العودة والدولة».. عندما تصبح الوحدة الفلسطينية ضرورة لا خيارًا

العودة والدولة».. عندما تصبح الوحدة الفلسطينية ضرورة لا خيارًا
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
في لحظة فلسطينية هي من أكثر مراحل القضية الوطنية تعقيدًا وخطورة، تأتي مبادرة «العودة والدولة» التي طرحتها القائمة برئاسة الدكتور جواد دار علي لتفتح نافذة جديدة في جدار الانقسام، وتطرح على الساحة الفلسطينية سؤالًا يتجاوز الحسابات الفصائلية: هل آن الأوان لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة الوطنية وسيادة القانون والاحتكام إلى الإرادة الشعبية؟
أهمية المبادرة أنها لا تقدم نفسها باعتبارها مشروعًا لإقصاء فصيل أو إلغاء حزب أو إعادة توزيع النفوذ، وإنما كدعوة إلى مائدة فلسطينية مستديرة تضم الجميع، من الفصائل والقوى السياسية إلى المستقلين والأكاديميين والمرأة والشباب ومؤسسات المجتمع المدني وفلسطينيي الشتات.
كما أن اختيار هذا المسار من قبل الدكتور جواد دار علي يستند إلى تجربة سابقة في المشاركة بجهود وحوارات هدفت إلى تقريب وجهات النظر الفلسطينية وإنهاء الانقسام، وهو ما يمنح المبادرة رصيدًا من الخبرة العملية يمكن البناء عليه، شريطة أن تبقى المبادرة مفتوحة أمام الجميع، وألا تتحول إلى عنوان فصائلي أو انتخابي مغلق.
الرسالة الأهم في وثيقة «العودة والدولة» هي إعادة تعريف العلاقة بين الفصيل والدولة، والحزب والمؤسسة، والسلطة والمواطن.
فالتعددية السياسية ليست أزمة، والاختلاف في الرأي ليس انقسامًا بالضرورة؛ الأزمة تبدأ عندما تتحول التعددية إلى ازدواجية في السلطة والقرار والمؤسسات. ومن هنا تبدو العبارة التي تختصر فلسفة الوثيقة شديدة الدلالة: «وحدة في الهدف، تعددية في الرأي، شراكة في القرار، ودولة يحكمها القانون».
فلسطين لا تحتاج إلى إلغاء فتح أو حماس أو أي فصيل، بل تحتاج إلى إخراج الخلاف السياسي من منطق الصراع على السلطة إلى إطار التنافس الديمقراطي المشروع.
وتكتسب الدعوة إلى إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية أهمية خاصة؛ فالمنظمة هي الإطار الوطني الجامع، وإعادة بناء مؤسساتها وتوسيع قاعدة تمثيلها لا يعني تجاوزها، وإنما تجديد شرعيتها وتعزيز قدرتها على تمثيل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
كما أن وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية ليست مجرد شعار سياسي، بل ضرورة وطنية وقانونية؛ لأن أي ترتيبات تؤدي إلى تكريس الفصل بين أجزاء الأرض الفلسطينية أو إنشاء سلطات متوازية ستعمق الأزمة بدل حلها.
وتضع المبادرة الانتخابات في قلب عملية تجديد الشرعية، وهو أمر لا غنى عنه، لكن الانتخابات تحتاج إلى ضمانات دستورية وقانونية؛ من استقلال القضاء والهيئة الانتخابية، إلى حرية الإعلام وتكافؤ الفرص، والأهم احترام نتائج صناديق الاقتراع وعدم الالتفاف عليها.
أما الحكومة الانتقالية المقترحة، فينبغي أن تكون جسرًا إلى الشرعية المنتخبة، لا بديلًا عنها، وأن تكون محددة المدة والصلاحيات وخاضعة للرقابة والمساءلة.
إن أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية اليوم ليس فقط الاحتلال، وإنما أيضًا استمرار الانقسام الذي يضعف الموقف الوطني ويمنح الآخرين فرصة للتدخل في مستقبل الشعب الفلسطيني وتقرير شكل نظامه السياسي.
ومن هنا، فإن مبادرة «العودة والدولة» تستحق أن تُناقش بجدية، وأن تُعامل باعتبارها مقترحًا وطنيًا مفتوحًا للحوار والتطوير، لا وثيقة مغلقة.
المطلوب اليوم ليس انتصار فتح على حماس، ولا حماس على فتح، ولا فصيل على فصيل؛ المطلوب أن تنتصر فلسطين على الانقسام.
احتفظوا باختلافكم، ولكن اتفقوا على الوطن.
اختلفوا في السياسة، واتفقوا على الدولة.
وتنافسوا في الانتخابات، واحتكموا إلى نتائجها.
واجعلوا القانون فوق الجميع، والمؤسسات ملكًا للشعب لا للفصائل.
إن «العودة والدولة» قد لا تكون الحل النهائي لكل أزمات النظام السياسي الفلسطيني، لكنها يمكن أن تكون مدخلًا جادًا لبدء حوار مختلف؛ حوار لا يبحث عن تقاسم السلطة، بل عن إعادة تأسيسها على قاعدة الشرعية الشعبية والوحدة الوطنية ودولة المؤسسات.
ففلسطين أكبر من الفصائل، وأكبر من الحكومات، وأكبر من الأشخاص والخلافات.
وحدة في الهدف، تعددية في الرأي، شراكة في القرار، ودولة يحكمها القانون.



