تحقيقات وتقارير

السودان: رئيس الوزراء يوجه بإلغاء أي رسوم جديدة بعد احتجاجات وشلل حركة السفر في معبر أرقين

السودان: رئيس الوزراء يوجه بإلغاء أي رسوم جديدة بعد احتجاجات وشلل حركة السفر في معبر أرقين

ميعاد مبارك

يشكل المعبر شرياناً حيوياً لحركة الركاب والبضائع بين السودان ومصر، في ظل الحرب التي دفعت مئات الآلاف من السودانيين إلى اللجوء إلى دول الجوار ومن ثم موجة العودة الواسعة للبلاد.

الخرطوم ـ : أصدر رئيس الوزراء السوداني الدكتور كامل إدريس السبت توجيهاً عاجلاً يقضي بعدم إضافة أي رسوم أو ضرائب جديدة في المعابر الحدودية، وذلك في محاولة لاحتواء أزمة حادة اندلعت في معبر أرقين الحدودي مع جمهورية مصر العربية، حيث توقفت حركة السفر البري.
وشهد المعبر حالة من الشلل شبه التام عقب إعلان سائقي الباصات السفرية إضراباً مفتوحاً احتجاجاً على زيادات كبيرة في الرسوم والضرائب المفروضة على الباصات والركاب.
وجاء توجيه رئيس الوزراء بضرورة تنفيذ القرار فوراً من قبل جميع الجهات الحكومية المعنية، بما في ذلك وزارة المالية وهيئة الجمارك والضرائب والولايات وإدارة المعابر، مع تحذيره المواطنين من الانسياق وراء أي رسوم غير مقننة، مؤكداً أن هذه الرسوم «أفقرت المواطن ولم تغنِ الدولة».

الأزمة الاحتجاجية في معبر أرقين

تفجرت الأزمة بعد أن قررت سلطة الجمارك السودانية زيادة مفاجئة وكبيرة في الرسوم المفروضة على الباص السفري الواحد من نحو 300 ألف جنيه سوداني إلى ما يقرب من 1.5 مليون جنيه، وهو ما مثل زيادة بخمس مرات تقريباً مقارنة بالرسوم السابقة، في ظل أوضاع اقتصادية صعبة تشهدها البلاد منذ اندلاع الحرب منتصف نيسان/ابريل 2023.
وقد اعتبر السائقون هذه الزيادة عبئاً مفرطاً على قطاع النقل، الذي يعاني أصلاً من ارتفاع كبير في تكاليف التشغيل نتيجة لغلاء الوقود وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، ما دفعهم إلى إعلان إضراب شامل عن العمل، وهو ما أدى إلى توقف حركة السفر عبر المعبر بشكل شبه كامل.
ومع تراجع حركة الباصات، تكدس مئات العائدين من مصر داخل باحات المعبر، في ظل ظروف إنسانية صعبة مع نقص واضح في الخدمات الأساسية مثل الماء والغذاء والمأوى.
وعبر العديد من العائدين عن غضبهم واستيائهم من الأوضاع، مشيرين إلى أن عودتهم جاءت استجابة لدعوات حكومية للعودة الطوعية، بعد استعادة الجيش السوداني نطاقاً واسعاً من المدن والولايات، ومع وعود بتحسين الخدمات.

مطالب سائقي النقل

تمثلت المطالب الرئيسية لسائقي الباصات في إلغاء الزيادة الأخيرة في الرسوم والضرائب الجمركية، والحد من تعدد الجبايات على الطرق القومية، وتحسين أوضاعهم وتقنين أوضاعهم بما يضمن استمرارية عملهم.
وأوضح السائقون أن الزيادة المفاجئة في الرسوم، إلى جانب ارتفاع أسعار الوقود، جعلت تشغيل الباصات أمراً غير مجدٍ اقتصادياً، خصوصاً في ظل ارتفاع التضخم.
ولم تقتصر الاحتجاجات على السائقين فقط، بل شملت أيضاً العائدين الذين وجدوا أنفسهم مضطرين للبقاء لساعات طويلة في ظروف معيشية صعبة وسط الازدحام، بينما يصطف القادمون من جمهورية مصر في طوابير طويلة لإتمام الإجراءات الجمركية.

تداعيات إنسانية

يشكل معبر أرقين شرياناً حيوياً لحركة الركاب والبضائع بين السودان ومصر، خاصة في ظل الحرب المستمرة التي دفعت مئات الآلاف من السودانيين إلى اللجوء إلى دول الجوار ومن ثم موجة العودة الواسعة للبلاد بعد وعود حكومية بتعزيز الأمن وتحسين الخدمات.
ويشهد معبر أرقين البري عودة أعداد كبيرة من السودانيين من مصر عبر المعابر البرية، حيث سجل المعبر دخول مئات الحافلات يومياً مع آلاف الركاب العائدين من مصر.
وكانت الحكومة قد وعدت بتسهيل عودة الفارين من المعارك إلى دول الجوار بعد نحو ثلاث سنوات من اللجوء، وأطلقت دعوات للعودة الطوعية.
ومع ذلك، فإن الازدحام المروري والانتظار الطويل في المعبر لم يقتصر على المسافرين فحسب، بل امتد أيضاً إلى المركبات التي تنقل البضائع، ما أثر على حركة التجارة الحدودية بين البلدين.
وأدت هذه الأوضاع إلى توترات بين الجهات الجمركية ومسؤولي النقل والسائقين، إذ اتهم بعض السائقين السلطات بتباطؤ إجراءات التخليص الجمركي وإضافة عبء إداري يزيد من مدة الانتظار، بينما أشارت الجهات الرسمية إلى أن الازدحام لا يتعلق فقط بالضرائب وإنما بكثرة أعداد العائدين وارتفاع حركة المرور، ما يستدعي إجراءات تنظيمية صارمة لضمان سلامة الإجراءات.

السياق الاقتصادي والسياسي

تأتي هذه الأزمة في ظل أزمة اقتصادية مستمرة في السودان، حيث يعاني الاقتصاد من تراجع كبير، وارتفاع أسعار الوقود، ونقص الخدمات الأساسية نتيجة استمرار النزاع والصراع السياسي. ويعتمد قطاع النقل البري بشكل كبير على الباصات والناقلات لنقل الركاب والبضائع داخل وخارج البلاد، ما يجعل أي تغيير في الرسوم الجمركية وارتفاع التكاليف عاملاً حاسماً في استدامة هذا القطاع الحيوي.
ويرى خبراء اقتصاديون أن الأزمة الراهنة تسلط الضوء على معضلة أكبر تواجه الحكومة السودانية، تتعلق بكيفية زيادة الإيرادات في ظل ضائقة مالية وفي نفس الوقت تفادي تحميل العبء الأكبر على المواطنين والقطاع الخاص الذين يعانون من تبعات الحرب والتضخم.

تدخل الحكومي ومحاولات للتهدئة

بعد توجيه رئيس الوزراء، بدأت بعض الجهات الحكومية في التدخل لاحتواء الأزمة، حيث أعلن تعليق تطبيق الزيادات حتى مراجعتها رسمياً، وسط توقعات باستئناف حركة النقل تدريجياً وتحسين ظروف العبور في المعبر. لكن حتى ساعة إعداد هذا التقرير، لا تزال بعض التفاصيل المتعلقة بآلية التنفيذ النهائية للقرار قيد البحث والمراجعة بين الجهات المعنية، في انتظار توضيحات رسمية نهائية من وزارة المالية والهيئات الجمركية.
ويعتبر مراقبون تنفيذ هذا القرار اختباراً لقدرة الحكومة على تحقيق التوازن بين الضرائب والإيرادات من جهة، واحتياجات المواطنين والناقلين من جهة أخرى.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب