مقالات
القمة العربية الرقم 34 في بغداد في زمن عربي رديء بفلم أ. د. محمد مراد
بفلم أ. د. محمد مراد -المنبر الثقافي العربي والدولي -
القمة العربية الرقم 34 في بغداد في زمن عربي رديء
أ. د. محمد مراد
باحث في التاريخ السياسي
وفّرت تطورات الحرب العالمية الثانية (1939 – 1945) ، مناخا مؤاتيا لظهور أفكار وطروحات ومشاريع وحدوية، من قبل قوى متعددة فكرية وسياسية وأنتلجنسيا مدينية في القاهرة، وبغداد، ودمشق، وبيروت، وصنعاء وغيرها من عواصم ومدن الأقطار العربية الأخرى، لا سيّما تلك التي كانت تتمتع بدرجة من الاستقلال السياسي والسيادة الوطنية. فقد وجدت هذه القوى في التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة على غير جبهة من جبهات الحرب الدائرة، أنّ ثمّة فرصة باتت سانحة لتحقيق درجة من الاتحاد بين مجموعة الأقطار العربية المستقلة آنذاك، تستطيع معه هذه الأقطار أن تشكّل كتلة إقليمية عربية تقوم على التعاون والتكامل في الاقتصاد والأمن والثقافة والسياسة الخارجية، الأمر الذي يسهم في تدعيم الاستقلال الوطني لهذه الدول من جهة، ويساعد الأقطار الأخرى التي كانت لا تزال تحت الحكم الأجنبي، على إنجاز استقلالها من جهة أخرى.
بعد مشاورات ومباحثات طويلة بين ممثلي ومندوبي الأطراف العربية، خرجت جامعة الدول العربية الى النور إثر مؤتمر القاهرة الذي عقد في مطلع شهر آذار (مارس) 1945، والذي ضمّ سبع دول مؤسّسة هي: مصر، العراق، سوريا، المملكة العربية السعودية، لبنان، الأردن واليمن. وفي الثاني والعشرين من الشهر المذكور أعلن ميثاق الجامعة الذي نصّ على جملة من الأغراض والأهداف المشتركة، هذه أبرزها:
1 – صيانة استقلال الدول العربية من الأطماع العدوانية والاستعمارية.
2 – المحافظة على الأمن القومي العربي بمنع الحروب البينية، أي بين الأقطار العربية، ونشر لواء الوئام والسلام والتفاهم بينها.
3 – تحقيق التعاون وتنسيق الخطط في المجالات السياسية، ومساعدة الأقطار الأخرى التي مازالت ترزح تحت السيطرة الأجنبية، على نيلها حريتها واستقلالها.
على قاعدة الأهداف المرسومة في هذا الميثاق، كان مؤتمر القمّة الأول لدول الجامعة قد عقد في قصر أنشاص في الإسكندرية بين 28 – 29 أيّار (مايو) 1946، بحضور ملوك ورؤساء الدول السبع المؤسّسة للجامعة. من أبرز القضايا التي أولتها القمّة الأولى اهتمامها كانت ثلاث اتسمت بأبعاد قومية واضحة:
الأولى، قضية فلسطين، واعتبارها القضية القومية المركزية، على دول الجامعة التنسيق والعمل المشترك لدعمها ومناصرتها.
الثانية، تطوير العمل العربي المشترك من خلال “التشاور والتعاون والعمل قلبا واحدا ويدا واحدة”.
الثالثة، الاستقلال الوطني لباقي الأقطار العربية، التي ما تزال تحت الحكم الأجنبي، لكي تتمكّن من إنجاز استقلالها، وتبلغ أمانيها القومية عبر انخراطها في أسرة جامعة الدول العربية، واكتسابها عضوية المنظمة الدولية أي الأمم المتحدة.
بعد مضي ثمانين سنة على القمّة الأولى للجامعة، وبعد توالي انعقاد القمم العربية وصولا الى قمّة بغداد الحالية، التي تسجّل الرقم 34 في تسلسل القمم بين عامي 1946 و2025 ، فإنّ القضايا الثلاث المشار اليها أعلاه ظلّت ثابتة على جداول أعمال القمم المتعاقبة من غير تسجيل نجاحات ملموسة، لا سيّما بشان تطورات القضية الفلسطينية، ومعها العديد من القضايا القومية في الأمن والاقتصاد والسياسة، وفي العلاقات التكاملية التي تربط بين الوطني والقومي من ناحية، أم في علاقات دول الجامعة مع الخارج الدولي والإقليمي من ناحية أخرى.
شهدت جامعة الدول العربية، وما تزال، صراعا شديدا بين تيارين اثنين: الأول، قومي توحيدي، يسعى الى تطوير العمل العربي المشترك، وصولا الى قيام صيغة وحدوية قادرة على النهوض بالأمّة العربية، والثاني، قطروي تجزيئي، يسعى الى تغليب الكيانية السياسية ذات الخصوصية القطرية في المجالات الثقافية والسياسية، والاجتماعية، والتعاملات الاقتصادية، والأمنية. أمّا الغلبة في هذا الصراع الذي استمرّ محتدما، فكانت لصالح الكيانية القطرية، وذلك لجملة من الأسباب هذه أهمها:
1 – قدرة الطبقات السياسية الحاكمة على انتاج وإعادة إنتاج نفسها، وهي طبقات تشكّلت في الأساس في ظل السيطرة الأوروبية المباشرة، وما لبثت أن توارثت السلطة في أعقاب الخروج الاستعماري مع استمرارها في علاقات معه على درجة شديدة من التبعية والالتحاق السياسي والاقتصادي.
2 – استمرار الولاءات الأولية من طائفية وعشائرية وجهوية، الأمر الذي ترك نتائجه السلبية على مسألة الانتماء الى وطن والى أمّة واحدة، وهذا ما دلّت عليه كثرة الأزمات الحادّة، والحروب الأهلية التي تفجّرت في غير قطر عربي منذ مطلع ستينيات القرن الماضي (القرن العشري ) في اليمن، والصومال، ولبنان، والسودان وغيره، وكذلك الحروب – المأساة التي انفجرت في غير قطر عربي مع بدايات العشرية الثانية للقرن الحالي (الحادي والعشرين)، والتي ماتزال على درجة حامية من العنف الدموي، وباتت تترك تداعيات خطيرة على الديمغرافيا والتدهور الاقتصادي والتهجير القسري، وعلى مستويات المعيشة، والأخطر من كل ذلك، على الولاءات الوطنية والهوية القومية.
3 – دور القوى الخارجية سواء منها المجاورة للوطن العربي أم البعيدة عنه، وفي مقدمتها قوى الاستعمار الغربي المتحالفة مع الصهيونية والرجعية العربية، كل هذه القوى مجتمعة ترى في استراتيجية التفتيت والتجزئة للوطن العربي تحقيقا لمصالحها في التوسع والنفوذ من جهة، ومانعا لقيام الدولة الوطنية، وكذلك للدولة القومية (الدولة – الأمة) من جهة أخرى.
من بين المؤسسات الهيكلية التي نشأت في إطار جامعة الدول العربية، هناك مؤسستان على درجة من الأهمية نظرا لاتصالهما المباشر بالأمن القومي من ناحية، والتكامل الاقتصادي كأساس لبناء القاعدة المادية الاقتصادية للوحدة العربية من ناحية أخرى، والمؤسستان هما: مجلس الدفاع العربي المشترك، ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية.
مجلس الدفاع العربي المشترك
اختصّ هذا المجلس منذ نشوئه عام 1950 بقضايا الدفاع وحماية الأمن القومي العربي، فهو يعتبر كلّ اعتداء مسلّح يقع على أية دولة عربية أو أكثر يكون بمثابة اعتداء على سائر دول الجامعة الأخرى. ولذلك، فانّ هذه الدول “عملا بحق الدفاع الشرعي – الفردي والجماعي – عن كيانها، تلتزم بأن تبادر الى معونة الدولة أو الدول المعتدى عليها، وبأن تتخذ على الفور منفردة ومجتمعة، جميع التدابير، وتستخدم جميع ما لديها من وسائل بما في ذلك استخدام القوّة المسلّحة لردّ الاعتداء”.
إن التطورات الأمنية التي أعقبت إنشاء هذا المجلس لم تلحظ التزاما أمنيا من قبل دول الجامعة بمضامين وضرورات الدفاع العربي المشترك، على الرغم من أنّ ثمّة أخطارا شكّلت وما تزال، تهديدا صارخا للأمن القومي العربي. من أبرز هذه الأخطار على سبيل المثال لا الحصر:
الاغتصاب الصهيوني لفلسطين بعد عدوانية وحروب لم تتوقف منذ ما قبل الاغتصاب في العام 1948 مرورا بحربي 1967 و1973 وصولا إلى حرب الإبادة في قطاع غزة التي ما تزال مستمرة منذ عشرين شهرا، والتي مازالت حلقاتها العدوانية تتواصل على القدس والمسجد الأقصى، وعلى غزّة ونابلس وجينين وسائر المدن الفلسطينية المحتلة. لم يقم مجلس الدفاع العربي المشترك بدوره المطلوب للتعامل مع العدوانية الصهيونية المستمرة على فلسطين وشعبها.
عدم قيام مجلس الدفاع العربي المشترك بواجبه الدفاعي عن مصر إبّان العدوان الثلاثي البريطاني – الفرنسي – الصهيوني عليها عام 1956.
لم يتحرك مجلس الدفاع العربي المشترك للمساهمة في ردّ العدوان الصهيوني على مصر وسوريا والأردن في حرب 1967، وكذلك في حرب 1973، باستثناء ما يسجّل للقوات المسلّحة العراقية التي اندفعت الى الجبهتين المصرية والسورية في حرب تشرين الأول (أكتوبر) 1973، وشاركت مباشرة في وضع خطة عسكرية عراقية – سورية لتحرير الجولان المحتل واستعادته من العدو الصهيوني.
لم يلتزم مجلس الدفاع العربي المشترك بمساعدة العراق في الحروب الأربع التي واجهها بين 1980 – 2003، وهي ثلاثة حروب عسكرية، إضافة الى حرب الحصار الرابعة ،التي تركت تداعيات خطيرة على الأمن الغذائي والمعيشي والصحي لشعب العراق، لا سيّما على أطفاله الذين قضوا بالملايين جوعا ومرضا.
مجلس الوحدة الاقتصادية العربية
أنشئ هذا المجلس عام 1950 ليتطور عام 1957 الى إبرام اتفاقية الوحدة الاقتصادية، وفي العام 1964 أنشئت السوق العربية المشتركة، التي أكّدت على وجوب التكامل الاقتصادي بين دول الجامعة العربية، وصولا الى صياغة نظام إقليمي اقتصادي عربي موحّد.
إلاّ أنّ معظم النصوص التي حكمت قيام مجلس الوحدة الاقتصادية، وبالتالي السوق العربية المشتركة، بقيت حبرا على ورق دون أن تجد ترجمتها العملية على أرض الواقع الاقتصادي العربي. أمّا أبرز أسباب الإخفاق في هذا المجال فكانت:
1 – عدم رغبة الحكومات العربية بإبداء أية حماسة حقيقية تجاه قضايا ومشروعات العمل الاقتصادي العربي المشترك.
2 – عدم إيلاء الحكومات الاهتمام الكافي للتجاوب مع الدراسات والخطط الاقتصادية الصادرة عن الأمانة العامّة لمجلس الجامعة العربية.
3 – تمسّك الحكومات العربية بعدم المساس بثوابت السيادة القطرية وقوانينها الداخلية، وعدم الالتزام بأي قرارات او توصيات في مسائل أو مشاريع تتعارض مع مشروعات الدولة القطرية المنفردة.
وإذا كانت جامعة الدول العربية لم تستطع أن تؤسّس لمشروعات أو مؤسسات اقتصادية تكاملية بين الأقطار العربية، فإنّ ثمّة أزمة أكثر عمقا في بنيان العلاقات الاقتصادية العربية قد تمثّلت، هذه المرة، بخروج عدد كبير من أقطار الجامعة، ليس فقط على مبادئ ميثاق العمل الاقتصادي العربي الموحد، وإنّما أيضا، في إبرام اتفاقيات تطبيع مع الكيان الصهيوني شكّلت مساسا صارخا، لا بل اختراقا خطيرا للأمن الاقتصادي العربي، والأمن السياسي العربي على حدّ سواء.
كانت معاهدة “كامب ديفيد” عام 1978، قد أفضت الى إخراج مصر – الدولة العربية الوازنة سكّانيا وعسكريا واقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا، ليس فقط عن دائرة الصراع العربي – الصهيوني، وإنّما كذلك من جامعة الدول العربية لمدة أربع سنوات (1978 – 1982) ، ورغم عودتها الى مجلس الجامعة إثر مؤتمر قمّة فاس في المغرب 1982، إلاّ أنّها، أي مصر مازالت على علاقة دبلوماسية واقتصادية مع الكيان الصهيوني حتى اليوم. هذا، وكانت اتفاقية “وادي عربة” التي أبرمتها الأردن مع الحكومة الصهيونية عام 1994 قد أدخلت في صلب الدستور الأردني، لا لتقييد هذا الدستور وحسب، وإنّما لإعطائها بعدا قانونيا ودستوريا يستحيل تجاوزه أو إلغاؤه فيما بعد.
بالإضافة الى مصر والأردن، تواصلت سلسلة من علاقات التطبيع مع الكيان الصهيوني من جانب عدد من دول الجامعة، هذا إضافة الى دول أخرى منها المعلن عنها وغير المعلن أيضا. كلّ ذلك يشير الى مدى الهشاشة التي بلغها العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية، هذه الهشاشة التي لم تكن تفريغا لمحتوى مواثيق الجامعة وحسب، وإنّما لتمثّل أيضا خروجا على الالتزام بالقضايا الوطنية والقومية المصيرية.
تحدّيات قمة بغداد الرقم 34
إنّ الوطن العربي، وهو يقف اليوم على مشارف الربع الثاني من القرن الحالي، يواجه تحدّيات غير مسبوقة في تاريخه من حيث شراسة الاستهداف لوجوده الكياني، وخصوصيات تشكّله التاريخي والحضاري. فهو، ومع مطلع دخوله الألفية الثالثة، تعرّض، وما يزال، لأشرس هجمات الاختراق الخارجي من قوى دولية وإقليمية مدفوعة بنزعات هيمنة استعمارية مغلّفة بالديمقراطية المزعومة حينا، وبخلفيات أيديولوجية دينية ومذهبية بوصفها ذات القدرة الأكثر فعالية على تفكيك الاجتماع السياسي والثقافي والفكري للمجال العربي برمته حينا آخر.
كثيرة هي الأجندات الخارجية الدولية والإقليمية، التي راحت ترسم استراتيجياتها في الاستحواذ والهيمنة على الوطن العربي، بهدف الفوز بخصوصياته الجيوسياسية لجهة موقعه الجيو-استراتيجي، ومخزوناته الهائلة من الثروات النفطية والطبيعية الأخرى.
بدأت الهجمة الأمريكية باستهداف العراق أولا، بوصفه حجر الزاوية في البناء الوطني – القومي من خلال امتلاكه مشروعا نهضويا تقدميا يربط عضويا بين مفاعيل الوحدة القومية والتحرر والعدالة الاجتماعية. ثلاثة حروب تدميرية عسكرية وحصارية اقتصادية تزعمتها إمبريالية المركز الأميركي بهدف تدمير التجربة الوطنية في العراق، في أقلّ من ثلاث عشرة سنة بين 1990 – 2003 ، وصولا الى احتلاله، وإسقاط نظامه الوطني – القومي، وتصنيع نظام احتلالي بديل مفصّل على قياس الأجندة الأميركية في الاحتلال والتفكيك والتدمير، نظام لم يلبث أن أخذ الدولة التي تبوّأت مكانة مرموقة على الخريطة الدولية في ظل النظام الوطني، الى الفوضى والفشل، وتغليب ثقافة المذهب والعرق والعشيرة على التماسك الاجتماعي والوحدة المجتمعية والوطنية.
لقد فتح احتلال العراق أبواب الوطن العربي واسعة أمام زحف المشاريع الغازية، التي فتحت بدورها، معظم الساحات العربية أمام مرحلة ساخنة من الحروب الأهلية والأزمات العميقة، الأمر الذي باتت معه الدولة الوطنية العربية تواجه مأزقها التاريخي لجهة البقاء والاستمرار.
أمّا القضية الفلسطينية فقد باتت في المرتبة الخلفية من الاهتمامات العربية والدولية، لا بل أنّ هجوما أميركيا – صهيونيا راح يستغل حالة الوهن العربي، ويكثّف، بالمقابل، من سرعة الخطوات الآيلة الى إنجاز الاستراتيجية الصهيو – أمريكية المتمثّلة بإنهاء القضية الفلسطينية، والانتقال من مرحلة الأسرلة لفلسطين التاريخية الى مرحلة الدولة اليهودية الكبرى، التي من شأنها السيطرة على كامل المجال الجغرافي العربي من الفرات الى النيل. وهذا، ما ظهرت مؤشراته التطبيقية في “صفقة ترامب – الرئيس الأميركي في ولايته الأولى (2016 – 2020) ، والثانية التي دشنها في مطلع العام الحالي والمزمع استمرارها حتى مطلع العام 2029، وفي سلسلة معاهدات التطبيع العربية – الصهيونية، وهي، في الظاهر، معاهدات “سلام وتعاون اقتصادي وثقافي”، لكنّها في الواقع، معاهدات تعبيد الجسور أمام إنجاز مشروع الدولة التوراتية اليهودية الكبرى، والتي ليست سوى بديل للدولة القومية العربية التي سعى اليها العرب طويلا .
خاتمة
إذا كانت التحديات المشار اليها أعلاه، هي التي تفرض نفسها على طاولة القمّة العربية في بغداد اليوم، فإنّ جامعة الدول العربية مدعوة، أكثر من أي وقت مضى، الى العمل الجاد والدؤوب من أجل مراجعة نقدية لمسارها التاريخي لأكثر من ثمانين سنة مضت على نشأتها، والخروج بالإعلان عن ميثاق جديد يؤسّس لقيام الجامعة الشعبية العربية بدلا من جامعة الدول العربية، ميثاق يمهّد لقيام “مجلس أمّة عربي” بهيئتين برلمانية تشريعية وحكومية تنفيذية، تكون تشريعاته وقراراته ملزمة لجميع الأقطار العربية على المستويين الرسمي والشعبي على حد سواء.
إنّ المرحلة الراهنة هي تاريخية وفاصلة، تقتضي وجوب الاستجابة العربية الشاملة التي طال انتظارها للردّ على التحديات الضاغطة التي تواجه الأمة في وجودها هذه المرّة. فهي أمّة تقف على مفترق طرق خطير: إمّا أن تكون جديرة في إثبات أحقيتها كأمّة ذات مشروع حضاري نهضوي، وإمّا الدخول في نفق من الظلامية لا أحد يستطيع أن يتكهّن بمداها الزمني. من هنا، فإنّ القوى الحيّة العربية مدعوة بقوّة، وتحت ضغط التحديات المكشوفة التي تهدّد الأمّة في كيانها الوجودي ومصيرها من قبل قوى خارجية طامعة ومتربّصة، فهي مدعوّة الى تغليب الاستراتيجي الثابت على الظرفي المتغيّر.
المطلوب وبإلحاح هذه المرة، هو إشعار جامعة الدول العربية بضرورة امتلاك المشروع النهضوي الذي يلتقي بالضرورة ، مع شروط الاستجابة لمصالح الجماهير والأجيال العربية في صناعة المستقبل من خلال التأسيس لحالة نهضوية عربية تستطيع معها الأمّة العربية تجاوز أزماتها وحروبها الداخلية، لا بل تمتلك مقوّمات المواجهة في تصديها لمشاريع واستراتيجيات الاختراقات الخارجية، مقوّمات تستطيع معها العبور الى مستقبل واعد يحقّق لها شخصيتها الحضارية، ودورها الرائد في حمل الرسالة الخالدة الى الإنسانية جمعاء.




