القرن الأفريقي على صفيح ساخن: صوماليلاند بين الاعتراف وصراع النفوذ

القرن الأفريقي على صفيح ساخن: صوماليلاند بين الاعتراف وصراع النفوذ
يواجه الإقليم اليوم بيئة دبلوماسية أكثر تعقيدًا، في ظل تصاعد العداء من الحكومة الصومالية وعدد كبير من القوى الإقليمية، ما قد يفضي إلى مزيد من العزلة أو الضغوط السياسية والاقتصادية…
لفهم السعي المعاصر لإقليم صوماليلاند نحو الاعتراف الدولي، لا بد من العودة إلى الجذور الاستعمارية التي تشكّل في إطارها الفضاء الصومالي الحديث، إذ لم تنشأ الصومال ككيان تاريخي موحّد، بل كتركيب قسري فرضته القوى الاستعمارية الأوروبية أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. خضع الشمال الصومالي لإدارة بريطانية عُرفت بـ”صوماليلاند البريطانية”، في حين خضع الجنوب لإدارة إيطالية ضمن “الصومال الإيطالي”، بينما جرى اقتطاع أقاليم صومالية أخرى وإلحاقها بإثيوبيا (إقليم الأوغادين)، وكينيا (الإقليم الحدودي الشمالي)، وجيبوتي (الصومال الفرنسي). ولم تكن صوماليلاند البريطانية والصومال الإيطالي كيانين متكاملين، بل إدارتين منفصلتين تمامًا، تحكمهما أنظمة قانونية مختلفة، وثقافات إدارية متباينة، ونماذج اقتصادية غير متجانسة. والأهم أن صوماليلاند البريطانية نالت استقلالها أولًا في 26 حزيران/يونيو 1960، وحصلت حينها على اعتراف دولي واسع من أكثر من ثلاثين دولة بوصفها دولة ذات سيادة، قبل أن ينال الصومال الإيطالي استقلاله في 1 تموز/يوليو من العام نفسه، ليتم لاحقًا توحيد الكيانين في إطار الجمهورية الصومالية. غير أن هذا الاتحاد لم يكن ثمرة تسوية مؤسسية مدروسة، بل جاء كتعبير سياسي طموح عن القومية الصومالية العابرة للأقاليم، من دون إرساء ترتيبات دستورية ملزمة، أو ضمانات فعلية لتقاسم السلطة، أو آليات تحمي التوازن بين الشمال والجنوب. ومنذ لحظة التأسيس، اتسم هذا الاتحاد باختلال بنيوي واضح، تمثّل في تركز السلطة السياسية والعسكرية والاقتصادية في مقديشو، ما زرع بذور التهميش والانقسام التي ستنفجر لاحقًا في مسار العلاقة بين الصومال وأرض الصومال.
ما بعد الاستقلال
شهدت الدولة الصومالية بعد الاستقلال مسارًا متسارعًا نحو المركزية الشديدة، حيث تركزت السلطة السياسية والعسكرية والإدارية في العاصمة مقديشو، على حساب الأقاليم الطرفية، ولا سيما في الشمال. ومع انقلاب عام 1969 وصعود نظام سياد بري العسكري، دخلت البلاد مرحلة أكثر قسوة من الحكم السلطوي، اتسمت بتغوّل الأجهزة الأمنية، وتسييس الهوية القبلية، وتصاعد القمع الممنهج، الذي طال بصورة خاصة المجتمعات الشمالية. وقد تعرّضت قبائل أرض الصومال، وعلى رأسها قبيلة الإسحاق، لسياسات تهميش وإقصاء ممنهجة، انتهت في أواخر ثمانينيات القرن الماضي إلى واحدة من أعنف حملات العنف في تاريخ الدولة الصومالية. ففي المدة بين عامي 1987 و1989، شنّ النظام حملة عسكرية واسعة النطاق على مدن الشمال، حيث تعرّضت هرجيسا وبُرعو لقصف جوي مباشر من سلاح الجو الصومالي، قُتل خلاله عشرات الآلاف من المدنيين، واضطر مئات الآلاف إلى الفرار نحو إثيوبيا، في مشهد أعاد تشكيل الوعي السياسي والاجتماعي في صوماليلاند على نحو جذري. ولم يكن انهيار الدولة الصومالية عام 1991 مجرد تفكك إداري لكيان قائم، بل مثّل نهاية فعلية لتجربة وحدة فشلت سياسيًا وأفرغت من أي مضمون تعاقدي جامع. وفي هذا السياق، أعلن قادة صوماليلاند في أيار/مايو 1991 استعادة سيادة صوماليلاند البريطانية السابقة، مؤكدين أن ما جرى لم يكن تأسيسًا لكيان جديد، بل إعادة تفعيل لدولة كانت قائمة ومعترفًا بها دوليًا قبل الاتحاد، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة مع الصومال على أساس القطيعة مع إرث العنف والتهميش، لا على أساس الانفصال الاعتباطي.
استقرار وظيفي وعزلة قانونية
الواقع أنه منذ عام 1991، تمكّنت صوماليلاند من بناء نموذج سياسي وأمني يُصنَّف ضمن أكثر التجارب استقرارًا في القرن الأفريقي، رغم غياب أي اعتراف دولي رسمي بسيادتها على الإطلاق؛ فعلى خلاف المسارات التفككية التي عرفتها الدولة الصومالية في الجنوب مثلًا والنزاعات في جيبوتي وأثيوبيا، نجح الإقليم في إنشاء مؤسسات حكم فاعلة تؤدي وظائف الدولة الأساسية الكلاسيكية، من إدارة مدنية وأجهزة أمنية وقضائية، إلى تنظيم انتخابات دورية أفضت إلى تداول نسبي للسلطة. ويستند هذا النموذج إلى نظام سياسي هجين يجمع بين الهياكل الدستورية الحديثة وآليات التوافق العشائري التقليدي، وهو ما أتاح احتواء الصراعات المحلية، ومنع الانزلاق إلى العنف واسع النطاق، وترسيخ شرعية داخلية قائمة على الإجماع الاجتماعي أكثر من اعتمادها على القوة القسرية. أمنيًا، حافظت صوماليلاند على مستوى من الاستقرار والسلم الأهلي لا يقارن بما شهدته مناطق الجنوب، حيث غابت الجماعات الجهادية الكبرى عن المشهد الداخلي، وبقيت الحدود الداخلية تحت سيطرة سلطات محلية موحّدة نسبيًا. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الأداء الوظيفي الذي يقترب من معايير الدولة المكتملة، لا تزال صوماليلاند محصورة في خانة الدولة غير المعترف بها، أي كيان يمارس السيادة فعليًا دون أن يحظى بالشرعية القانونية الدولية.
لا ينبع هذا الموقف من تشكيك دولي في كفاءة الحكم أو في القبول الشعبي، بقدر ما يعكس حذرًا جيوسياسيًا عميقًا داخل النظام الدولي، يقوم على الخوف من كسر مبدأ الحدود الموروثة عن الاستعمار، ومن فتح سوابق قد تشجع حركات انفصالية أخرى، أو تقوّض مشروع إعادة بناء الدولة الصومالية المعترف بها دوليًا. وبهذا المعنى، تتحول صوماليلاند إلى مثال واضح على الفجوة بين الشرعية الواقعية التي تنتجها القدرة على الحكم والاستقرار، والشرعية القانونية التي يحددها ميزان المصالح والاعتبارات السياسية في النظام الدولي.
إسرائيل تسجّل أول اعتراف رسمي
في 26 كانون الأول/ديسمبر 2025، أعلنت إسرائيل اعترافها الرسمي بـ”جمهورية أرض الصومال/صوماليلاند” دولةً مستقلة ذات سيادة، ووقّعت إعلانًا مشتركًا مع رئيس الإقليم، في خطوة مثّلت تحوّلًا غير مسبوق في مسار قضية ظلت معلّقة لأكثر من ثلاثة عقود؛ وبذلك أصبحت إسرائيل أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذا الاعتراف منذ إعلان صوماليلاند انفصالها عن الصومال عام 1991. لا تكمن أهمية هذه الخطوة في بعدها الثنائي فحسب، بل في كونها كسرت أحد أكثر المحرّمات رسوخًا في النظام الدولي والأفريقي، والمتعلق بعدم الاعتراف بأي كيان منبثق عن تفكك الدول الأفريقية القائمة، وفتحت بابًا واسعًا لتداعيات سياسية وأمنية إقليمية ودولية متشابكة.
رفض أفريقي وعربي وإسلامي
جاءت أولى ردود الفعل من مقديشو، حيث أدانت الحكومة الصومالية الاعتراف الإسرائيلي بوصفه انتهاكًا صارخًا لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، وذهبت إلى توصيفه بأنه اعتداء مكشوف على الدولة الصومالية ومحاولة لتكريس واقع انفصالي بالقوة السياسية. ولم تكتفِ السلطات التنفيذية بالإدانة، بل صعّد البرلمان الصومالي الموقف عبر إصدار قرار يعتبر الاعتراف لاغيًا وباطلًا، ويفوّض الحكومة باتخاذ خطوات دبلوماسية وقانونية في الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، والجامعة العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، بهدف تطويق الخطوة الإسرائيلية ومنع تحوّلها إلى سابقة دولية.
وعلى المستوى العربي والإسلامي، تبلور موقف رافض شبه إجماعي، حيث أصدرت دول عربية وإسلامية وازنة، من بينها السعودية ومصر والأردن وقطر وتركيا وإيران والكويت والعراق وفلسطين وجيبوتي والسودان وتونس، إلى جانب منظمة التعاون الإسلامي، بيانات متتالية ترفض الاعتراف الإسرائيلي وتؤكد دعمها لوحدة الأراضي الصومالية. وذهبت هذه المواقف إلى أبعد من التضامن السياسي، إذ وصفت الخطوة الإسرائيلية بأنها مخالفة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وحذّرت من أنها تفتح الباب أمام سوابق انفصالية تهدد الاستقرار في مناطق متعددة من العالم العربي والإسلامي وأفريقيا.
أما الإمارات والبحرين والمغرب فقد غابت عن إدانة هذا الاعتراف، لكونها أقرب إلى تل أبيب سياسيًا ودبلوماسيًا ولوجود مصالح للإمارات مثلًا في البحر الأحمر ومنطقة باب المندب، الأمر الذي يمنعها من إدانة الاعتراف بكيان انفصالي.
أما أفريقيًا، فقد انسجم موقف الاتحاد الأفريقي ومنظمة “إيغاد” مع هذا الرفض، معتبرين أن الاعتراف الإسرائيلي من شأنه زعزعة التوازن الهش في القرن الأفريقي، وتقويض الجهود الرامية إلى إعادة بناء الدولة الصومالية، وتهديد الأمن الجماعي في واحدة من أكثر مناطق القارة حساسية. وفي هذا السياق، لم يظل الخلاف في إطاره الإقليمي، بل انتقل إلى الساحة الدولية، حيث عُقدت جلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي بطلب من الصومال، لمناقشة التداعيات القانونية والسياسية للاعتراف، وما يطرحه من إشكاليات تتعلق بمبدأ السيادة وسلامة الأراضي.
تداعيات إقليمية وأمنية
على المستوى الإقليمي، ينذر الاعتراف الإسرائيلي بتصعيد التوترات في القرن الأفريقي، حيث يعيد فتح ملفات حدودية وسيادية لم تُحسم منذ انهيار الدولة الصومالية؛ فالخطوة الإسرائيلية لا تعمّق القطيعة بين مقديشو وهرجيسا فحسب، بل تضع الدول المجاورة، المنخرطة في معادلات الاستقرار الإقليمي، أمام واقع جديد يهدد بإعادة ترتيب التحالفات وإشعال تنافس جيوسياسي إضافي في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية مزمنة.
ويزداد المشهد تعقيدًا مع دخول الفاعلين من غير الدول على الخط، إذ سارعت جماعات إسلامية مسلحة، وعلى رأسها حركة الشباب، إلى التهديد بمواجهة أي وجود أو نشاط إسرائيلي محتمل على أراضي أرض الصومال، معتبرة الاعتراف مبررًا لتوسيع دائرة الصراع. ويثير ذلك مخاوف جدية من تصاعد العمليات المسلحة، وامتداد رقعة العنف إلى مناطق كانت حتى وقت قريب بمنأى عن الاستهداف المباشر، ما قد يقوّض الاستقرار النسبي الذي حافظت عليه صوماليلاند لسنوات طويلة.
في الوقت ذاته، لا يمكن فصل الاعتراف عن الحسابات الاستراتيجية الأوسع في البحر الأحمر. فموقع صوماليلاند المحاذي لمضيق باب المندب، والمقابل للسواحل اليمنية ومناطق نفوذ الحوثيين، يمنحها أهمية استثنائية في معادلات التجارة العالمية والأمن البحري. ورغم تأكيد إسرائيل أن اعترافها يندرج في إطار التعاون الدبلوماسي والاقتصادي، فإن العديد من المحللين يرون في الخطوة بعدًا أمنيًا غير معلن، يرتبط بالسعي إلى تعزيز الحضور الإسرائيلي في محيط البحر الأحمر، وموازنة نفوذ أطراف إقليمية معادية، وفي مقدمتها إيران وحلفاؤها في اليمن. وبهذا المعنى، يتحول الاعتراف بإقليم غير معترف به دوليًا إلى أداة ضمن صراع أوسع على الممرات البحرية والنفوذ الاستراتيجي، بما يتجاوز بكثير حدود العلاقة الثنائية بين إسرائيل وأرض الصومال.
الانعكاسات السياسية الإقليمية
من ناحية ديناميات اتفاقيات أبراهام وحدودها السياسية، سعت إسرائيل إلى تأطير اعترافها بصوماليلاند ضمن روح اتفاقيات أبراهام، التي أرست منذ عام 2020 مسارًا جديدًا لتطبيع العلاقات مع عدد من الدول العربية، قائمًا على البراغماتية السياسية وتغليب المصالح الأمنية والاقتصادية على الصراعات التقليدية. غير أن هذا التأطير كشف في الواقع عن حدود تلك الاتفاقيات أكثر مما أكد تماسكها؛ إذ لم يحظَ الاعتراف بإجماع بين الدول المنخرطة في مسار التطبيع. فقد امتنعت دول عن تبني الخطوة أو الدفاع عنها، بينما برز موقف دولة الإمارات العربية المتحدة على وجه الخصوص باعتباره موقفًا رماديًا: فهي لم تنضم إلى موجة الإدانة العربية الواسعة، لكنها في الوقت نفسه تجنبت تأييد الاعتراف أو تحويله إلى موقف سياسي معلن. ويعكس هذا السلوك تباينات دقيقة داخل معسكر “أبراهام”، حيث تختلف حسابات الدول المطبّعة تجاه قضايا السيادة والانفصال، وحيث لا يعني التطبيع بالضرورة تبنّي كل الخيارات الإسرائيلية أو توفير غطاء سياسي لها في ملفات حساسة تمس النظام الإقليمي العربي والأفريقي.
أما على مستوى القضية الفلسطينية وإعادة إنتاج الشكوك الإقليمية على مستوى الإدراك السياسي العربي، فقد ارتبط الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند مباشرة بالقضية الفلسطينية، إذ رأت دول عربية والسلطة الفلسطينية في الخطوة محاولة لتقويض الأعراف الدولية التي تستند إليها المطالب الفلسطينية، ولا سيما مبدأ عدم جواز تغيير الوضع القانوني للأراضي بالقوة أو الاعتراف بالأمر الواقع دون تسوية سياسية شاملة. ودعت هذه الأطراف إسرائيل إلى التركيز على معالجة جوهر الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي بدل الانخراط في مبادرات دبلوماسية جانبية تُنظر إليها بوصفها التفافًا سياسيًا على الأزمات الأساسية في المنطقة. وذهبت بعض التصريحات أبعد من ذلك، متهمة إسرائيل بالسعي إلى تشتيت الانتباه الدولي عن سياساتها في الأراضي الفلسطينية عبر فتح ملفات جديدة في أفريقيا والبحر الأحمر، لا سيما بعد رغبة تل أبيب بتطويق المشروع الحوثي وبناء قواعد في صوماليلاند تسمح لها بردع الهيمنة الحوثية على مضيق باب المندب ومهاجمتها المصالح الإسرائيلية في المنطقة، بما يعيد إنتاج صورة إسرائيل كفاعل انتقائي في احترام القانون الدولي، يطالب بتطبيقه حين يخدم مصالحه ويتجاوزه حين يتعارض معها.
إشكالية السيادة وسوابق الانفصال
بالنسبة لسلامة الأراضي في مواجهة حق تقرير المصير، فقد أعاد الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند إحياء التوتر الكامن في القانون الدولي بين مبدأين متعارضين ظاهريًا: حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومبدأ سلامة الأراضي والسيادة الوطنية للدول القائمة. فالغالبية الساحقة من الدول والمنظمات الدولية لا تزال تعتبر صوماليلاند جزءًا لا يتجزأ من جمهورية الصومال، وترى أن أي اعتراف أحادي الجانب بكيان منفصل يقوّض الأسس القانونية التي يقوم عليها النظام الدولي، كما ينتهك روح ميثاق الأمم المتحدة الذي يمنح أولوية واضحة للحفاظ على وحدة الدول المعترف بها. ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى الاعتراف الإسرائيلي بوصفه مجرد موقف سياسي ثنائي، بل كخطوة تفتح أسئلة قانونية معقّدة حول معايير الاعتراف، خصوصًا في الحالات التي يستمر فيها كيان بحكم الأمر الواقع لعقود ويمارس وظائف الدولة دون انهيار داخلي.
أما على مستوى هاجس السوابق وتفكك النظام الدولي، فتخشى الدول التي سارعت إلى إدانة الخطوة الإسرائيلية من أن يشكل هذا الاعتراف سابقة خطيرة قد تشجع حركات انفصالية أخرى حول العالم على السعي إلى اعترافات أحادية من قوى دولية أو إقليمية، ما يهدد بإضعاف مبدأ الحدود الموروثة، ويزيد من احتمالات التفكك والصراعات الداخلية. وفي هذا السياق، لا تُقاس خطورة الاعتراف بما يعنيه لصوماليلاند وحدها، بل بما قد يفتحه من مسارات قانونية وسياسية غير منضبطة في مناطق تعاني أصلًا من هشاشة الدولة وتعدد الهويات المتنازعة. وبهذا المعنى، يتحول الاعتراف الإسرائيلي إلى اختبار حاد لقدرة النظام الدولي على التوفيق بين الواقع السياسي على الأرض، ومبادئ الاستقرار والسيادة التي قام عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
التداعيات على صوماليلاند نفسها
على مستوى الإقليم ذاته، يحمل الاعتراف الإسرائيلي مزيجًا معقّدًا من الفرص والمخاطر؛ فمن ناحية، ترى قيادة صوماليلاند في الخطوة اختراقًا دبلوماسيًا تاريخيًا، يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق نحو كسر جدار العزلة الدولية، ويفتح الباب أمام اعترافات إضافية من دول أخرى، أو على الأقل أمام توسيع نطاق التعامل الرسمي معها. كما تعوّل هرجيسا على أن يسهم هذا الاعتراف في جذب استثمارات أجنبية، وتسهيل الحصول على قروض ومساعدات، وبناء شراكات سياسية واقتصادية أكثر رسوخًا، تعزز من قدرة الإقليم على ترسيخ مؤسساته وتحقيق تنمية مستدامة. اقتصاديًا، أشارت كل من إسرائيل وصوماليلاند إلى نوايا للتعاون في مجالات الزراعة، والصحة، والتكنولوجيا، والتجارة، وهي قطاعات حيوية لإقليم يعاني من محدودية الموارد ويعتمد بدرجة كبيرة على التحويلات الخارجية. ويُنظر إلى هذا التعاون المحتمل بوصفه محاولة لتحويل الاعتراف السياسي إلى مكاسب عملية، تعزز من شرعية الدولة الواقعية على الأرض.
غير أن هذه المكاسب المحتملة تقابلها مخاطر جسيمة؛ إذ يواجه الإقليم اليوم بيئة دبلوماسية أكثر تعقيدًا، في ظل تصاعد العداء من الحكومة الصومالية وعدد كبير من القوى الإقليمية، ما قد يفضي إلى مزيد من العزلة أو الضغوط السياسية والاقتصادية. كما أن التهديدات الأمنية تمثل تحديًا لا يقل خطورة، في ظل توعّد جماعات مسلحة، وارتفاع احتمالات استخدام صوماليلاند كساحة صراع بالوكالة بين أطراف إقليمية ودولية. وفي هذا الإطار، يصبح الاستقرار النسبي الذي حافظ عليه الإقليم منذ عام 1991 عرضة للاهتزاز، إذا ما تحوّل الاعتراف من فرصة دبلوماسية إلى عبء أمني وجيوسياسي يفوق قدرة مؤسسات الدولة الناشئة على احتوائه.




