“السلطة الوطنية” كجزء من الوضع القائم

“السلطة الوطنية” كجزء من الوضع القائم
قد يكون الوجود الفلسطيني في إدراكه لنفسه ووعيه لذاته في الراهن وجودًا بالمعنى الثقافي أو اللغوي أو الاجتماعي. وفي هذا تطور عكسي لما هي قضية فلسطين في وعي العالم حيال الإبادة في غزة والمشاهد الواردة من هناك.
لم تعد خافية على أحد علاقة التبعية المتبادلة بين إسرائيل الرسمية وبين “السلطة الوطنية” من خلال منظومة أوسلو واتفاقيات باريس الاقتصادية والتنسيق الأمني. كلها آليات من التفاهمات على كيفية إدارة الضفة الغربية وقطاع غزة بأيدي “سلطة” تستعمل “سلطتها” و”قوتها” باتجاه واحد – باتجاه شعبها. تحفظ الأمن وتحول دون توجيه الطاقات الفلسطينية، النضالية المقاومة، ضد الاحتلال ومشروع الاستيطان وجرائمهما. ليس خافيًا على أحد أن جيلًا من النخب الفلسطينية “يعيش” على هذه الترتيبات ومنها. وهو الذي يفسر بدرجة كبيرة “الهدوء” الفلسطيني أو المراهنة الممتدة على الوقت.
على إسرائيل وفق اتفاقيات باريس الاقتصادية أن تحول رسوم وضرائب تجبيها من المعاملات الجمركية والتجارية إلى خزينة “السلطة”. وهو مصدر التمويل الجاري الأساسي لهذه “السلطة”. وهناك مصادر تمويل أخرى كمخصصات من بعض الدول العربية لا سيما المملكة العربية السعودية وبعض دول الاتحاد الأوروبي التي تدعم مشاريع بعينها. بالمقابل، تقوم السلطة الفلسطينية بدور المقاول لدى الاحتلال ومنفذ أجندات الدول المانحة لا سيما في ما يتصل بإفراغ جهاز التعليم الفلسطيني من بُعده الوطني ومن السردية الفلسطينية. وهو ما يقاومه المدرسون والأساتذة في المعاهد العليا الفلسطينية والجامعات ومؤسسات التعليم اللامنهجي. أما قوات الأمن الفلسطينية المدربة في المختبرات الأميركية والتي خضعت لعملية كي وعي وجتمعة عميقة وفق عقيدة قوات القمع و”مكافحة الشغب”، فإن مهمتها الأساسية الحفاظ على الوضع القائم على الأرض، وهو “الوضع” الذي فرضته إسرائيل لتصبح جزءًا من هذا الوضع، تفصيلًا فيه!
هذا يعني أنه في المستوى الاستراتيجي، وبموجب اتفاقيات، تم إخضاع الإرادة الفلسطينية في شقها الأساسي للإرادة السياسية والاستراتيجية الإسرائيلية. وهذا معناه في السياسة خفض مستوى حضور الشعب الفلسطيني من أصحاب قضية وحق تاريخي في الأرض وتقرير مصير إلى مجموعات فلسطينية تطالب بتحسين ظروفها وشروط عيشها. أو كما هو حاصل الآن، تأجيل انتقال عمليات الإبادة من غزة إلى الضفة! بل إن إحدى الوظائف الأساسية لـ”السلطة” تتماشى مع مضمون قانون القومية الإسرائيلي ودلالته، لا سيما حصره حق تقرير المصير في هذه البلاد في الشعب اليهودي ليبقى حق الفلسطينيين في ذلك – مسألة فيها نظر ويمكن تصريفها بترتيبات وتصفية وترحيل واقتلاع وما إلى ذلك.
ومع هذا، فالواقع مركب أكثر مما أشرنا إليه آنفًا. ففي العقدين الأخيرين جرى استعمال الآليات الاقتصادية لمساعدة “السلطة” على حفظ الهدوء التام رغم سلسلة من الحروب على غزة وأوحشها الأخيرة. فقد سمحت إسرائيل – ربما بغطاء من عقيدة “السلام الاقتصادي” – بتوسيع النشاط الاقتصادي في أربعة مراكز فلسطينية على امتداد الضفة، وهي جنين ونابلس ورام الله والخليل. ولأن شعبنا نشيط وحيوي مليء بالطاقات، فقد تطورت هذه المراكز بسرعة في خدمة المجتمع الفلسطيني وفي خدمة الاقتصاد الإسرائيلي، أيضًا. بمعنى أن “الازدهار” الاقتصادي في هذه المراكز يشكل عاملًا مهدئًا ومخففًا للغليان في شعب خاضع لحالة استعمارية. بمعنى هناك أمل لدى الفئات المقتدرة في الاستفادة من وضع قائم وليس لديها مصلحة في تغييره وستشكل ثقلًا موازيًا أمام قوى أخرى تريد التغيير باتجاه التحرر.
إن شعبًا من دون إرادة سياسية ومشروع وطني هو ليس شعبًا بالمعنى السياسي الذي لا يمكن القفز فوقه أو تجاهل قضيته. وعليه، قد يكون الوجود الفلسطيني في إدراكه لنفسه ووعيه لذاته في الراهن وجودًا بالمعنى الثقافي أو اللغوي أو الاجتماعي. وفي هذا تطور عكسي لما هي قضية فلسطين في وعي العالم حيال الإبادة في غزة والمشاهد الواردة من هناك. إن النكوص من “حالة الشعب” غالبًا ما يؤدي إلى ظهور “جماعات” وطوائف وعصبيات ونزعات الخلاص الفردي. إن منظمة التحرير التي لعبت دورًا هامًا في إعادة بناء الوجود الفلسطيني كشعب وقضية في الستينيات تلعب في الراهن دورًا خطيرًا من خلال “السلطة الوطنية” واستفراد حركة “فتح” بالقرار، يتمثل في تفكيك ما بنته بالتنازل عن كل إرادة سياسية فاعلة رغم التصريحات.
من هنا بالتحديد يشكك كثيرون، وأنا معهم، في جدوى أن يتسع الاعتراف بدولة فلسطين في ظروف كهذه. إذ ليس في الجانب الفلسطيني من يستطيع أن يحمل هذا الاعتراف ويضعه موضع التنفيذ على الأرض. أو بكلمات أخرى، ليس في الشعب الفلسطيني في الراهن إرادة سياسية فاعلة تتجاوز اتفاقيات أوسلو واتفاق باريس الاقتصادية وعقيدة أمنية من صنع أميركي موظفة في خدمة إسرائيل. بل استطاعت إسرائيل وحلفاؤها أن يستغلوا ما نشأ منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 في تكريس هذا الدور للإرادة السياسية الفلسطينية سوى ما تُعبر عنه شخصيات أو مبادرات فلسطينية. لقد خفضت السلطة الوطنية حجم الحق الفلسطيني التاريخي في فلسطين وحضوره الدولي وإن بقي خطابها عاليًا. فالأداء على الأرض يسير قريبًا جدًا من سطحها.



