الشرق الأوسط الجديد بين ترامب ونتنياهو: تحالف القوة وحدود المشروع الإقليمي

الشرق الأوسط الجديد بين ترامب ونتنياهو: تحالف القوة وحدود المشروع الإقليمي
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
مقدمة: إعادة تشكيل الإقليم بين السياسة والقوة
منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025، تشهد منطقة الشرق الأوسط مرحلة إعادة تموضع استراتيجي عميق، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع المشاريع السياسية الكبرى لإعادة هندسة الإقليم.
وفي قلب هذا التحول، يبرز التحالف الوثيق بين واشنطن وتل أبيب بقيادة بنيامين نتنياهو، بوصفه أحد أكثر التحالفات تأثيراً في صياغة المشهد الإقليمي، لكنه في الوقت ذاته الأكثر إثارة للتناقضات، بين منطق القوة العسكرية وحدود الواقع السياسي.
هذا التحالف لا يعمل في فراغ، بل يستند إلى تراكمات فكرية وسياسية سابقة لمفهوم “الشرق الأوسط الجديد”، الذي بدأ مع شمعون بيريز، وتطور لاحقاً في مقاربة كوندوليزا رايس، قبل أن يأخذ طابعاً أكثر صلابة وواقعية سياسية في الخطاب الإسرائيلي المعاصر.
أولاً: تطور مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” من التعاون إلى إدارة القوة
يمكن تتبع مفهوم “الشرق الأوسط الجديد” عبر ثلاث مراحل رئيسية:
مرحلة بيريز – الاقتصاد بدل الصراع
قدّم شمعون بيريز رؤية تقوم على تحويل الشرق الأوسط إلى فضاء اقتصادي تكاملي، يُفترض أن يؤدي فيه التعاون الاقتصادي إلى تراجع الصراعات السياسية، بما في ذلك القضية الفلسطينية، دون معالجة جذورها السياسية بشكل مباشر.
مرحلة رايس – الفوضى الخلاقة
أعادت كوندوليزا رايس صياغة المفهوم خلال حرب 2006 في لبنان، عبر مقولة “الفوضى الخلاقة”، التي رأت في إعادة تشكيل التوازنات بالقوة طريقاً لإنتاج شرق أوسط جديد، حتى لو كان عبر تفكيك البنى القائمة.
مرحلة نتنياهو – هندسة الأمن الإقليمي
في المقاربة التي يطرحها بنيامين نتنياهو، يتحول المفهوم إلى مشروع يقوم على إعادة تعريف البيئة الإقليمية أمنياً، بما يضمن التفوق الإسرائيلي، وتحييد مصادر التهديد، وإعادة صياغة موقع القضية الفلسطينية ضمن معادلات أقل مركزية.
ثانياً: موقع القضية الفلسطينية في “الشرق الأوسط الجديد”
في ضوء هذا التطور المفاهيمي، يمكن قراءة موقع القضية الفلسطينية ضمن هذا التصور على النحو الآتي:
من قضية مركزية إلى ملف مُدار:
لم تعد القضية الفلسطينية تُطرح كمحور للصراع الإقليمي، بل كملف يُدار ضمن ترتيبات أمنية وإنسانية محدودة.
فصل القضية عن الإقليم:
يتم العمل على عزل القضية الفلسطينية عن التوازنات الإقليمية الأوسع، بحيث تُعالج كأزمة محلية لا كقضية تحرر وحقوق سياسية.
التطبيع دون حل الصراع:
تتجه بعض المسارات الإقليمية نحو توسيع التطبيع مع إسرائيل دون ربط ذلك بحل سياسي شامل للقضية الفلسطينية.
إدارة الصراع بدلاً من إنهائه:
جوهر المقاربة الإسرائيلية المعاصرة يقوم على إدارة الصراع واستدامة التوازن الأمني، دون التزام واضح بإنهاء جذوره السياسية.
ثالثاً: المسارات الإقليمية – من إيران إلى غزة
إيران: اختبار حدود القوة
شهدت الساحة الإيرانية تصعيداً عسكرياً غير مسبوق، إلا أن النتائج أظهرت محدودية القدرة على تحقيق حسم استراتيجي شامل. كما برز تباين واضح بين مقاربة أمريكية تميل إلى التسوية، ورؤية إسرائيلية أكثر تشدداً في الشروط الأمنية.
لبنان: ضبط الإيقاع الأمريكي
في لبنان، برز تدخل أمريكي مباشر لضبط مسار التصعيد، بما يعكس حرص واشنطن على منع توسع الحرب إلى مواجهة إقليمية شاملة، ويؤكد أن القرار النهائي في إدارة الجبهات لا يزال بيد الولايات المتحدة.
غزة: مأزق “اليوم التالي”
تظل غزة النموذج الأكثر تعقيداً، حيث فشلت محاولات فرض ترتيبات ما بعد الحرب في إنتاج استقرار سياسي أو إداري، في ظل استمرار الإشكاليات المرتبطة بالاحتلال، وغياب حل سياسي جذري، ما يطرح تساؤلات قانونية حول مدى توافق هذه الترتيبات مع قواعد القانون الدولي الإنساني.
رابعاً: قراءة استراتيجية – إدارة الصراع لا حله
تكشف التطورات المتسارعة أن ما يُسمّى “الشرق الأوسط الجديد” لا يقوم على مشروع تسوية شامل، بل على نموذج لإدارة الصراع يقوم على:
استخدام القوة كأداة ضغط مستمرة،
توظيف الدبلوماسية ضمن إطار تكتيكي، إعادة توزيع مراكز النفوذ دون معالجة جذور الأزمات.
غير أن هذا النموذج يواجه إشكالية بنيوية تتمثل في التناقض بين إدارة الاستقرار ومنع الانفجار، وبين استمرار أسباب الصراع ذاتها دون حل.
خامساً: التقييم القانوني والسياسي للقضية الفلسطينية
من منظور القانون الدولي، يبقى جوهر القضية الفلسطينية مرتبطاً بحق تقرير المصير، وإنهاء الاحتلال، وإقامة دولة فلسطينية على حدود معترف بها دولياً وفق قرارات الشرعية الدولية.
إلا أن مقاربة “إدارة الصراع” تتجاوز هذا الإطار، عبر تحويل القضية إلى ملف أمني–إداري، وهو ما يثير إشكالية قانونية تتعلق بغياب الحلول السياسية العادلة والمستدامة، وبقاء الوضع القائم في حالة إعادة إنتاج مستمرة للأزمة.
خاتمة: شرق أوسط جديد أم إعادة إنتاج للصراع؟
يُظهر التداخل بين الرؤى الأمريكية والإسرائيلية أن مشروع “الشرق الأوسط الجديد” لا يزال في حالة تشكل غير مكتملة، تتراوح بين الطموح إلى إعادة صياغة الإقليم بالقوة، وبين حدود الواقع السياسي والقانوني.
وفي ظل هذا المشهد، يظل التحالف بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو قادراً على إعادة تشكيل الوقائع الميدانية، لكنه غير قادر حتى الآن على إنتاج تسوية سياسية شاملة ومستقرة.
وبين القوة والسياسة، وبين إدارة الصراع وحله، تبقى القضية الفلسطينية هي الاختبار الحقيقي لأي مشروع إقليمي جديد، لأنها ببساطة القضية التي لا يمكن تجاوزها دون معالجة جوهرها السياسي والقانوني.



