجال الأمن.. ماذا يحدث؟

رغم تزايد التقارير والتقديرات الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة بشأن احتمال اندلاع موجة من العنف في الضفة الغربية، تشير مصادر من داخل الضفة إلى عدم وجود مؤشرات في الوقت الراهن على تنظيم شعبي واسع النطاق في المجتمع الفلسطيني، ومع ذلك، يرى البعض أن الفلسطينيين في الضفة الغربية ينتظرون حدوث تغيير في الواقع العنيف، وأن عدم تحقق هذا التغيير قد يدفع مشاعر الغضب والإحباط إلى التحول إلى ردود فعل.

تحذيرات إسرائيلية

وفي هذا الإطار، نشرت صحيفة “هآرتس” مؤخرًا أن مسؤولين كبارًا في الجيش الإسرائيلي حذروا خلال لقاءات مغلقة من أن وقوع حدث دموي بصورة استثنائية، مثل هجوم ينفذه مستوطنون ويسفر عن مقتل عدد كبير من الفلسطينيين، يمكن أن يؤدي إلى تغيير سريع في الواقع على الأرض، ويدفع شرائح سكانية لا تنخرط حاليًا في الصراع إلى الانخراط في دوامة العنف.

كما أشارت “الصحيفة” إلى تحذير الجيش الإسرائيلي من سيناريو أكثر تطرفًا يتمثل في “انقلاب” الوضع، بحيث يوجه أفراد الأجهزة الأمنية الفلسطينية أسلحتهم نحو إسرائيل.

غضب بلا انتفاضة

إلا أن صورة الوضع في الضفة الغربية، وفقًا لمصادر من داخل المجتمع الفلسطيني، تبدو مختلفة في الوقت الحالي. فقد قالت كوادر ميدانية، من بينهم ناشطون في حركة فتح ونشطاء عاديون يمثلون شرائح واسعة من المجتمع الفلسطيني، لـ”هآرتس” إنه رغم شدة عنف المستوطنين في الضفة الغربية، لا يوجد في الشارع الفلسطيني حاليًا شعور واضح باقتراب انتفاضة.

وبحسب هذه المصادر، لا توجد مؤشرات واضحة على وجود تنظيم شعبي واسع، كما لا توجد دلائل على أن الأجهزة الأمنية الفلسطينية تواجه سيناريو “انقلاب في الحكم” الذي يخشاه الجيش الإسرائيلي.

وقال ناشط في حركة فتح عمل في مؤسسات السلطة الفلسطينية على مدار العقدين الماضيين: “الغضب موجود، وعميق. الشعور بعدم الأمن يزداد، عنف المستوطنين وتدمير الأرض، والقيود والاعتقالات والصعوبات الاقتصادية، كلها عوامل تسهم في الشعور بالعيش في واقع يزداد قسوة، لكن هناك فجوة كبيرة بين الغضب والانتفاضة”.

وأوضح “الناشط”، أن الوضع في الضفة الغربية يعكس مفارقة حقيقية؛ ففي الوقت الذي تحدد فيه إسرائيل “مواد قابلة للاشتعال” يمكن أن تشعل المنطقة، يبدو المجتمع الفلسطيني نفسه أكثر انطفاءً وإرهاقًا، ليس لأن الفلسطينيين تقبلوا الواقع، وإنما لأن كثيرين منهم لم يعودوا يؤمنون بقدرتهم، أو بقدرة القيادة والمنظمات، على تحويل الغضب إلى تحرك هادف. وفي ظل هذا الواقع، تنحصر المقاومة بدرجة كبيرة في صراع من أجل البقاء.

غزة حاضرة في الحسابات

ولا تبدو الإجابة عن سؤال سبب غياب انتفاضة واسعة حاليًا، رغم الظروف الصعبة في الضفة الغربية، بسيطة، كما لا توجد إجابة واحدة لدى الفلسطينيين أنفسهم.

وقال ناشط في حركة فتح من نابلس، يتعامل يوميًا مع الواقع الميداني، إن “الخوف جزء لا يتجزأ من المشهد”، موضحًا أن الأمر لا يتعلق فقط بالخوف الشخصي من الجنود أو الاعتقال أو إطلاق النار، كما أشار إلى أن غزة أصبحت خلال السنوات الثلاث الأخيرة مرجعًا أساسيًا في وعي الفلسطينيين في الضفة الغربية.

وتابع “الناشط” أن الصور القادمة من القطاع تمثل، في نظر كثيرين، دليلًا على ما يمكن أن يحدث إذا انزلقت الضفة الغربية إلى صراع واسع، ولم يعد الدمار والقتل والثمن الباهظ الذي يدفعه المجتمع الفلسطيني في غزة يُنظر إليه باعتباره واقعًا يحدث في مكان آخر، بل تحول أيضًا إلى عامل ردع.

ولفت “الناشط” إلى أن الخوف من الترانسفير ليس أمرًا نظريًا بالنسبة إلى كثيرين، موضحًا أن احتمال أن يؤدي الواقع الأمني إلى تعميق السيطرة الإسرائيلية على المنطقة، وتقليص مساحة عيش المدنيين، بل وحتى تهجيرهم، أصبح أحد الاعتبارات المؤثرة في سلوك الفلسطينيين في الشارع.

انتظار التغيير

وفي السياق ذاته، قال قدورة فارس، القيادي البارز في حركة فتح وأحد قادة الانتفاضتين الأولى والثانية، لصحيفة “هآرتس”، إن الوضع في الضفة الغربية خطير، ليس فقط بسبب عنف المستوطنين، وإنما لأن كل فلسطيني يدرك أن ما يحدث يرتبط بسياسة الحكومة الإسرائيلية، رغم محاولات مسؤولين إسرائيليين إدانة العنف أو التحذير منه.

وشدد “فارس”، الذي كان من قادة النضال الشعبي السلمي بعد الانتفاضة الثانية، على أن غياب انتفاضة شعبية واسعة في الوقت الراهن لا يعني بالضرورة وجود استقرار على المدى البعيد.

وأضاف “فارس” إن المواطنين ما زالوا ينتظرون حدوث تغيير، سواء داخل إسرائيل، بما في ذلك عبر الانتخابات، أو من خلال ضغط دولي يهدف إلى الحد من جرائم المستوطنين.

ويستذكر “فارس” وغيره من أبناء جيله أن آليات التعبئة الشعبية خلال الانتفاضتين الأولى والثانية تضمنت “أيام الغضب” والمظاهرات والاحتجاجات التي شارك فيها جمهور واسع، وبرعاية الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة فتح.

وفي سياق متصل، قال مصدر فلسطيني إن أحدًا لا يعرف ما إذا كان الوضع الحالي ناتجًا عن خيبة أمل أو مجرد انعكاس للواقع، لكن الشعور السائد هو أن الجميع، سواء السلطة الفلسطينية وأجهزتها أو الشعب الفلسطيني، لا يريدون الانجرار وراء مصالح المستوطنين والحكومة، وينتظرون حدوث تغيير.

وأضاف “المصدر” أن الخوف يكمن في احتمال عدم حدوث هذا التغيير، سواء من داخل إسرائيل أو بفعل عوامل دولية، مشيرًا إلى أنه في هذه الحالة سيكون من الصعب التنبؤ بالنتيجة.

وإلى جانب ذلك، يوجد عامل آخر قد يكون أقل حدة من الناحية الأمنية، لكنه يؤثر بصورة كبيرة في روتين الحياة اليومية، وهو الحياة نفسها.

ضغوط اقتصادية متزايدة

والجدير بالإشارة أن الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية يزداد صعوبة، إذ تأثرت فرص العمل داخل إسرائيل، وانخفضت رواتب موظفي السلطة الفلسطينية، وتراكمت الديون، فيما يواجه المزارعون صعوبات في الوصول إلى أراضيهم.

كما تؤدي الحواجز والبوابات والطرق الالتفافية إلى زيادة تعقيد حركة التنقل بين مناطق الضفة الغربية، وهو ما لا يؤثر فقط على حرية الحركة، وإنما ينعكس أيضًا على قدرة السكان على كسب أرزاقهم.

لكن المشهد الحالي يختلف بصورة كبيرة، في ظل وجود حالة عميقة من انعدام الثقة بالقيادة والفصائل السياسية.

ووفقًا للمصادر، فإن السلطة الفلسطينية نفسها لا تسمح بتشكيل حركة شعبية واسعة، وتحاول في الوقت ذاته إقناع جميع الأطراف المعنية، بما فيها إسرائيل والولايات المتحدة، بأنها لا تزال قادرة على السيطرة على الأرض ومنع تدهور الأوضاع.

ومع ذلك، حذر “فارس” من أن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يظل الطرف الوحيد الذي يتلقى الضربات لفترة طويلة.

وقال “فارس”: “لا يتوقع من شعب يعاني من الاحتلال والقمع أن يبقى سلبيًا إلى الأبد، وإذا لم يحدث تغيير داخل إسرائيل، أو تغيير من خلال الضغط الدولي، فإن الغضب والخوف وخيبة الأمل وعدم الثقة قد تثير ردود فعل، لكن لا أحد يعرف كيف ومتى”.

تراجع قدرة الفصائل

وفي هذا السياق، أوضحت مصادر تعرف نفسها أيديولوجيًا أو تنظيميًا بأنها تنتمي إلى حماس أو الجهاد الإسلامي في الضفة الغربية، أن ضعف القدرة على التنظيم على نطاق واسع يعود أيضًا إلى استمرار الضرر الذي لحق ببنية التنظيمات الفلسطينية، وفقًا لمسؤول سابق رفيع في أجهزة الأمن الفلسطينية تحدث إلى “هآرتس”.

وبحسب المسؤول، تتعرض منظمات مثل حماس والجهاد الإسلامي لضغوط إسرائيلية كبيرة منذ سنوات، وفي الوقت نفسه تتعرض للملاحقة من جانب قوات الأمن الفلسطينية.

وأدت الاعتقالات والتحقيقات وتدمير البنية التحتية وإغلاق مصادر التمويل والفصل من العمل والمراقبة إلى تقييد نشاط هذه التنظيمات سياسيًا وتنظيميًا بدرجة كبيرة، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى جعل نشاطها شبه معدوم.

ولا يقتصر هذا التغيير على منظمات المعارضة، إذ فقدت حركة فتح، التي ظلت القوة السياسية الرئيسية في المجتمع الفلسطيني، جزءًا من نفوذها أيضًا.

وقال المصدر الرفيع إن قطاعات واسعة من الجمهور ترى أن “فتح” أصبحت في الوقت الحالي عاجزة عن قيادة نضال وطني جديد.

كما أصبحت الحركة جزءًا أساسيًا من نظام الحكم في السلطة الفلسطينية، إذ يعمل عدد كبير من أعضائها داخل السلطة، ويرتبط كثيرون منهم بالأجهزة الأمنية.

وتخضع هذه الأجهزة لرقابة إسرائيلية مستمرة، بينما تربطها في الوقت نفسه علاقات وتعاون مع أجهزة أمن واستخبارات دولية.

وقال ضابط في الأجهزة الأمنية للصحيفة إن هذا الأمر لا تتم مناقشته كثيرًا، لكن الأجهزة الأمنية تخضع لرقابة دقيقة من جانب رؤساء الاستخبارات وأجهزة مخابرات أخرى، مع وجود تغييرات وتحركات ورقابة مستمرة، ولذلك لا يمكن الحديث عن بنية تحتية قادرة على تنظيم نفسها في حركة مستقلة.

خطر على الأجهزة الأمنية

لكن أفراد الأجهزة الأمنية ليسوا معزولين عن المجتمع الذي يعيشون داخله، فالشرطة ورجال الأمن جزء أساسي من المجتمع الفلسطيني الذي يعاني بدوره من أزمة اقتصادية حادة.

وقد يجد الشرطي الذي يواجه صعوبة في سداد قرض، ويتقاضى راتبًا جزئيًا، ويعيش تحت ضغوط اقتصادية وعائلية، نفسه أمام مأزق حقيقي.

ويبقى السؤال المطروح حول مدى إمكانية تحول هذا الوضع مستقبلًا إلى دافع للتحرك أو الانتقام أو الخروج على النظام، دون وجود إجابة واضحة.

وفي السلطة الفلسطينية، يوجد إجماع فعلي حول شعور مختلف، مفاده أن الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة قد تؤدي إلى وضع يصبح فيه ضباط الشرطة الفلسطينية أو رجال الأمن أو عناصر أخرى في السلطة أهدافًا، وهو ما قد يوفر ذريعة لتوسيع نطاق العنف، بل وحتى الترويج لخطة الطرد وتعميق السيطرة الإسرائيلية على المنطقة.

شبكة فلسطين الإخبارية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب