الفساد بين الحواضن والحسابات الخارجية: نحو لجنة وطنية لاستعادة الأموال المنهوبة

الفساد بين الحواضن والحسابات الخارجية: نحو لجنة وطنية لاستعادة الأموال المنهوبة
المحامي علي أبو حبلة
كلما تعمقنا في ملف الفساد الفلسطيني، اتضحت الصورة أكثر فأكثر: نحن أمام منظومة مترابطة تمتد جذورها إلى مؤسسات ودوائر ومصالح متشابكة، تتقاطع فيها السلطة والنفوذ والمال، حتى بات الفساد حالة متجذرة لا مجرد ظاهرة عابرة. الأخطر من ذلك ليس حجم الفساد فحسب، بل البيئات الحاضنة له التي توفر الغطاء والحماية لمن تورطوا في الاستحواذ على المال العام بطرق غير مشروعة.
التقارير المتداولة عن أموال فلسطينية ضخمة مهربة ومودعة في بنوك أوروبية ودولية تثير تساؤلات مشروعة حول مصدرها، وطرق تحويلها، وأسماء من يقف وراءها. فالمسألة لم تعد مجرد شبهة، بل باتت قضية وطنية تمس جوهر العدالة الاجتماعية وسيادة القانون، وتستوجب تحركاً جاداً يتجاوز الخطابات إلى إجراءات عملية وشفافة.
من هنا، تبرز الحاجة الملحة إلى تشكيل لجنة وطنية عليا مستقلة تضم خبراء في القانون والمال والرقابة، تكون مهمتها التحقق من حجم الاستثمارات والأموال الفلسطينية المهرّبة في الخارج، وتحديد مصادرها الشرعية وغير الشرعية. هذه اللجنة يجب أن تعمل بشراكة مع المؤسسات الدولية المتخصصة في تتبع الأموال المنهوبة، لضمان الشفافية والمصداقية، بعيداً عن أي تدخل أو نفوذ سياسي.
إن فتح ملفات الفساد الكبرى لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية وأخلاقية، لأن حماية المال العام هي الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني قائم على العدالة والمساءلة. ولا يمكن بناء دولة مؤسسات دون محاسبة كل من ثبت تورطه في الاختلاس أو الاستحواذ غير القانوني على الأملاك العامة، أياً كانت صفته أو موقعه.
فالسكوت على الفساد يساوي التواطؤ معه، وغضّ الطرف عن الأموال المهربة يعني تفريطاً في حقوق الشعب الفلسطيني وموارده. لذلك، فإن استعادة الأموال المنهوبة تمثل خطوة أولى نحو استعادة الثقة بالمؤسسات، وتأكيد أن سيادة القانون فوق الجميع، وأن زمن الإفلات من العقاب قد ولّى.
توصيات عملية لمكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة
من أجل ترجمة الإرادة السياسية إلى فعل ملموس، لا بد من اعتماد خطة وطنية متكاملة تشمل الخطوات التالية:
- تفعيل دور هيئة مكافحة الفساد ومنحها صلاحيات أوسع لملاحقة قضايا الفساد المالي داخل الوطن وخارجه دون قيود سياسية.
- التعاون مع “الإنتربول الدولي” لتتبع الأموال المهربة والأصول المسجلة بأسماء وسطاء وشركات وهمية.
- الانضمام الفعّال إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC) واستثمار بنودها الخاصة باستعادة الموجودات والأموال المنهوبة.
- التنسيق مع “مجموعة العمل المالي الدولية (FATF)” لضمان الشفافية في التحويلات المصرفية ورصد أي أنشطة مالية مشبوهة.
- إطلاق منصة وطنية رقمية للشفافية المالية تتيح للجمهور الاطلاع على تقارير الإنفاق العام وموازنات المؤسسات الرسمية.
إن مواجهة الفساد لا تتم بالشعارات، بل بإرادة سياسية جادة وأدوات رقابية فاعلة، تُعيد الاعتبار لمفهوم العدالة وتضع حداً لثقافة الحصانة. فالأوطان لا تُبنى بالسكوت على الفساد، بل بمحاسبة الفاسدين واستعادة ما نهبوه باسم الشعب والوطن.



