ثقافة وفنون

الشاعر عبد الجواد العوفير: أتصارع في قصائدي الصغيرة مع اللغة من أجل هواء جديد

الشاعر عبد الجواد العوفير: أتصارع في قصائدي الصغيرة مع اللغة من أجل هواء جديد

حاوره: عبد اللطيف الوراري

في سياق التأثر بقصيدة النثر وجماليات الأشكال الوجيزة، كان الوعي بالبناء النصي عند الشعراء المعاصرين، يعكس توجها جديدا داخل الكتابة الشعرية، يقترح «أساليب» بديلة لا تخضع لقواعد وبرامج مُعدة سلفا، بقدر ما يطرح آليات جديدة لإعادة بنائها والتفكير في ما يعضد فلسفتها، وفي طليعتها النزوع إلى القصر والتكثيف، والاقتصاد في اللغة، والتخفف من شرائط بلاغتها، وتشذير البناء ولا تجانس مكوناته الداخلية. ولم يكن هذا السياق يجري خارج ما يشهده واقع الإنسان المعاصر من تحولات سياسية وفكرية وتقنية جارفة. ولهذا يجدر القول، إن ممارسات القلب الكتابي في حقول الأدب شعرا وسردا، تنعكس عليها رجات هذا الواقع؛ فهي تحمل محتوى يعكس فلسفة ما، وتطبعها روح المفارقة والنقد والسخرية، إزاء «سيميولوجيا الحياة اليومية» التي تنقلها وتقلب تربتها وتبحث منطق الخلل فيها.
في شعر عبد الجواد العوفير (1980) نكتشف مثل هذه الجماليات وما فيها من روح شاعر قلقة. في مجاميعه الشعرية: «راعي الفراغ» 2010، و«ضحكات الكركي» 2015، و«سماء بضفيرتين» 2023، يُواجه الشاعر ما هو معطى وجارٍ في الحياة المادية للناس والكائنات والأشياء، ويتحدث عنها كما لو يكتشفها أول مرة، فتغدو كتابته «الهامسة»، التي تتسمع من مكان قريب، مجالاَ للتفكير في معطيات هذه الحياة ومؤونتها وكائناتها وموسيقاها، ومجالا لإعادة المهمل والمبتذل داخلها بشكل بارد وخادع حينا، ولوذعي وساخر حينا آخر، يتحايل على لحظة انبثاقه في المكان بذريعة وهم تملكه وإعادة تسميته.
داخل قصيدته التي تتألف من شذرات، ثمة فراغات كثيرة والتقاطات متداعية تذرع ممرات النص المفتوحة، وهي في تجاوبها تمنح للشاعر في كل مرة إمكان التسمية. يشترط مثل هذه الكتابة أنها تصدر عن رؤية خاصة بها للغة التي تكتبها وتؤلف بها نسيجها التصوري للعالم؛ لغة تفكك أطر المألوف وأنساقه الدلالية الاعتيادية من منظور يجعل الغياب في اللغة هو الأصل وليس الحضور، المحو وليس الذاكرة، الفراغ وليس الامتلاء؛ أي هي لغة تبدد منطق الإحالة الدلالية وتستبدل بها «إحالة ذاتية» تُبنى من الداخل، ومن ثم لا يمكن الوثوق بهذه اللغة كثيرا، وتحتاج دائما إلى مؤول يتسلى معها ولا تنطلي عليه خُدع لعبها وبساطتها الماكرة، إذا أراد أن يأخذ منها شيئا ذا بال. فهذه اللغة نفسها ذات خبرة، وفيها عصارة حياة، ونسيج قراءات وتأملات ومشاهدات، ومن جماع كل ذلك تمنح التجربة التي تنكتب تفردَها وروحَ صاحبها.
*كيف جاء عبد الجواد العوفير إلى الشعر وعقد عليه زمام كينونته؟ هل تذكر حدثا من الطفولة أو واقعة ما أخذتك إلى الشعر؟
ـ كنت أحلم أن أكون رساما وكاتب قصص أطفال. العالم بالنسبة لي كان عبارة عن لوحة هائلة أحاول محاكاتها بطريقتي وبتمرد. بدا لي الكون شلال ألوان لا ينتهي، حاولت أن أرسمه لكنني فشلت. ألفت مجلات صغيرة ووضعت فيها قصصا ورسومات ومواضيع، أمي تكلفت بخياطتها يدويا، ووزعتها مجانا على أطفال القسم، الأم سايرتني في جنوني وأحلامي وشجعتني على المواصلة. الشعر لم يكن يوما من طموحي، لكنه أتى كبرق صغير، كزهرة غريبة: وقعت في حب فتاة وأنا في العاشرة، فكرت أن الشعر هو الطريق الوحيد إليها، لكنني أخفيت كل ما كتبت، ربما لخجل شديد عانيت منه في الطفولة، أو لأن تلك القصائد لم تقنعني أولا. لكن السبب الحقيقي الذي جعلني أختار الشعر صديقا ووجودا، هو وفاة والدي، وأنا في السادسة عشرة من عمري، حدث زعزع معتقداتي وأفكاري وجعلني أقيم إقامة جبرية في العزلة واللغة. أصبح شعراء العالم الوحيدون والحزينون أصدقاء لي، وتمسكت بالشعر كـآخر قشة في هذا الكون.


*تنتمي إلى جيل التسعينيات الذي شكل امتدادا للجيل الذي سبقه في سياق تحديث الشعر المغربي. في نظرك، ما هي أهم المكاسب والآثار التي تنسب لهذا الجيل؟ وهل استطاع شعراؤه اليوم أن يؤسسوا بالفعل «حساسية جديدة»؟
ـ هذا الجيل استطاع أن يقود اللغة إلى طرق جديدة، وأعلن قطيعة نسبية مع الماضي والشعارات، اختياراته الجمالية ليست سهلة على الإطلاق، لم يحب أن يشبه تجارب من سبقوه، وهذا لا يعني أن الجيل السبعيني والثمانيني لم يحاولا ذلك، لكن الأيديولوجيا حاصرتهم. نحن جيلٌ لم تعد لنا تماثيل نقدسها، تحررنا من أوهام كثيرة، من أجل الاشتغال على ذواتنا والبحث عنها. نحن جيل الخيبات وموت القضايا، انتماؤنا هو للشعر ولروحه. الشعر التسعيني هو تجارب متفرقة حاولت الابتعاد عن التشابه الذي وقع فيه من سبقوهم، ويبقى السؤال هل أسسنا حساسية جديدة مُشْرعا، لأن هذا يتكلف به النقاد لغربلة هذا التراكم الشعري والجمالي، والحقيقة أن هذا الجيل مهملٌ نقديا، رغم اشتغاله بقوة على خلق قصيدة جديدة ومتحررة.
* بعبارة أخرى، هل لهذا الجيل ما يغيره ويتفرد به في علاقته بغيره، بالتراث وبالعصر وما يشاهده فيه؟
ـ لا أرى هوة تفصل بين الأجيال الشعرية عربيا ودوليا. الشعر يلتقي في النظرة الكونية للأشياء من حوله، وإحساس الشاعر بالعزلة هو نفسه عند أي شاعر في أي مكان من العالم. الشعر ليس له دور حقيقي في التغيير ولا يمكنه ذلك. لا يمكن لزهرة أن تتحرك من مكانها، لكن الجمال الذي تبعثه في روحنا هو من يطلقنا لنغير ونحرك الأشياء من حولنا. ربما مهمة الشاعر أكبر، أن يهدم اللغة ليخلق لغة خفيفة كطائر، أن يحدث قطيعة مع المسلمات، أن يكون مشاغبا عاقلا، مدمرا بحنو كل ما يلمسه. لم يكن الشاعر الحقيقي يوما يفكر في التغيير، لأن هذه مهمة السياسي والصحافي والمناضل. الشاعر فقط يغرس إبرته العملاقة في كتف العالم.
هذا الجيل لم يبتعد عن التراث الشعري، بل ابتعد عن الماضي؛ يعني عن اللغة البالية والأفكار التي لن تساير العصر. مثلا، أعتبر والت ويتمان برهافته وعزلته الهائلة، أو عروة بن الورد، أو الشعراء المتصوفة أجدادا حقيقيين لي، الأجداد الذين يقبلون بارتداء سراويل الجينز والتجول معي في الأزقة والجلوس في المقاهي والتحديق في عيون الجميلات. لا أقبل تراثا ميتا، ومن حقي ومن حق شعراء جيلي أن يخلقوا تراثهم وتجربتهم. اليومي وما يخفيه من سحر هو صديق الشاعر، ولا ننسى أن الشعر اليوم يجب أن يستفيد ويتداخل مع العديد من الفنون مثل السينما والموسيقى والرسم، وهنا قوة قصيدة النثر الحديثة. بدورنا لا بد أن نبحث عن أساليب ولغة جديدة لكتابتها، لأن قصيدة النثر في حد ذاتها دخلت مرحلة الشيخوخة. ما زال الشاعر يقيم في مشكلات الحضارة الإنسانية، وهذه الحضارة جزء منه في حزنه وأفراحه الصغيرة، لكن لغته التي يعبر بها عن ذلك قد لا تكون مسموعة ومفهومة، هي لغة سقوط المطر وهبوب ريح خفيفة.
* أصدرت باكورتك الشعرية «راعي الفراغ» عام 2010. كيف تستعيد من خلاله حماسة الشاعر وأطراف شهوته التي تنحدر إلى حقبة التسعينيات؟
ـ في الواقع، مجموعة «راعي الفراغ» لم تكن باكورتي الأولى، حين فكرت في جمع نصوصها أهملت عددا هائلا من القصائد، لأنها كانت – في نظري- حماسية أو غير متماسكة، والأكثر من ذلك لم تحقق النضج الشعري، الذي طمحت له، يجب على الشاعر أن يمارس نقدا صارما لقصائده قبل ضمها في مجموعة.
«راعي الفراغ» كان مرحلة مهمة في تجربتي، حاولت ترتيب القصائد وجعلت خيطا سحريا يربطها، في فترة كنت أعيش فيها خيبات وعزلة كبيرة، كان لا بد لأن يخرج ذلك الكتاب بعد سنوات عديدة من النشر في الصحف والمجلات العربية. لم يكن هذا الديوان مجرد قصائد، بل مغامرة وحزن ومطر هائل لا ينتهي.
* من خلال مجاميعك الشعرية الثلاث، نلاحظ احتفاءك بالشذرة عبر انفتاحك على مدونة الحياة بما تعج به من صور وتفاصيل ومشاهدات، حتى طبعت أسلوبك الشعري. ماذا تمثل الشذرة عندك كأسلوب وفلسفة ورؤية للعالم؟ هل يمكن لشاعر الشذرة أن يقول بها كثافة العالم دون أن يسقط في التجريد أو الاختزال المخل؟ مَنْ التجارب الشعرية التي تأثرتَ بها في هذا المجال؟
ـ لا أكتب شذرة بمعناها الحرفي، بل هي قصائد صغيرة، أتصارع فيها مع اللغة بحثا عن اختزال شديد، وأفق مختلف. أظن أن مهمة الشاعر حاليا هي البحث عن لغة تتنفس هواء جديدا، لم تعد اللغة القديمة قادرة على قول العالم ورسمه، لا أستطيع التحدث بفم أسلافي. الهايكو ـ مثلا- جعلني أعيد النظر في طريقة التفكير في اللغة والمجاز، والشعراء المتصوفة أيضا فقد تعاملوا معها كروح، كحلم. وانفتاحي على مدونة الحياة، حسب قولك، هو ما أعيشه من تفاصيل صغيرة ضمن تفاصيل هذا العالم، أكتب عنها برهافة ولغة مفكرة وخادعة.
* ماهي طقوسك الخاصة أثناء الكتابة؟ وهل تعود إلى تنقيح ما تكتبه؟
ـ القصيدة في غالب الأحيان تأتيني بغتة، وقد لا أكتب لشهور عديدة. لا أرغمها على المجيء بتاتا، قد تُحفَز وأنا أسمع موسيقى عظيمة، علاقتي بالموسيقى عشق صوفي، أعتبرها تطهيرا وصلاة روحية. الكثير من القصائد حلمت بها وكتبتها كما شاهدتها في الحلم. هذا كان يحدث أيضا مع بعض الشعراء السرياليين مثل رينيه شارل ورونيه كروفيل وروبير ديزنوس وغيرهم، ربما ذاكرة الشاعر تظل متيقظة في النوم لالتقاط الاشارات. تأتي القصيدة كشلال صغير أكتبها بسرعة من بعد اختمارها في الذاكرة مدة طويلة، ولا أعود لتنقيحها إلا في ما ندر.
* كيف تنظر إلى ما يجري اليوم في عالمنا من مآسٍ وانحرافات؟ وهل بوسع الشعر، والفنون عموما، أن يفعل شيئا؟
ـ الشعر ليس من واجبه أن ينقل لنا الواقع كما هو، انتهت مهمة الشاعر الذي كان فارسا وزعيم قبيلته وناقل أخبارها، الشاعر اليوم يقاوم جماليا كما تفعل وردة أو فراشة. وفي الحقيقة عبر التاريخ لم تستطع القصيدة أن تغير شيئا، بل هي أوهام زرعت على مرّ العصور. مهمة الشعر والفنون كافة هي جمالية محضة: زرع الشك والبحث عن الحقيقة في هشاشة الكون.

كاتب مغربي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب