الضفة الغربية حتى مناطق “ب”: “العام الأكثر إرهاباً”.. مستوطنون بلباس عسكري وتراكتورات بختم الوزيرة

الضفة الغربية حتى مناطق “ب”: “العام الأكثر إرهاباً”.. مستوطنون بلباس عسكري وتراكتورات بختم الوزيرة
هذا المشهد أصبح شائعاً: حقل زيتون فيه أشجار مثمرة، على مدخله أو في وسطه يقف مبنى مؤقت، أحياناً كوخ من الصفيح وأحياناً مظلة مرتجلة، وحولها يدور تراكتور يقوده يهودي. “هناك الكثير من الفوضويين الذين يثيرون الفوضى”، قال السائق في هاتفه المحمول ذات مرة في الشهر الماضي. السائق شخص كبير السن، يضع قبعة على رأسه وله لحية، ويضع مسدساً على خصره. يمد يده للسلاح ولا يحاول إخفاء التهديد، يفعل ما يشاء. أهلاً وسهلاً بالقادمين إلى مناطق “ب” نسخة 2025.
على الورق المصفر لاتفاق أوسلو، هذا الوضع من المفروض أن يكون خيالياً. مناطق “ب” الخاضعة للسيطرة المدنية الفلسطينية والسيطرة العسكرية الإسرائيلية، معرفة كمنطقة لا يفترض أن يتواجد فيها المستوطنون، ولكنهم عمليًا هم الذين يحجبون المنطقة عن أصحاب الأراضي المحليين. يصف أحد أصحاب الأراضي في قرية تُرمسعيّا الفلسطينية، الوضع الجديد قائلاً: “المستوطنون يتنقلون بحرية بحماية الجيش الإسرائيلي والحكومة الإسرائيلية. في أحد أيام الجمعة، عندما أردت الوصول إلى حقل الزيتون، منعني الجيش، وشاهدت من بعيد أشجار زيتوني التي قطعها المستوطنون”.
لكن تغيير الوضع في المناطق “ب” ليس إلا أحد الأعراض الكثيرة التي ميزت موسم قطف الزيتون الأخير، الأكثر عنفاً الذي وثقه مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” منذ العام 2006. وخلال هذا الموسم وثقت هذه المنظمة 364 حالة عنف من كل الأنواع، بما في ذلك هجمات للفلسطينيين، وإحراق الممتلكات والحقول، والسرقة وقتل الحيوانات وقطع الأشجار. وقد أضيفت إلى هذه الحالات أعمال مضايقة مجردة لم يتم حسابها في هذه البيانات، مثل رعي الأغنام داخل بيوت الفلسطينيين – من الصالون إلى غرفة النوم ذهاباً وإياباً. وفي أحداث منفصلة، قتل فتى ابن 13 سنة من قرية بيتا، بسبب استنشاق الغاز المسيل للدموع الذي أطلقته قوات الجيش الإسرائيلي في الحقول، وقتل شاب من قرية دير جرير، برصاص جنود وصلوا إلى مكان الحادث في أعقاب احتكاك بين المستوطنين وسكان القرية.
هذه الظواهر ليست جديدة، والرسم البياني لعدد هجمات المستوطنين في السنوات الأخيرة يظهر زيادة مطردة، لكنها زادت في هذه السنة بشكل ملحوظ، وتضاعفت في كل أرجاء الضفة الغربية. وإلى جانبها عدة بنود لم تكن معروفة في السنوات السابقة، وهي بنود تساهم في زيادة بؤس حياة السكان. على سبيل المثال، التسلل إلى مناطق “ب” وإقامة بؤر استيطانية (متقدمة) يتاح فيها للمستوطنين سيطرة بصرية كاملة على المنطقة. وثمة جانب آخر، وهو وحدات الدفاع القطرية- مستوطنون يرتدون الزي العسكري، الذين يأخذون لأنفسهم صلاحيات ليست من صلاحيتهم، يعتقلون، يحتجزون، يغلقون مناطق ويهددون بالسلاح. هكذا تبدو منطقة استيطانية مغلقة.
الدخول إلى مناطق “ب”
يمكن القول إن بلدة ترمسعيا تعدّ حالة نموذجية، حيث احتلت ذروة الهجمات في هذا الموسم، وشهدت 13 حادثة على الأقل. سكان البلدة يذكرون مراراً وتكراراً في رواياتهم المستوطن الملتحي على التراكتور، وهو واحد من مئات المركبات التي وزعتها وزارة الاستيطان برئاسة الوزيرة أوريت ستروك، لحماية البؤر الاستيطانية. عمليا، وفقاً للقرى الفلسطينية، تستخدم هذه المركبات بدرجة أكبر لغرض الهجوم. وهذا ما حدث أيضاً في الحادثة في الشهر الماضي. لقد قال أحد أصحاب الأراضي للصحيفة عن تصرفاته: “كنا نجمع الزيتون قرب بيتي عندما ظهر المستوطن على التراكتور (الذي يسمى “مهدد وطارد قاطفي الزيتون”)، وكان يرافقه اثنان من المستوطنين الملثمين. هذا المستوطن أطلق النار. هذه الحقول قريبة من البلدة وليست في مكان بعيد. المستوطنون يأتون مباشرة ويصلون حتى إلى البيوت”. يأتون ومعهم رسالة تقول “هو أمرنا بالمغادرة. بعد ساعة وصل إلى عائلة أخرى على بعد مئة متر وهددها بمسدس وطردها، بل وسرق بعض معداتها. لقد أقيمت البؤرة الاستيطانية التي خرج منها المستوطن الملتحي على أرض فلسطينية خاصة قريبة جداً من مناطق “ب”، التي لا يسمح لأحد بدخولها إلا بإذن عسكري”.
في مرة أخرى شوهد سائق التراكتور في حقول قرية سنجل القريبة. هناك ظهر أسلوب آخر تم استنساخه كثيراً خلال موسم قطف الزيتون: يظهر المستوطن، يحذر، وبعد ذلك يأتي الجنود، يتم إصدار أمر منطقة عسكرية مغلقة في المكان، ويتم إبعاد قاطفي الزيتون. “يتصرف وكأنه صاحب الأرض”، قال أحد أصحاب الأراضي. “بل وقاموا بقطف أشجارنا وسرقوا زيتوننا. في السنة الماضي، قمنا بقطف الزيتون هنا بدون أي مشكلة. هذا الموسم انتهى بدون السماح لنا بالوصول إلى أرضنا”.
الحديث لا يدور عن شهادة واحدة أو نقطة واحدة. خلال الأشهر التي سبقت موسم قطف الزيتون، أقيمت مجموعة من البؤر الاستيطانية في منطقة التماس بين مناطق “ب” ومناطق “ج”، بعضها في عمق مناطق “ب”، وهذا نموذج سيطرة يتكرر باستمرار. معظم البؤر التي أقيمت بشكل خاص لمنع قطف الزيتون لا تعمل كوحدة مستقلة، بل كنقاط مراقبة وتنظيم، حيث يتجمع الشباب من البؤر الاستيطانية القريبة. وبالتالي، فإن مئات البؤر الاستيطانية والمستوطنات الموجودة فوق التلال (470 نقطة كهذه وفقاً لجمعية كيرم نبوت)، تشرف بصرياً على منطقة واسعة، بما في ذلك مناطق “ب”، وأصبح قاطفو الزيتون في المناطق المفتوحة أهدافاً ثابتة. ناشط في مجال حقوق الإنسان قال للصحيفة: “لا يهم أين أنت، هناك بؤرة استيطانية فوق كل تلة”.
هناك أمثلة كثيرة على الطريقة التي تتحول فيها بؤرة استيطانية متقدمة إلى جبهة هجومية. على سبيل المثال، خرجت سبع هجمات من بؤرة “مفسير هشالوم”، وعشر هجمات خرجت من البؤرة الاستيطانية التي أقيمت غرب المنطقة الصناعية “كدوميم”، بما في ذلك الإحراق المتعمد والعنف الشديد. في إحدى الهجمات هاجم المستوطنون حكمت شتيوي (54 سنة)، وأصابوه إصابة بالغة بعد إشعال النار في سيارته. في الأيام الأخيرة، بعد شهر من التخدير وربطه بجهاز التنفس الصناعي، استيقظ شتيوي، وهو يعاني من إصابة شديدة في الرأس وعدة كسور. وجاء 21 هجوماً على قريتي ترمسعيا وسنجل من المنطقة المحيطة ببؤرة المستوطن الملتحي. وقد تم تفكيك بعض البؤر الاستيطانية من قبل الإدارة المدنية، لكنه كان مؤقتاً، بعد فترة عاد المستوطنون وأقاموا هذه البؤرة وشنوا المزيد من الهجمات. لا أحد يوقف هذا النشاط، وفي أفضل الحالات ربما يؤخرونه فقط.
عملياً، العشرات من بين الـ 364 عمل عنف التي وثقتها الأمم المتحدة، مصدرها هم الذين يقيمون في هذه البؤر الاستيطانية. على الأقل 9 من هذه الهجمات جاءت من “كول مفسير” – من بينها هجمة أحرق فيها المستوطنون خمسة مبان وشاركوا في عنف وحشي وحتى أطلقوا الرصاص الحي. لقد حدث هذا في 25 تشرين الأول في قرية مخماس، عندما كانت مجموعة من النشطاء الإسرائيليين يقيمون في التجمع البدوي القريب من القرية، كجزء من “التواجد الوقائي”. عندما بدأت النار تشتعل وطاردهم المستوطنون، حاول النشطاء الاختباء. تتذكر ن. كيف اختبأت في أحد المنازل: “جلست وراء الباب قريبة جداً حتى لا يروني من النافذة. للحظة اعتقدت أن هذا الأمر نجح لأنهم نظروا من النافذة وصرخوا بأنه لا يوجد أحد هناك. ولكن بعد ذلك، بدأوا يهاجمون البيوت وإحراقها”.
في مرحلة معينة، تتذكر أن أحد المستوطنين حاول اقتحام المنزل الذي كانت تختبئ فيه. حاولت أن تمسك مقبض الباب حتى لا يفتحه، لكن بدون نجاح. “كسر الباب، ضربني بعصا وأمرني بالخروج. خرجت وأنا أرفع يدي، قال لي: إذا رأيتك هنا مرة أخرى فستموتين”. الأمر لم ينته هنا. “المستوطنون الذين أحرقوا المنازل، ثمانية شباب، اقتربوا وأحاطوني بدائرة وبدأوا بضربي بالعصي والحجارة حتى سقطت على الأرض”، قالت. “ربما شاهدوا رأسي ينزف ولم يرغبوا في التورط في مشاكل إذا قتلوني، فتوقفوا وغادروا”. تم نقل ن. إلى مستشفى هداسا عين كارم في القدس وهي تعاني من نزيف في الكبد وإصابة في الرأس والرقبة وكدمات في الضلوع والصدر والأطراف.
لكن حسب بيانات “أوتشا”، لم تكن الإصابات جسدية في كل الحالات. في 102 من أصل 364 اعتداء مسجل كانت إصابات. مثلاً، في منتصف تشرين الأول، هاجم عشرات الملثمين المشاركين في قطف الزيتون في ترمسعيا. أثناء الاعتداء نفسه، سجل قيام أحدهم وهو أريئيل دهاري، بضرب عفاف أبو عليا (53 سنة)، وهي جدة لتسعة أحفاد، بهراوة. بعد عدة أسابيع تم اعتقاله ووجهت إليه لائحة اتهام في الأسبوع الماضي. لكنها كالعادة حادثة استثناء تدل على القاعدة، ففي هذه الحادثة شارك عشرات المهاجمين، وحسب معرفة “هآرتس” لا أحد منهم تم اعتقاله أو تقديم لائحة اتهام ضده. عمليا، رفضت الشرطة الإجابة على سؤال إذا كان هناك مشتبهون آخرون. هذا ليس بالأمر الشاذ. كقاعدة عامة، ترفض شرطة لواء شاي (“يهودا والسامرة”) إعطاء بيانات عن عدد المعتقلين في مئات أعمال الجرائم الوطنية التي ارتكبت في موسم قطف الزيتون. كل ما يمكن تقديمه هو أن الأمر يتعلق بعدد يتكون من رقمين.
في خدمة المستوطنين
من القضايا التي تطرح دائماً في المحادثات مع الفلسطينيين، التعاون بين المستوطنين والجيش. نظرياً، تنص توجيهات الجيش الإسرائيلي في موسم قطف الزيتون بصراحة على إلزام قوات الجيش باعتقال المستوطنين الذين يقتحمون الأراضي الفلسطينية على الفور وتسليمهم للشرطة. ولكن وثائق كثيرة تظهر أن ما يحدث على الأغلب هو عكس ذلك تماماً، إذ يقف الجنود متفرجين في وجه الاقتحامات ورشق الحجارة وانتهاك المستوطنين.
من المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي جاء الرد: “الجيش يعمل في كل سنة من أجل السماح بموسم قطف سليم للزيتون، وآمن على القاطفين. في الحالات التي يوجد فيها إزعاج للقطف، أعطيت تعليمات للقوات بالقيام بالخطوات المطلوبة للسماح باستمرار العمل بدون إزعاج”.
وقالت الشرطة إنه “في معظم الحوادث التي تحدث في منطقة “يهودا والسامرة”، الجيش هو القوة الأولى التي تستعد وترد في الميدان، حتى قبل وصول قوات الشرطة، وذلك طبقاً لتوزيع المسؤوليات العملياتية في المنطقة”. وقالت الشرطة أيضاً: “الادعاءات المطروحة لا تعكس حجم نشاطات إنفاذ القانون الفعلية”.
متان غولان
هآرتس 5/12/2025




