مقالات

الفلتر والبوتوكس والفيلر…حين إختفى الوجه،وضاعت الروح  بقلم حسين عبدالله جمعه

 بقلم حسين عبدالله جمعه

الفلتر والبوتوكس والفيلر…حين إختفى الوجه،وضاعت الروح
 بقلم حسين عبدالله جمعه
لم نعد نرى الوجوه كما كانت. صار البشر يتشابهون حدّ التطابق،وكأن ملامحهم صيغت في قالب واحد،واختُزلت في فيلر وفلترٍ رقميّ صمّمه عقل مهووس، فانطلقت السلسلة من بعده؛صورة تُقلَّد، وملامح تُستنسَخ، ووجوه تنسى حقيقتها كي تشبه ما يراه الآخرون جميلًا. صار الإنسان أسير صورة،لا روح فيها ولا صدق،يهرب من ذاته إلى شاشة باردة،ومن ملامحه الأصيلة إلى نسخة مُعدَّلة لا تشبهه ولا تُشبه أحدًا.
والأقسى من هذا التغيير الشكلي، هو ما غاب خلفه من صدق الداخل.لم تعد المشكلة فقط في لون العين أو شدّ تجاعيد الزمن، بل في شدّ القلب من جذوره،في إخفاء الروح خلف أقنعة افتراضية،في هروب الإنسان من فطرته، من ضعفه،من جماله البسيط.يا ليتهم يعلمون أنّ ما يحاولون الهروب منه هو أجمل ما فيهم، وأنّ الحقيقة بكل ما فيها من عيوب،أكثر دفئًا من أجمل فلتر.
لم يعد الفيلر والفلاتر تخص الوجه فقط؛ دخلت الأخلاق غرفة العناية،والأدب تحوّل إلى خيارٍ ثانوي،والعلاقات الإنسانية باتت متعبة، سريعة التلف…مثل القصص التي تختفي بعد أربعٍ وعشرين ساعة.بتنا نعيش بعقول مزدحمة وقلوب فارغة،نصادق صورًا لا وجوهًا، ونحبّ قلوبًا لا نعرف ما إذا كانت حقيقية أو مجرد ردّة فعل مؤقتة. تحوّلت الصداقة إلى إشعار، والحب إلى “إعجاب”، والذكرى إلى أرشيف يمكن حذفه بضغطة واحدة.
الأسر تفرّقت،البيوت امتلأت بالأجهزة وافتقرت إلى الحضور،والمجتمع صار يشبه طابورًا طويلًا من الأقنعة اللامعة.تغيّر الشكل، فتبعته الروح هربًا أو خجلًا،وصرنا نرتدي “فلتر الأخلاق” قبل أن نرتدي فلتر الصورة. أصبح الناس يخشون أن يظهروا كما هم، يخافون من عيون الآخرين أكثر مما يخافون من ضميرهم،حتى غدونا غرباء عن أنفسنا قبل أن نغدو غرباء عن بعضنا.
ومع ذلك، مهما أضفنا من رتوش وبوتوكس، ومهما شددنا الملامح وأخفينا التجاعيد، ستظل الحقيقة هناك…خلف الصورة، في ردة فعل مفاجئة،في كلمة غضب غير محسوبة، في بكاء طفل على صدر أمه، في نظرةٍ لا تعرف الكذب.فالتجميل قد يغيّر وجهك، لكنه لن يبدّل جذور نفسك،ولن يمحو الذاكرة التي تربّت فيها روحك.
قال فريدريك نيتشه:
“الإنسان الواثق من نفسه يستنطق الأرض بخطواته.”
لكن كيف للمرآة أن تستنطق من لا يعرف وجهه الحقيقي؟وكيف يُسمَع صوت من تاه بين المؤثرات،حتى نسي نبرة صوته الأصلية؟
إن أجمل ما يمكن أن يفعله الإنسان، وسط هذا الزحام من الوجوه المتشابهة، هو أن يختار أن يكون نفسه. أن يقف أمام المرآة بلا خوف، بلا تجميل، بلا قناع، ويقول: هذا أنا… بضعفي، بصدق ملامحي، بكل ما جرحني وكل ما جعلني أقوى. أن يبقى كما هو، حتى يعرف نفسه حين ينظر إليها، وحتى يتعرّف عليه من أحبّه يوم كان حيًّا، حقيقيًّا، بلا فيلر وبوتوكس وفلتر.
ولكن…،يا ليت قومي يعلمون.
حسين عبدالله جمعه
سعدنايل لبنان

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب