كتب

«القالوفة» سردية الهامش وحُرقة اللغة

«القالوفة» سردية الهامش وحُرقة اللغة

واسيني الأعرج

ليس عبد الباسط باني جديداً على الرواية، فقد انغمس في عالمها منذ أن اختار الكتابة كمكمل لمهنة المهندس المعماري التي اختارها وتكون فيها. المهندس الشاب الذي ذهب نحو عالم التخييل اللغوي كان يعرف جيداً أن بين هندسة المعمار وهندسة النص الروائي جسوراً كبيرة سيدها التخييل الإبداعي. فقد نشر عبد الباسط باني الكثير من النصوص الأدبية، الروائية تحديداً، التي لم تمر بصمت. فقد تحصلت غالبيتها على جوائز وطنية وعربية، ومتابعات نقدية مهمة أظهرت الموهبة والتمايز عند عبد الباسط باني الذي أصبح على رأس جيل إبداعي جديد، مميز، إشكالي، ومغامر أدبياً. هذا الاهتمام المتزايد بموهبته جعل منه اسماً مميزاً في الرواية الجزائرية. رواياته «مطلوعة» (خبز وحب)، «ولد نعيمة» (رسول العبث)، و»بلوطة»، وأخيراً «القالوفة»، وغيرها من النصوص القصصية والمسرحية خلقت سجالاً مهماً في الوسط الأدبي الجزائري. ولعل نصه الروائي الأخير «القالوفة» (عشرية عبد القادر صابونة) خير دليل على هذه السجالية، فقد تركت أثراً طيباً في معرض القاهرة للكتاب الأخير حيث أطلق عبد الباسط روايته من هناك في طبعتها المصرية.
من يقرأ «القالوفة» سيقول عنها حتماً: هل «مبارك اللعين» بشر من حديد ورماد، أم قنبلة موقوتة ستأكل الأخضر واليابس؟ الرواية كما أرادها الكاتب، عنيفة لدرجة البشاعة والرعب، لدرجة أن يتساءل القارئ: من أين للمرء بكل تلك الطاقة الإبادية المخزنة؟ الشيء المؤكد الوحيد هو أن هذا الخزان الذي بشبه برميل بارود قابل للاشتعال في أي ثانية، لم ينبع من عدم. عنف فردي يوازيه، كما تجسده الرواية، عنف المجتمع المتخفي تحت طبقات الزيف والكذب والرياء. يمكننا تصنيف هذا النص بسهولة ضمن نصوص الهامش التي تقول الحياة المرة في بدائيتها الأولى ودون تزييف، لا في رومانسيتها الوهمية المفترضة، في عالم ينهار كلياً ليحل محله التوحش والرعب. لنا في التجربة الروائية العالمية نماذج قريبة، مثل رواية «العطر» للكاتب الألماني بارتيك زوسكيند، التي يولد فيها [غرونوي] في سوق السمك العفنة، وفي «الخبز الحافي» التي يضرب فيها الأب ابنه [محمد] عرض الحائط حتى ينفجر رأسه ويسيح مخه لأنه أزعجه في نومه، وفي «أطفال منتصف الليل» لسلمان رشدي، وقصة [سليم] الذي ولد ليلة استقلال الهند، محملاً بالمواهب الخارقة وبالمسؤوليات، قبل أن يكتشف مأساة موهبته المتمركزة في سيلان أنفه، وغيرها من النصوص العالمية، مما يعطي لتجربة عبد الباسط باني اتساعاً أدبياً كبيراً. وعلى الرغم من تقاطعه مع نصه الأول «مطلوعة» إلا أن نص «قالوفة» يسجل بداية قطيعة معها وانفتاحاً أكثر على تجربة روائية غنية.
للعنف تاريخه وثقله، تصنعه المظالم والخيبات والإرهاب والهزائم الصغيرة التي تشبه الأقدار المسبقة، حتى اللغة لا تنجو منه، تحمل العنف ويحملها. بل تصبح وسيلته التعبيرية. اختار عبد الباسط مدينة «عين الدفلى» لتحريك النص داخلها. فقد كانت طعماً للإرهاب في العشرية السوداء، مدينة التآكل، والرطوبة، والعنف، والمجاري العفنة، والخوف وكثرة المساجد في ظل غياب كلي للتسامح. كانت المدينة المنهارة داخلياً هي وسيلته لقول عشرية الموت والرعب، حيث انهارت قيمة الإنسان كلياً. وسط العفونة الصارخة يظهر [مبارك] اللعين الذي لا يفعل شيئاً سوى أن يبعث للمجتمع صورته الحقيقية التي يحاول إخفاءها. مجتمع يشبهه في كل شيء، في الحياة المرهقة وفي الخيارات الأكثر شؤماً. ولادة مبارك المأسوية هي الجرح الخفي الذي يجره المجتمع وراءه، والختم الذي رسم بالنار على جلده. فقد ولد مبارك من صلب امرأة مومس [نعيمة الحراشي] التي جعلت من خواء الآخرين ووحشيتهم فرصتها للعيش. عندما أنجبته لم تفكر كثيراً، تخلصت منه بوضعه في كيس قمامة، عثر عليه كلب متشرد فأنقذه. صورة مقلوبة لقصة سيدنا موسى أو حتى لحي بن يقظان. لم يجد مبارك لا طيبة السيدة الفرعونية التي أخرجت سيدنا موسى من الماء، ولا دفء الظبية التي أرضعته كما في حي بن يقظان. كبر مبارك داخل التوحش في أحياء «طاق على من طاق» بلا أدنى رحمة. هو لا شيء في المدينة، والمدينة لا شيء بالنسبة له، مساحة عفنة يتبادل فيها الموت والحياة موقعيهما بلا تردد. كبر مبارك في شقة ضيقة بساق اصطناعية، تذكره في كل ثانية بمحاولة الانتحار الفاشلة. وجد في البداية عملاً كمنظف للحديقة في البلدية، مجتمع يشتهي أن يكون محاطاً بالزبالة من شدة ما تعود عليها. يكلف مبارك أحياناً بتعليق اللافتات. في داخله تكبر وتتنامى رواية حارقة هي مستخلص العنف والقمامة والروائح الكريهة، والصادية والعدمية والعبثية. جعل من المرأة عدوه الأول، بدءاً من أمه نعيمة التي أنجبنه من علاقة مشؤومة تركته يموت، بينما تعفنت هي بدورها داخل قبر. وكلما رأى امرأة في البلدية تركض للحصول على شهادة طلاق، رأى فيها شبح أمه والطفل الذي بين ذراعيها شبيهه الذي انتهى في القمامة. فينفجر البركان الذي ينام في داخله. فيكتب سرديته «القالوفة» التي هي خليط من الضغينة والصوفية والعدمية.

لم يكتف عبد الباسط باني برواية الشخصية الواحدة، ولكنه خلق بجانبها نماذج أخرى لا تعمل إلا على تأكيد القسوة المجتمعية. نجد مثلاً [عبد القادر صابونة] الإرهابي الذي كان مسخرة لأصحابه بسبب الكلبة التي كادت تنزع عضوه بعضة حادة. أصبح فجأة رئيس بلدية يتحكم في أنفاس الناس. رمز الجريمة والفساد الذي تربطه علاقة صادية بمبارك، علاقة يتجلى فيها العنف الذي كلما نزلنا نحو القاع وجدنا طبقة أخرى جديدة من تحت. شخصية أخرى لها حضور ملحوظ في الرواية: [الملياني] المجنون، الذي ينبش القبور وهو من جاءه بأسنان أمه نعيمة قبل دفنها، ليحفظها بوصفها ميراث امرأة لم تتردد في وضعه في كيس زبالة ولولا رحمة الكلب لانتهى هناك.

تتقاطع في هذه «القالوفة» معضلات الزمن القاسي، سير ضحايا الإرهاب الذين دفعوا الثمن غالياً أو كانوا وراء جرائم بشعة، مع سيرة مدينة جريحة ومشوهة. تشبه سكانها وذاكرتها القاسية، حيث الناجي من المحنة ليس هو الأذكى والأقوى ولكنه فقط الأقدر على التحمل والتلاؤم مع ما أفرزته المدينة من قذارات وعدمية. «القالوفة» هي في النهاية صرخة طفل لم يكبر إلا قليلاً، يكتب تاريخه بنفس السكين التي جُرح بها. صرخة شخصٍ يؤمن أن العالم مقبرة تفتح فمها مثل الجائع دوماً، وأن الناجين بصدفة الأقدار ليسوا إلا أشباحًا متآكلة تعلمت كيف تمشي دون أن تصرخ. و[مبارك] الذي اختار له الروائي صفة [اللعين] وجد في النهاية ضالته التعبيرية في الكتابة، في مقبرة اللغة، حيث يستطيع أن يدفن آلامه وجرحه وسرديته التي لا تهم أحداً غيره. فهو لا يريد شيئاً من حياة خسرها منذ الثانية الأولى من حياته. لم يعد يأمل في شيء ولا في الكذبة الكبرى التي اسمها المجتمع. يكتب ليجر العالم نحو الحفرة التي خرج منها ويذيقه من أوساخها وعفنها، ليرى هذا العالم الكاذب وجهه الحقيقي، والعنف الساكن فيه، وطبقات الزيف والسادية والجريمة التي تلفه وتحيط به في شكل زنار حارق بألوان النار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب