
الشاعر والأديب والموت…!!!
بقلم حسين عبدالله جمعة
في مكتبتي… حيث الكتب تتراكم وتنتظرني، أهرب من صخب الحياة وأسابق الزمن لأبحر في عوالم لا تعترف بجواز سفر أو حدود.
مكتبتي تلك التي أسميتها يومًا “بنك الدموع”، من شدّة ما أبكتني وما منحتني من لذّة دفء، مع كل رواية أو ديوان أو سيرة، حتى غدت الدموع فيها عملة روحية لا تنضب.
خمسة أيام فقط كانت كافية لتضعني أمام سؤالٍ لم يفارقني:
هل هناك علاقة خفيّة بين الأديب الشاعر والموت؟
وهل قدرهم أن يختصروا أعمارهم، وأن يشتعلوا سريعًا ثم ينطفئوا قبل الأوان؟
بين رفوف المكتبة التقطت سيرة اللورد بايرون شاعر إنكلترا الأشهر، الذي مات في منفاه اليوناني عن ستةٍ وثلاثين عامًا. ثم التقطت سيرة بوشكين أمير شعراء روسيا، الذي قُتل في الثامنة والثلاثين أيضًا. وهناك وقفت مذهولًا: كيف يجتمع المصير، وكيف يتكرّر؟
ومن بايرون وبوشكين انطلقت أسئلتي، فكانت القائمة طويلة ومؤلمة:
جون كيتس، شاعر الرومانسية الإنكليزية، رحل عن ستةٍ وعشرين عامًا.
لوركا، شاعر إسبانيا وصوت غرناطة، اغتيل في الثامنة والثلاثين.
إدغار آلان بو، لم يتجاوز الأربعين.
ماياكوفسكي أطلق النار على نفسه في الثلاثينيات من عمره.
فروغ فرخزاد الإيرانية، توقّعت موتها المبكر ورحلت في الثانية والثلاثين.
طرفة بن العبد، صاحب المعلقة، مات مقتولًا عن ستةٍ وعشرين عامًا.
امرؤ القيس، سيّد الشعر الجاهلي، عن خمسةٍ وأربعين عامًا.
ذو الرمة، الشاعر الأموي، توفي في التاسعة والثلاثين.
أبو تمام، شاعر الحكمة والحماسة، اثنان وأربعون عامًا.
أبو فراس الحمداني، أمير الشعراء الفرسان، سبعة وثلاثون عامًا، مات بين يدي ابنته وهو يوصيها بالنوح.
جبران خليل جبران، غادر في الثامنة والأربعين بالسرطان.
غسان كنفاني، اغتيل في السادسة والثلاثين بسيارته المفخخة.
سعدالله ونوس، الكاتب المسرحي السوري، ستة وخمسون عامًا أنهكه السرطان.
والقائمة تطول، وكل اسمٍ منها يحمل قصة، ويمثل لوحة أخرى من هذا القدر العجيب.
تساءلت:
هل هي صدفة؟
أم أن الشاعر والأديب يولد وهو يحمل في داخله بذرة احتراقه؟
كأنهم جميعًا يعيشون أسرع من غيرهم، يكتبون بدمهم لا بحبرهم، يسكبون وجعهم على الورق، ثم يمضون تاركين لنا عصارة الفكر ووهج الكلمة.
إنهم، كما قال سقراط: “الموت قد يكون أعظم نعم البشرية”. لكنهم يموتون كالأشجار واقفين، بعد أن يُشعلوا من أرواحهم قناديل للأمم.
ربما كان الأديب الشاعر، في النهاية، شهيد الكلمة.
شهيد الحب، والثورة، والإنسانية.
شهيد الحقيقة التي لا تُفهم في حينها، لكنها تُضيء بعد رحيله.
أنا أيضًا، وقفت أمام هذه الحقيقة في مكتبتي، وفي غربتي، وفي ذاكرتي الشخصية. وكلما تأملت سِيَر هؤلاء العظماء، ازددت يقينًا أن الشاعر لا يموت مبكرًا عبثًا، بل لأنه عاش أكثر من حياة واحدة في عمرٍ قصير.
حسين عبدالله جمعة
سعدنايل لبنان




