الشباب المغربي والعمل السياسي: حين تغيب الأحزاب عن قواعدها..

الشباب المغربي والعمل السياسي: حين تغيب الأحزاب
عن قواعدها..
الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.
يطرح عزوف الشباب المغربي عن العمل السياسي سؤالاً
يتجاوز مجرد ضعف المشاركة في الانتخابات أو تراجع
الانخراط في الأحزاب السياسية. فهذه الظاهرة تبدو، في
جانب كبير منها، نتيجة طبيعية لطريقة اشتغال عدد من
الأحزاب، ولعجزها عن بناء علاقة دائمة ومتينة مع
المجتمع، وخاصة مع الأجيال الشابة.
فالحزب السياسي، في جوهره، ليس مجرد إطار يظهر في
موسم الانتخابات ليقدم مرشحين ويطلب أصوات المواطنين،
وإنما هو مدرسة للتكوين السياسي، وفضاء للنقاش،
ووسيلة لتأطير المواطنين وإشراكهم في تدبير الشأن العام.
ومن دون هذا الدور، يفقد الحزب جزءاً أساسياً من مبرر
وجوده.
غير أن الواقع الحزبي المغربي يبدو، في كثير من الأحيان،
مختلفاً عن هذه الصورة. فهناك أحزاب لا تكاد تُرى في
الحياة العامة إلا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، بينما
تظل مقرّاتها مغلقة أو بعيدة عن المواطنين طوال الفترات
الفاصلة بين الانتخابات. وإذا كان الحزب لا يلتقي بالمواطن
إلا عندما يحتاج إلى صوته، فكيف يمكن أن يقنع الشباب
بالانخراط في العمل السياسي؟..
الأمر لا يتعلق فقط بعدد الأحزاب الموجودة، وإنما بطبيعة
بنيتها الداخلية وعلاقتها بالقواعد الشعبية. فقد أصبح
المشهد الحزبي يعرف تعدداً كبيراً في التنظيمات، إلى درجة
أن المواطن قد يجد صعوبة في معرفة بعضها أو التمييز
بين برامجها وتوجهاتها. وهكذا أصبح تكاثر الأحزاب لا
يعني بالضرورة اتساع المشاركة السياسية، بل قد يؤدي،
على العكس، إلى مزيد من التشتت وإلى إضعاف الثقة في
العمل الحزبي.
وفي المقابل، فإن التجارب الديمقراطية العريقة تقدم نماذج
مختلفة. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال،
يهيمن حزبان كبيران على التنافس السياسي حول السلطة،
مع وجود أحزاب أخرى بطبيعة الحال، لكن المنافسة
الرئيسية ظلت تاريخياً تدور بين الحزب الديمقراطي
والحزب الجمهوري. والمغزى هنا ليس الدعوة إلى
استنساخ النموذج الأمريكي، وإنما الإشارة إلى أهمية وجود
أحزاب قوية وذات امتداد اجتماعي واضح، قادرة على
استقطاب المواطنين وتأطيرهم وإنتاج النخب السياسية.
إن المشكلة الأساسية لا تكمن في قلة عدد الشباب الراغبين
في خدمة بلدهم، بقدر ما تكمن في غياب الأطر التي
تستطيع احتضان هذه الطاقات وتكوينها. فالشاب الذي لا
يجد باباً مفتوحاً أمامه للمشاركة، ولا فضاءً يناقش فيه
أفكاره، ولا فرصة للتدرُّج داخل تنظيم سياسي، سيجد نفسه
بعيداً عن السياسة، وقد ينظر إليها باعتبارها مجالاً مغلقاً
أمام فئة محدودة من النُّخَب.
وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب السياسية في إعادة النظر في
طريقة اشتغالها. ففتح المقرات أمام المواطنين والشباب لا
ينبغي أن يكون مرتبطاً بالانتخابات فقط، بل يجب أن تتحول
هذه المقرات إلى فضاءات دائمة للحوار والتكوين والتأطير.
والحزب الذي يريد أن يكون فاعلاً في المجتمع عليه أن
يكون حاضراً فيه بشكل مستمر، لا أن يظهر فقط عندما
تقترب صناديق الاقتراع.
كما أن تجديد الهياكل والنخب ينبغي ألا يظل مجرد شعار
يرفع في المؤتمرات الحزبية. فالتجديد الحقيقي يبدأ من
القواعد، عبر إتاحة الفرصة للشباب للانخراط والمشاركة
وتحمل المسؤولية بالتدرج. ومن الخطأ انتظار الانتخابات
للبحث عن وجوه شابة تُدفع فجأة إلى الواجهة دون أن
تكون قد راكمت تجربة سياسية وتنظيمية كافية.
إن بناء رجل السياسة يبدأ في سن مبكرة. فالشاب الذي
ينخرط في حزب سياسي، ويتلقى داخله تكويناً مستمراً،
ويشارك في النقاشات، ويتعلم أساليب الحوار والاختلاف،
ويتدرج في المسؤوليات التنظيمية، سيكون عندما يصل إلى
مرحلة الترشح للانتخابات أكثر استعداداً لتحمل المسؤولية
العامة. وسيكون قادراً على تدبير الشأن العام انطلاقاً من
مبادئ وأفكار ترسخت لديه عبر سنوات من الممارسة، لا
من خلال حملة انتخابية عابرة.
ومن هنا، فإن الأحزاب السياسية مطالبة بأن تتحول من
مجرد أدوات انتخابية إلى مؤسسات حقيقية لإنتاج النخب
السياسية. فالديمقراطية لا تُبنى يوم الانتخابات فقط، وإنما
تُبنى يومياً داخل المجتمع، وفي المدارس السياسية، وفي
النقاشات العمومية، وفي التنظيمات التي تتيح للمواطن أن
يتعلم كيف يمارس السياسة وكيف يتحمل مسؤولية القرار.
أما استمرار الأحزاب في الانغلاق على نفسها، وعدم تجديد
هياكلها، والابتعاد عن القواعد الشعبية، فلن يؤدي إلا إلى
تعميق عزوف الشباب وتوسيع الفجوة بين المجتمع والعمل
السياسي.
إن إعادة الشباب إلى السياسة لا تحتاج إلى خطابات كثيرة،
بقدر ما تحتاج إلى أبواب مفتوحة، وأحزاب حاضرة في
المجتمع، وتكوين سياسي حقيقي، ومسارات واضحة
للترقي وتحمل المسؤولية. فإذا أردنا غداً نخباً سياسية
قادرة على تدبير شؤون المغرب، فعلينا أن نبدأ اليوم في
تكوينها وتأطيرها، لا أن نبحث عنها عشية كل انتخابات…


