مقالات

العزوف الانتخابي في المغرب: على الحكومة الجديدة الوفاء بوعود سابقاتها..

العزوف الانتخابي في المغرب: على الحكومة الجديدة الوفاء بوعود سابقاتها..

الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

بلغت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026 نحو
38.02% من مجموع الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية، البالغ عددهم
15,801,162 ناخباً، في حين بلغت نسبة الذين لم يدلوا بأصواتهم

61.98%، أي ما يقارب 9.79 ملايين ناخب مسجل، دون احتساب المواطنين
الذين لم يسجلوا أنفسهم أصلاً في اللوائح الانتخابية.

إن هذه الأرقام تستحق وقفة تأمل جدية، لأنها تطرح تساؤلات حول أسباب
العزوف الانتخابي، ومدى ثقة المواطنين في الأحزاب السياسية وقدرتها على
الوفاء بالتزاماتها. فحين تتسع الهوة بين الوعود الانتخابية والواقع المعيش،
يفقد الخطاب السياسي قدرته على الإقناع، ويصبح من المشروع أن يتساءل
المواطن عن جدوى المشاركة في انتخابات لا يرى أن نتائجها تنعكس بما يكفي
على حياته اليومية.

ولا يمكن فصل هذا العزوف عن التجارب التي راكمها المغاربة مع الحكومات
المتعاقبة، وما صاحبها من وعود لم يتحقق بعضها، أو لم يُنفَّذ بالقدر المطلوب.
فالمواطن الذي ينتظر تحسناً في قدرته الشرائية، وخدمات صحية وتعليمية
أفضل، وفرصاً للشغل، وإنصافاً للفئات الاجتماعية المتضررة، لا تكفيه
التصريحات والبرامج المعلنة، بل يريد نتائج ملموسة تبرهن على جدية
المسؤولين في تحمل مسؤولياتهم.

ومن هنا، فإن الحكومة الجديدة مطالبة باستيعاب الرسالة التي يحملها العزوف
الانتخابي، وعدم التعامل معه باعتباره مجرد رقم عابر، بل مؤشراً يستوجب
مراجعة أساليب العمل الحكومي والبحث عن الأسباب الحقيقية لتراجع الثقة في
الأحزاب والمؤسسات المنتخبة.

غير أن المطلوب من هذه الحكومة لا يقتصر على تقديم برنامج جديد وإطلاق
وعود إضافية، بل يتمثل أساساً في الوفاء بالالتزامات التي قطعتها الحكومات
السابقة ولم تفِ بها، أو لم تستكمل تنفيذها. فليس من المعقول أن تتحول

الوعود الحكومية إلى ملفات مؤجلة تنتقل من ولاية حكومية إلى أخرى، دون
أن يعرف المواطن مصيرها أو الأسباب التي حالت دون تنفيذها.

فالحكومات تتغير بتغير الأغلبية السياسية، لكن الإدارة العمومية تظل قائمة،
وتستمر في أداء مهامها وتنفيذ السياسات والبرامج الحكومية. ولذلك، لا ينبغي
أن يؤدي تعاقب الحكومات إلى تعطيل المشاريع المقررة أو التخلي عن
الالتزامات التي قُطعت للمواطنين ولم تُنفَّذ بعد. فالحكومة الجديدة مطالبة
بمراجعة حصيلة سابقتها، وتحديد ما لم يُنجز من تعهداتها، والعمل على
استكماله، ما دامت تلك الالتزامات قائمة ومشروعة، بدلاً من إعادة تقديمها في
صورة وعود جديدة. فالمواطن من حقه أن يحاسب الحكومة الحالية على
أدائها، وأن يطالبها في الوقت نفسه بالوفاء بالالتزامات السابقة التي لا تزال
تنتظر التنفيذ.

وتتجلى أهمية هذا التوجه في عدد من الملفات الاجتماعية الأساسية، وفي
مقدمتها الصحة والتعليم. فقد ظلت إصلاحات هذين القطاعين ضمن أولويات
الحكومات المتعاقبة، ومع ذلك لا تزال الحاجة قائمة إلى تحسين جودة الخدمات
الصحية، وتوفير الأطر الطبية والتجهيزات الضرورية، والحد من الاكتظاظ في
المؤسسات التعليمية، ومعالجة الخصاص في الموارد البشرية، وضمان تعليم
عمومي جيد وعلاج لائق لجميع المواطنين. ومن ثم، فإن الحكومة الحالية
مطالبة باستكمال الإصلاحات القائمة وتسريع تنفيذ ما لم يكتمل منها، بدل
الاكتفاء بإعلان برامج جديدة.

وينطبق الأمر ذاته على ورش الحماية الاجتماعية، الذي يتطلب مواصلة التنفيذ
ومعالجة الصعوبات التي تحول دون استفادة الفئات المستحقة من الخدمات
المقررة. كما يظل التشغيل من أبرز التحديات التي تستوجب الانتقال من الوعود
العامة إلى إجراءات عملية تتيح للشباب فرصاً حقيقية للاندماج في سوق العمل،

وتدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتحد من البطالة والهشاشة
الاجتماعية.

ولا يمكن في هذا السياق إغفال قضية المتقاعدين الذين ظلت معاشاتهم مجمدة
لسنوات طويلة، ولم ينالوا حظهم الكافي من نتائج الحوارات الاجتماعية
المتعاقبة. فهذه الفئة أفنت سنوات عمرها في خدمة الوطن، ومن حقها أن
تحظى بالإنصاف وأن تتمتع بتقاعد يحفظ كرامتها، خصوصاً في ظل ارتفاع
تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية. ومن غير المقبول أن تظل مطالبها
مؤجلة من حكومة إلى أخرى، بينما تستمر معاناتها دون معالجة منصفة
تتناسب مع أوضاعها الاجتماعية والاقتصادية.

كما يستدعي ملف إعادة إعمار وتأهيل المناطق المتضررة من زلزال الحوز
مواصلة الجهود لاستكمال الأشغال وإصلاح المنازل والبنيات الأساسية
والمرافق العمومية، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه. فالمسؤولية الحكومية
لا تنتهي بالإعلان عن البرامج أو تخصيص الاعتمادات المالية، بل تكتمل بإنجاز
المشاريع على أرض الواقع، والتحقق من استفادة المواطنين المعنيين منها.

إن التعامل الجدي مع هذه الملفات وغيرها يقتضي من الحكومة الحالية إعداد
جرد واضح للالتزامات السابقة التي لم تُنفَّذ أو لم تُستكمل، وتحديد أسباب
تعثرها، والجهات المكلفة بها، والميزانيات اللازمة لإنجازها، والآجال المحددة
لذلك. كما يتعين إطلاع المواطنين بشفافية على ما تحقق وما بقي معلقاً، حتى لا
تظل الوعود الحكومية مجرد عناوين تتكرر مع كل تغيير في الأغلبية السياسية.

وإذا كانت بعض الالتزامات تحتاج إلى مراجعة بسبب تغير الظروف أو محدودية
الموارد، فإن الواجب يقتضي تقديم تفسير واضح ومقنع، مع تحديد البدائل
الممكنة، لا اتخاذ إخفاقات الحكومات السابقة ذريعة للتنصل من المسؤولية.

فالحكومة الجديدة ليست مطالبة بتكرار التجارب نفسها، وإنما بالاستفادة من
أخطائها، وتصحيح الاختلالات، واستكمال ما تعثر من الإصلاحات والبرامج.

ومن جهة أخرى، ينبغي أن ترتقي المناقشات داخل قبة البرلمان إلى مستوى
المسؤولية الملقاة على عاتق ممثلي الأمة. فالبرلمان ليس مسرحاً للمناكفات
الحزبية وتبادل الاتهامات وتسجيل النقاط السياسية، بل مؤسسة للتشريع
ومراقبة العمل الحكومي ومساءلة المسؤولين والدفاع عن مصالح المواطنين.
والمغاربة ليسوا في حاجة إلى سجالات لا تنعكس على واقعهم، وإنما إلى نقاش
جاد يفضي إلى حلول عملية ونتائج ملموسة.

إن المواطن المغربي واعٍ بما يجري في الساحة السياسية، ويتابع أداء الأحزاب
ويقارن بين ما تعد به وما تنجزه. ولذلك، فإن التعامل معه بمنطق الاستخفاف
أو الاكتفاء بالخطابات التسويقية لن يسهم في استعادة الثقة المفقودة. فالوفاء
بالالتزامات، والشفافية في تدبير الشأن العام، وربط المسؤولية بالمحاسبة، هي
الأسس التي يمكن أن تعيد الاعتبار للعمل السياسي وتقرب المواطنين من
المؤسسات المنتخبة.

لقد أظهرت نسبة العزوف الانتخابي أن الحكومة الجديدة تواجه تحدياً يتجاوز
تدبير الملفات اليومية؛ إنه تحدي استعادة ثقة المواطنين في جدوى العمل
السياسي نفسه. وهذه الثقة لا تُستعاد بتغيير الشعارات أو إعادة صياغة
الوعود، بل بإثبات أن المشاركة السياسية يمكن أن تفضي إلى تحسين ملموس
في حياة المواطنين، وأن المسؤولين مستعدون لتحمل تبعات قراراتهم والوفاء
بتعهداتهم.

إن المطلوب من الحكومة الحالية ليس أن تعد المغاربة من جديد بما وعدت به
الحكومات السابقة، بل أن تبدأ من حيث انتهت تلك الحكومات، وأن تنفذ ما بقي

من التزاماتها دون إنجاز. فتغير المسؤولين لا ينبغي أن يكون مبرراً لتأجيل
حقوق المواطنين، كما أن استمرار الإدارة العمومية يفرض عليها مواصلة تنفيذ
البرامج المقررة وفق القوانين والاعتمادات المتاحة.

أما استمرار ترحيل الملفات من حكومة إلى أخرى، وتكرار الوعود دون نتائج،
فلن يؤدي إلا إلى تعميق الهوة بين المواطن والأحزاب السياسية، وتعزيز
الشعور بعدم جدوى المشاركة الانتخابية.

فهل ستستوعب الحكومة الجديدة رسالة العزوف، وتجعل من الوفاء بالالتزامات
السابقة نقطة انطلاق لعملها، أم ستعيد إنتاج الوعود نفسها، تاركةً الملفات
العالقة تنتظر حكومة أخرى؟ إن الجواب لن تحدده التصريحات، بل ما ستنجزه
الحكومة فعلياً، وما ستقدمه للمغاربة من نتائج قابلة للقياس والمحاسبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب