القطاع الصحي الفلسطيني على حافة الخطر: بين أزمة المقاصة وغياب الرؤية الاستراتيجية

القطاع الصحي الفلسطيني على حافة الخطر: بين أزمة المقاصة وغياب الرؤية الاستراتيجية
اعداد وتقرير صحيفة صوت العروبة
تشهد المنظومة الصحية الفلسطينية واحدة من أخطر أزماتها المالية، في ظل تحذيرات متصاعدة أطلقها اتحاد المستشفيات الأهلية والخاصة بشأن تعثر قدرة المستشفيات على الاستمرار في تقديم خدماتها. هذه الأزمة لم تعد مسألة قطاعية معزولة، بل تحولت إلى مؤشر مقلق على اختلالات أعمق في البنية المالية والسياسات العامة.
أزمة مالية تتجاوز القطاع الصحي
تشير الوقائع إلى أن الأزمة الراهنة تعود في جذورها إلى تذبذب الإيرادات العامة، وعلى رأسها أموال المقاصة التي تتحكم بها إسرائيل، والتي تشكل العمود الفقري للإيرادات الحكومية الفلسطينية. هذا الواقع أدى إلى عجز متكرر في الوفاء بالالتزامات المالية، وفي مقدمتها مستحقات المستشفيات الأهلية والخاصة، ما تسبب في تراكم ديون أثقلت كاهل القطاع الصحي.
وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على قدرة المستشفيات في توفير الأدوية والمستلزمات الطبية، فضلًا عن بلوغ سقوف الاقتراض حدودًا غير مسبوقة، الأمر الذي يهدد بتقليص الخدمات الصحية أو توقف بعضها، وهو ما بدأت ملامحه تظهر في عدد من المؤسسات الطبية.
إدارة الأزمة أم إعادة إنتاجها؟
بالعودة إلى تجارب سابقة، شهدت فترة حكومة رامي الحمد الله محاولات لمعالجة تراكم الديون، حيث جرى العمل على تسديد جزء من المستحقات المتأخرة، ما ساهم مؤقتًا في تخفيف حدة الأزمة.
غير أن تلك الجهود، رغم أهميتها، لم تُستكمل ضمن إطار رؤية استراتيجية مستدامة من قبل الحكومات المتعاقبة، الأمر الذي أدى إلى عودة الأزمة بشكل أكثر تعقيدًا مع استمرار العوامل البنيوية ذاتها، وفي مقدمتها غياب التخطيط المالي طويل الأمد.
قانون الضمان الاجتماعي… جدل بلا حسم
في سياق السياسات الاجتماعية، برز قانون الضمان الاجتماعي كأحد الملفات التي أثارت نقاشًا واسعًا، حيث كان يُفترض أن يشكل رافعة لتعزيز الحماية الاجتماعية، إلا أن التطبيق واجه تحديات تتعلق بمستوى الثقة، والشفافية، وآليات الإدارة.
هذا الجدل يعكس فجوة بين السياسات المعلنة والقدرة على تنفيذها ضمن منظومة متكاملة، قادرة على دعم القطاعات الحيوية، وعلى رأسها القطاع الصحي.
تضارب المصالح وضعف الحوكمة
لا يمكن فصل الأزمة الحالية عن إشكاليات الحوكمة، حيث يبرز في بعض الحالات تداخل بين المصالح الاقتصادية ومراكز صنع القرار، بما يؤثر على كفاءة إدارة الموارد وتحديد الأولويات.
كما أن ضعف الرقابة المؤسسية وغياب المساءلة الفاعلة ساهما في تفاقم الاختلالات، ما أدى إلى بيئة إدارية غير قادرة على الاستجابة الفعالة للأزمات المتلاحقة.
تداعيات تتجاوز البعد الصحي
إن استمرار الأزمة في القطاع الصحي يحمل تداعيات تتجاوز حدود الخدمات الطبية، ليطال:
الاستقرار الاجتماعي في ظل تراجع الخدمات الأساسية
الثقة بالمؤسسات العامة
البيئة الاقتصادية والاستثمارية
كما أن تراجع هذا القطاع الحيوي قد يفتح الباب أمام مزيد من الضغوط السياسية، في ظل واقع إقليمي ودولي معقد.
نحو مقاربة شاملة للإصلاح
في ضوء ما تقدم، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربة شاملة تقوم على:
إصلاح السياسات المالية وتعزيز الاستقرار النقدي
تقليل الاعتماد على أموال المقاصة
إعادة تنظيم العلاقة بين القطاعين العام والخاص في المجال الصحي
تعزيز الشفافية والحوكمة ومنع تضارب المصالح
ربط السياسات الاجتماعية، بما فيها الضمان الاجتماعي، برؤية تنموية متكاملة
ونخلص للقول إن الأزمة التي يمر بها القطاع الصحي الفلسطيني ليست مجرد أزمة مالية طارئة، بل تعبير عن خلل هيكلي يتطلب مراجعة شاملة للسياسات العامة. وفي ظل التحديات السياسية والاقتصادية القائمة، فإن بناء نموذج وطني قادر على الصمود لم يعد خيارًا، بل ضرورة ملحّة.
فالقطاع الصحي يمثل ركيزة أساسية للاستقرار المجتمعي، وأي تراجع فيه ينعكس مباشرة على مجمل الواقع الفلسطيني، ما يستدعي تحركًا عاجلًا ومسؤولًا لتدارك المخاطر قبل أن تتفاقم.




