مقالات

الطريق إلى حكومة بينيت – آيزنكوت: من التشكيك بالإبادة إلى إنكار النكبة

الطريق إلى حكومة بينيت – آيزنكوت: من التشكيك بالإبادة إلى إنكار النكبة

سليمان أبو ارشيد

الفلسطينيون لم يبلغوا من السطوة بحيث يستطيعون فرض إجراءات وقوانين رادعة تحاسب وتعاقب من ينكر نكبتهم حول العالم، لكني أعتقد أنهم يمتلكون من المنطق الأخلاقي والتماسك القيمي ما يمكّنهم من عزل من ينكر النكبة ويشكك بالإبادة ومحاسبته سياسيًا…

تنبع المقارنة بين “النكبة” و”الهولوكوست” أولًا من مفارقة أن مرتكبي جرائم “النكبة” الفلسطينية هم أحفاد ضحايا “الهولوكوست”، وثانيًا من استخدام جرائم “الهولوكوست” ومعاناة اليهود في أوروبا من قبل الحركة الصهيونية، لتبرير المذابح الجماعية وجرائم التهجير والتطهير العرقي التي ارتكبتها خلال نكبة 1948، وأسفرت عن اقتلاع الشعب الفلسطيني من أرضه وتدمير كيانه الوطني وإقامة دولتها على أنقاضه.

وما انفكت الحركة الصهيونية، ممثلة بدولة إسرائيل، توقظ “الهولوكوست” وتستدعيه كلما شارف على الغياب في غياهب التاريخ، لإضفاء الشرعية على عدوانها الإجرامي المتواصل على الشعب الفلسطيني، إمعانًا في تصفية حضوره السياسي ودفن حقوقه الوطنية المشروعة، وفي مقدمتها حقه في تقرير المصير على أرض وطنه، وبرز هذا الاستدعاء والتوظيف بجلاء في حرب الإبادة المتواصلة على قطاع غزة.

وقد استعملت الصهيونية، الممثلة بدولة إسرائيل وامتداداتها العالمية، بمهارة عالية ما يسمى بإنكار “الهولوكوست” سيفًا حادًا ضد الفلسطينيين والعرب وأنصارهم في العالم، بعد أن عملت على دمغ كل من يعادي الصهيونية باللاسامية وإنكار “الهولوكوست”، ونجحت في تثبيت ذلك ضمن المنظومة القانونية للعديد من الدول الغربية، لتضع أنصار القضية الفلسطينية ودعاة مقاطعة إسرائيل تحت طائلة القانون.

ولا غرو، والحال كذلك، أن يوضع العرب والمسلمون، كدول وجماعات، على رأس قائمة المتهمين بإنكار “الهولوكوست”، استنادًا إلى قاعدة الكل متهم حتى تثبت براءته، وأن نجد السعودية والإمارات ولبنان وحتى مصر، التي تقيم علاقات مع إسرائيل، من بين الدول “الشائع فيها إنكار الهولوكوست”، وفق التوصيف الإسرائيلي، ولم يسلم الفلسطينيون في إسرائيل من هذه التهمة، حيث أظهر استطلاع أجراه سامي سموحة عام 2008 أن 40% منهم ينكرون “الهولوكوست”، هذا في حين تبرز أسماء قادة وشخصيات مثل أحمدي نجاد ومحمود عباس وعبد العزيز الرنتيسي وغيرهم في رأس هذه القائمة.

ولا غرابة أيضًا في أن تُسلّط قوانين إنكار “الهولوكوست” وإجراءاتها ليس على السياسيين فقط، بل على أكاديميين وباحثين ومؤرخين لمجرد أنهم حادوا قليلًا عن المنهج العام السائد في بحث “الهولوكوست” واستنتاجاته، وبالاستعانة بـ”ويكيبيديا” نجد قائمة طويلة من هؤلاء، بعضهم جرت ملاحقته والتحريض عليه وفصله من مكان عمله، وبعضهم قضى سنوات في السجن بعد تقديمه للمحاكمة وإدانته بهذه التهمة، أبرزهم المؤرخ ديفيد إيرفينغ، الذي حكمت عليه محكمة نمساوية عام 1988 بالسجن ثلاث سنوات.

بالمقابل، عمدت الصهيونية، برموزها ودعاتها ورعاتها وأبواقها، إلى إنكار النكبة الفلسطينية، وعملت في سبيل ذلك على التعتيم على المذابح وجرائم التهجير والتطهير العرقي التي ارتكبتها عام 1948، مدعية أن الفلسطينيين تركوا البلاد طوعًا وتحت وطأة دعاية الجيوش العربية التي وعدتهم برحيل مؤقت وعودة مظفرة بعد تحقيق النصر، ونجحت في فرض هذه السردية إسرائيليًا على الأقل حتى ظهور “المؤرخين الجدد” في ثمانينيات القرن الماضي، الذين كشفوا المستور إسرائيليًا وعززوا الرواية الفلسطينية بوثائق تاريخية من الأرشيف الصهيوني، كان قد أُفرج عنها في حينه.

لكننا ندرك أن هؤلاء المؤرخين ومريديهم يمثلون هامشًا بسيطًا من المجتمع الإسرائيلي الاستيطاني، المشبع بالعنصرية والنزعات العدوانية تجاه الفلسطينيين والعرب، والذي يسير منذ السابع من أكتوبر وحرب الإبادة على غزة بخطوات حثيثة نحو الفاشية، وهو ما يقلص ما تبقى من هامش ديمقراطي سابق، ويعيد هيمنة الرواية الصهيونية ببعدها الأكثر تشددًا على الإعلام والأكاديميا والسياسة والمجتمع في إسرائيل.

ولا شك أنه في ظل هذه الأجواء، فإن اللعب في الملعب الإسرائيلي ترافقه وتسبقه اشتراطات والتزامات سياسية، تتناقض ليس مع سرديتنا وهويتنا وثوابتنا الوطنية فقط، بل مع مجرد حضورنا كشعب أصيل في هذه البلاد، فيكفي أن تخضع لتحقيق من قبل صحافي يميني متطرف وينحدر من ظهر إرهابي مثل عميت سيغل، وأن يواجهك بحقيقتك، وتضطر إلى التنصل والاعتذار عما أنت عليه في الجغرافيا والتاريخ الفلسطينيين، وإلى إنكار التهجير والتطهير العرقي والنكبة، وتتنكر لما قلت سابقًا، بل مؤخرًا، لأنك “تنوّرت” أو “تطورت”.

ولن يفيد في هذا السياق اتهام الآخرين بسوء الظن وعدم القدرة على فهم المسموع، لأنها محاولة يائسة لإصلاح الضرر الذي أحدثه “تنوّرك” أو “تطورك” هذا لدى جمهورك الفلسطيني، ولن يُعتبر ذلك حديثًا بلسانين، بل هو عذر أقبح من ذنب، خاصة أن الجميع يدرك أن لسان حالك السياسي هو ما قلته لدى عميت سيغل، وأن ما قلته يندرج في إطار استكمال رصف الطريق المؤدية إلى حكومة بينيت – آيزنكوت الصهيونية، بـ”درة” أخرى إلى جانب درر “الخدمة للجميع” و”الدولة اليهودية” و”التشكيك بالإبادة في غزة”.

ختام القول، إن الفلسطينيين لم يبلغوا من السطوة بحيث يستطيعون فرض إجراءات وقوانين رادعة تحاسب وتعاقب من ينكر نكبتهم حول العالم، لكني أعتقد أنهم يمتلكون من المنطق الأخلاقي والتماسك القيمي ما يمكّنهم من عزل من ينكر النكبة ويشكك بالإبادة ومحاسبته سياسيًا.

عرب 48

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب