فلسطين

الشرطة الفلسطينية… اثنان وثلاثون عاماً في بناء المؤسسة وترسيخ سيادة القانون

الشرطة الفلسطينية… اثنان وثلاثون عاماً في بناء المؤسسة وترسيخ سيادة القانون

يحل الأول من تموز من كل عام حاملاً معه ذكرى وطنية تستوقف الفلسطينيين عند واحدة من أهم محطات بناء مؤسساتهم الوطنية، وهي ذكرى تأسيس الشرطة الفلسطينية، التي أنشئت بمرسوم رئاسي أصدره الرئيس الراحل ياسر عرفات في الأول من تموز عام 1994، لتكون أول جهاز شرطي وطني يمارس مهامه على أرض فلسطين في إطار مشروع بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية وترسيخ سيادة القانون.
وخلال اثنين وثلاثين عاماً، لم تكن مسيرة الشرطة الفلسطينية مجرد تجربة لتأسيس جهاز أمني، بل كانت تجربة استثنائية بكل المقاييس، لأنها نشأت في ظل واقع سياسي وقانوني معقد فرضه استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وما يرافقه من قيود على الحركة والاختصاص والسيادة. ورغم هذه الظروف، واصلت المؤسسة أداء رسالتها في حفظ الأمن والنظام العام، وإنفاذ القانون، وحماية المواطنين وممتلكاتهم، في بيئة تُعد من أكثر البيئات الأمنية تعقيداً في العالم.
وقد مرت الشرطة الفلسطينية بثلاث مراحل رئيسية شكلت ملامح تطورها. تمثلت المرحلة الأولى في التأسيس وبناء الكادر الوطني، حيث جرى الاستعانة بالخبرات العربية والدولية لإعداد الضباط والأفراد، قبل أن تتولى كلية فلسطين للعلوم الشرطية مسؤولية إعداد الكفاءات الوطنية وفق برامج أكاديمية ومهنية حديثة، أسهمت في ترسيخ أسس العمل الشرطي الاحترافي.
أما المرحلة الثانية، فجاءت خلال سنوات انتفاضة الأقصى، عندما تعرضت مديريات ومراكز الشرطة للتدمير والاستهداف، واستشهد واعتقل عدد من منتسبيها، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على قدرة المؤسسة في أداء واجباتها، وأسهم في اتساع مظاهر الفوضى وارتفاع معدلات الجريمة نتيجة الفراغ الأمني الذي فرضته الظروف الاستثنائية.
ورغم تلك التحديات، استطاعت الشرطة الفلسطينية أن تعيد بناء مؤسساتها وتدخل مرحلة متقدمة من الإصلاح والتحديث، فشهدت بنيتها التنظيمية والإدارية تطوراً ملحوظاً، واستحدثت إدارات متخصصة في حماية الأسرة والأحداث، ومكافحة الجرائم الإلكترونية، والمختبرات الجنائية، ومكافحة المخدرات، وهندسة المتفجرات، والشرطة السياحية، والمرور، وغيرها من الإدارات التي جاءت استجابة للتطور المتسارع في أنماط الجريمة واحتياجات المجتمع الفلسطيني.
كما أولت المؤسسة اهتماماً متزايداً بتطوير العنصر البشري، ورفع كفاءة التدريب، وإدماج التكنولوجيا الحديثة في العمل الشرطي، وتعزيز مشاركة المرأة الفلسطينية في مختلف التخصصات، بما يعكس تحولاً تدريجياً نحو نموذج الشرطة الحديثة القائمة على الكفاءة والتخصص واحترام حقوق الإنسان.
ولم يكن هذا التطور بمعزل عن المعايير الدولية التي تحكم عمل أجهزة إنفاذ القانون. فقد أكدت مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين الصادرة عن الأمم المتحدة عام 1979 أن رجل الشرطة هو في المقام الأول حارس لسيادة القانون وكرامة الإنسان، بينما أرست المبادئ الأساسية بشأن استخدام القوة والأسلحة النارية الصادرة في هافانا عام 1990 قواعد الشرعية والضرورة والتناسب في استخدام القوة، باعتبارها معايير مهنية وأخلاقية تحكم أداء المؤسسات الشرطية الحديثة.
كما يشكل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المرجعية الأساسية التي تؤكد أن الأمن لا ينفصل عن حماية الحقوق والحريات، وأن نجاح أجهزة الشرطة يقاس بقدرتها على تحقيق التوازن بين فرض القانون وصون كرامة الإنسان.
ومن أبرز المحطات المفصلية في مسيرة الشرطة الفلسطينية قبول دولة فلسطين عضواً في منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول)، وهو إنجاز عزز مكانة المؤسسة الفلسطينية على المستوى الدولي، وفتح آفاقاً أوسع للتعاون في مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتبادل المعلومات والخبرات، وملاحقة المطلوبين وفق الأطر القانونية الدولية، انسجاماً مع أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (اتفاقية باليرمو لعام 2000).
وتؤكد التجارب المقارنة في الأردن والإمارات العربية المتحدة والمغرب، إلى جانب العديد من الدول الأوروبية، أن نجاح المؤسسة الشرطية يرتبط بمدى قدرتها على التحول إلى مؤسسة مجتمعية تعتمد على الوقاية من الجريمة، والشراكة مع المواطنين، واستخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وهي الاتجاهات التي أصبحت معياراً دولياً لتطوير أجهزة الشرطة في القرن الحادي والعشرين.
وفي الحالة الفلسطينية، تزداد أهمية الشرطة باعتبارها إحدى ركائز بناء الدولة، فهي لا تعمل في ظروف طبيعية، وإنما تؤدي مهامها في ظل احتلال يفرض قيوداً على الحركة والانتشار، ويؤثر في البنية الأمنية والمؤسسية، الأمر الذي يجعل تطوير قدراتها مسؤولية وطنية تتطلب توفير الدعم التشريعي والمالي والفني، والاستمرار في تحديث القوانين الناظمة لعملها بما ينسجم مع المعايير الدولية.
لقد أثبتت التجربة الفلسطينية أن الأمن الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، بل يقوم على الثقة المتبادلة بين المواطن والمؤسسة الأمنية، وعلى استقلال القضاء، وسيادة القانون، واحترام الحقوق والحريات، وترسيخ ثقافة المساءلة والشفافية. وهي المبادئ التي تشكل الأساس لأي دولة حديثة تسعى إلى تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة.
وفي الذكرى الثانية والثلاثين لتأسيس الشرطة الفلسطينية، لا يقتصر استحضار هذه المسيرة على استذكار الماضي، بل يمثل فرصة لتقييم التجربة واستشراف المستقبل. فبناء جهاز شرطة عصري، مهني، مستقل، قادر على مواكبة التطورات الأمنية والتكنولوجية، يشكل أحد أهم مرتكزات بناء الدولة الفلسطينية المنشودة.
التحية في هذه المناسبة لكل ضباط وضباط صف وأفراد الشرطة الفلسطينية الذين واصلوا أداء واجبهم في ظروف استثنائية، ولكل من أسهم في بناء هذه المؤسسة الوطنية. ويبقى الرهان الأكبر على مواصلة الإصلاح والتطوير، وتعزيز استقلالية المؤسسة، وترسيخ مبادئ سيادة القانون، حتى تظل الشرطة الفلسطينية نموذجاً لمؤسسة وطنية مدنية، تعمل لخدمة المواطن، وتحمي أمن المجتمع، وتصون الحقوق والحريات، وتؤدي رسالتها وفق أعلى معايير المهنية والعدالة، بما ينسجم مع تطلعات الشعب الفلسطيني نحو دولة مستقلة يسودها القانون وتترسخ فيها قيم المواطنة والمؤسسات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب