الافتتاحيهرئيسي

«القانون الدولي في زمن القوة الغاشمة… والقضية الفلسطينية نموذجاً»

«القانون الدولي في زمن القوة الغاشمة… والقضية الفلسطينية نموذجاً»

بقلم رئيس التحرير

حين يضعف صوت القانون، وتعلو لغة الوقائع المفروضة، تتحول الشرعية إلى مسألة تفسيرٍ انتقائي، ويغدو ميزان القوة بديلاً عن ميزان العدالة. في هذا السياق، لا تبدو القضية الفلسطينية مجرد نزاعٍ إقليمي ممتد، بل تمثل الاختبار الأعمق لصدقية النظام الدولي، ولمدى التزامه بمبادئه المعلنة، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها.

 

لقد أُسس النظام الدولي المعاصر، عقب الحرب العالمية الثانية، على قاعدة جوهرية نصّ عليها الأمم المتحدة في ميثاقها، وهي احترام مبدأ المساواة في السيادة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ولم يكن هذا المبدأ شعاراً أخلاقياً فحسب، بل قاعدة قانونية كرّستها قرارات الجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية، وأصبحت جزءاً من القانون الدولي الآمر.

حق تقرير المصير… من النص إلى الواقع ،  اذ يُعدّ حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني حقاً ثابتاً بموجب قرارات الشرعية الدولية، بدءاً من قرار التقسيم عام 1947، مروراً بعشرات القرارات التي أكدت عدم مشروعية الاستيطان وضم الأراضي بالقوة، وصولاً إلى التأكيد المتكرر على ضرورة إنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

غير أن الفجوة بين النص والتطبيق تكبر عاماً بعد عام. فالاستيطان يتوسع، ووقائع الضم الزاحف تتكثف، والقدس تُعاد هندستها ديمغرافياً وجغرافياً، فيما تتراجع فعالية الأدوات الدولية أمام منطق القوة وفرض الأمر الواقع.

هنا يتجسد السؤال الجوهري: إذا كان حق تقرير المصير قاعدة مستقرة في القانون الدولي، فلماذا يُصبح تطبيقه رهناً بموازين القوى السياسية؟

إن استمرار الاحتلال، وتوسيع المستوطنات، وفرض الوقائع الأحادية، كلها تشكل تحدياً مباشراً لمنظومة القانون الدولي، الذي يحظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن الجدار عام 2004 عدم قانونية الإجراءات التي تغيّر الطابع الديمغرافي للأرض المحتلة، ودعت إلى احترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

إلا أن غياب آليات إلزام فعّالة، واستمرار الحماية السياسية لبعض الانتهاكات، جعلا من القانون الدولي إطاراً معيارياً بلا أدوات تنفيذ كافية. وهنا تتبدى الأزمة الحقيقية: ليست أزمة نصوص، بل أزمة إرادة دولية في تطبيقها على قدم المساواة.

في ظل سياسة ازدواجية المعايير وتآكل الثقة ، حين تُفعَّل منظومة العقوبات الدولية في نزاعات معينة، بينما يُتغاضى عن انتهاكات موثقة في حالات أخرى، تتآكل الثقة بعدالة النظام الدولي. فالمعيار الواحد يجب أن يُطبق على الجميع، وإلا تحوّل القانون إلى أداة سياسية تُستخدم حين تخدم المصالح، وتُهمّش حين تتعارض معها.

إن أخطر ما يواجه القضية الفلسطينية اليوم ليس فقط استمرار الاحتلال، بل تراجع مركزية القانون الدولي في الخطاب السياسي العالمي، وصعود مقاربات ترى في «الأمن» أو «الواقع القائم» مبرراً لتجاوز الحقوق التاريخية والقانونية للشعوب.

حق تقرير المصير ليس منحةً تُعطى، ولا امتيازاً يُفاوض عليه، بل حق أصيل غير قابل للتصرف. وقد أكدت ذلك قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي اعتبرت الشعب الفلسطيني شعباً خاضعاً للاحتلال وله الحق في الاستقلال والسيادة.

إن اختزال هذا الحق في ترتيبات اقتصادية مؤقتة، أو في إدارة مدنية محدودة الصلاحيات، يُفرغ المبدأ من مضمونه القانوني، ويحوّله إلى صيغة إدارية لا ترقى إلى مستوى الدولة ذات السيادة الكاملة.

ويبقى السؤال ؟؟ بين القوة والشرعية  … أي مستقبل ينتظر الفلسطينيين ؟ العالم اليوم يقف عند مفترق طرق:

إما أن يستعيد القانون الدولي مكانته كمرجعية ضابطة للعلاقات الدولية، بما يضمن إنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه في تقرير مصيره وفق قرارات الشرعية الدولية؛

أو أن يتكرس واقعٌ تُعاد فيه صياغة القواعد وفق موازين القوة، بما يفتح الباب أمام شرعنة الوقائع الأحادية في مناطق نزاع أخرى.

القضية الفلسطينية ليست اختباراً للشعب الفلسطيني وحده، بل امتحان لضمير المجتمع الدولي، ولمدى التزامه بالمبادئ التي قام عليها بعد الحرب العالمية الثانية.

وخلاصة القول في زمن القوة الغاشمة، يبقى الرهان على صمود الحق القانوني، وعلى وعي المجتمع الدولي بأن الاستقرار لا يتحقق بفرض الوقائع، بل بإرساء العدالة. فالقانون الدولي لم يُنشأ ليكون أداة انتقائية، بل ليكون ضمانةً للشعوب الضعيفة قبل القوية.

ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ستنتصر الشرعية لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، أم سيُعاد تعريف الشرعية وفق ميزان القوة؟ ان الجواب عن هذا السؤال لا يحدد مستقبل فلسطين فحسب، بل ملامح النظام الدولي بأسره.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب