تحقيقات وتقارير

القوة أولاً والقانون لاحقاً: ماذا تكشف المفاوضات الأميركية – الإيرانية؟

القوة أولاً والقانون لاحقاً: ماذا تكشف المفاوضات الأميركية – الإيرانية؟

التاريخ لا يقدم وصفات مجانية للشعوب والدول. فكل مشروع يسعى إلى قدر أكبر من الاستقلال يدفع أثماناً باهظة، اقتصادية وأمنية وسياسية. لكن التاريخ نفسه يكشف أن التبعية ليست خياراً بلا كلفة بل إنها تؤجل الثمن ولا تلغيه.

جاد طعمه

من السهل اختزال المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في أرقام أجهزة الطرد المركزي، أو نسب تخصيب اليورانيوم، أو الترتيبات الأمنية والعسكرية المرتبطة بالنفوذ الإقليمي وطرق التجارة الدولية. غير أن مثل هذه المقاربة، على أهميتها، تبقى عاجزة عن الإحاطة بالمعنى الأعمق للصراع القائم.

فالخلاف القائم منذ أكثر من أربعة عقود لا يدور، في جوهره، حول التكنولوجيا النووية بقدر ما يدور حول سؤال سياسي يتجاوز الملف النووي نفسه: من يملك حق تحديد قواعد النظام الإقليمي في الشرق الأوسط؟ ومن يملك سلطة منح الشرعية أو حجبها عن الآخرين؟

من هذه الزاوية، تبدو المفاوضات المتكررة بين واشنطن وطهران أقرب إلى تفاوض دائم حول توزيع النفوذ والاعتراف المتبادل، أكثر منها مجرد نقاش تقني حول برنامج نووي قابل للتفاوض أو التسوية.

أزمة الشرعية لا أزمة الأمن

اعتادت الأدبيات السياسية الغربية تقديم الصراع مع إيران باعتباره قضية أمنية مرتبطة بمنع الانتشار النووي أو الحد من التهديدات الإقليمية. وعلى الرغم من ذلك، فإن النقاش الدولي السائد غالباً ما يتجنب التطرق، بالقدر نفسه، إلى الترسانة النووية الإسرائيلية غير الخاضعة لآليات الرقابة الدولية المعتمدة، وإلى الإشكاليات القانونية والأخلاقية التي تثيرها السياسات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو ما يعزز لدى كثيرين الانطباع بوجود معايير مزدوجة في مقاربة قضايا الأمن والشرعية في المنطقة.

تكشف القراءة السوسيولوجية ذات الخلفية القانونية طبقة أعمق من هذا النزاع؛ فالولايات المتحدة تنظر إلى نفسها بوصفها الضامن الأساسي للنظام الدولي وللاستقرار الإقليمي، وإن كان منتقدو هذه المقاربة يرون فيها دوراً انتقائياً ينحاز، في كثير من الأحيان، إلى مصالح حلفائها. أما إيران فتسعى إلى تقديم نفسها بوصفها نموذجاً لدولة ترفض الخضوع للضغوط الخارجية، وتتبنى خطاباً مناهضاً للهيمنة الأميركية والإسرائيلية.

المجتمعات تستطيع مقاومة الخرق الواضح للقانون، لكنها تجد صعوبة أكبر في مقاومة تحويل القانون ذاته إلى وسيلة لإنتاج اللامساواة

بين هذين التصورين تتشكل معركة طويلة حول مفهوم الشرعية ذاته: فهل تُكتسب الشرعية من القوة العسكرية؟ أم تستمد من سيادة الدول؟ أم أن جوهرها يكمن في قدرة الشعوب على تقرير مصيرها بعيداً عن الإملاءات الخارجية؟

الفساد الذي لا يُرى

إذا كان الفساد، في معناه التقليدي، يقوم على إساءة استعمال السلطة لتحقيق منفعة خاصة، فإن الفساد البنيوي في العلاقات الدولية يقوم على إساءة استعمال الموقع المهيمن لإعادة تشكيل القواعد نفسها بما يخدم مصالح الأقوياء. وفي هذه الحالة، لا يعود القانون ضحية انتهاك مباشر، بل يصبح أداة لإضفاء المشروعية على اختلال موازين القوة.

هنا تكمن خطورة الظاهرة؛ لأن المجتمعات تستطيع مقاومة الخرق الواضح للقانون، لكنها تجد صعوبة أكبر في مقاومة تحويل القانون ذاته إلى وسيلة لإنتاج اللامساواة.

في هذا المستوى من التفكير، لا يعود السؤال: من انتهك القانون؟ بل يصبح: من يملك سلطة تحديد ما إذا كان القانون قد انتُهِك أصلاً؟ وهنا تتحول القوة إلى مصدر للشرعية، وتصبح الشرعية نفسها نتاجاً لتوازنات القوة، لا العكس.

فالفساد في العلاقات الدولية لا يبدأ حين تُخرق القواعد، بل حين يصبح بعض الفاعلين قادرين على تعريف القاعدة نفسها وتحديد استثناءاتها.

القانون الدولي بين النص والتطبيق

لم يشهد التاريخ الحديث وفرة في النصوص القانونية الدولية كما يشهدها اليوم. فالقواعد المتعلقة بحماية المدنيين، وحظر العقوبات الجماعية، ومنع الاستهداف المتعمد للبنية التحتية المدنية، وتنظيم الاحتلال العسكري، كلها مسائل واضحة إلى حد بعيد. ومع ذلك، فإن الفجوة بين النص وما يحصل واقعًا تبدو آخذة في الاتساع.

المشكلة الأساسية لم تعد نقصاً في القواعد، بل في غياب المساواة بين الخاضعين لها.

بات جلياً أن بعض الدول تستطيع انتهاك القانون، ثم تفسير انتهاكه باعتباره دفاعاً مشروعاً عن النفس، فيما تجد دول أخرى نفسها عرضة للعقوبات أو التدخلات العسكرية تحت العناوين ذاتها.

هذه مفارقة تكشف أن القانون الدولي ما زال يعيش في ظل السياسة أكثر مما تعيش السياسة في ظل القانون.

فلسطين كانت وستبقى الامتحان الأخلاقي للنظام الدولي

لا توجد قضية تكشف حدود النظام الدولي المعاصر بوضوح أكبر من القضية الفلسطينية؛ لأنها ليست مجرد نزاع إقليمي طويل الأمد، بل اختبار يومي لمدى اتساق المبادئ التي يدّعي المجتمع الدولي الدفاع عنها.

إذا كانت حماية المدنيين مبدأً عالمياً، فلا ينبغي أن تتبدل قيمته تبعاً لهوية الضحية أو الفاعل، وإذا كانت جرائم الحرب محرمة، فإن معيار تجريمها يجب أن يبقى ثابتاً بصرف النظر عن موقع الدولة في ميزان القوى العالمي.

وبناءً على هذه المنطلقات، كانت فلسطين، وستبقى، مرآة تعكس التناقض بين عالمية الخطاب الحقوقي وانتقائية الممارسة السياسية.

إيران وحدود الإرادة السياسية

ليس من الضروري تبني الرواية الإيرانية كاملة للاعتراف بحقيقة موضوعية واحدة، مفادها أن الجمهورية الإسلامية قدمت نموذجاً نادراً لدولة واجهت ضغوطًا خارجية هائلة، ورفضت إعادة تشكيل خياراتها الاستراتيجية وفق الإرادة الأميركية أو مقتضيات النظام الدولي الذي تقوده واشنطن.

ولا يعني ذلك، بطبيعة الحال، أن التجربة الإيرانية خالية من الأخطاء أو التناقضات، ولا أنها تمثل نموذجاً سياسياً مثالياً يجب أن يُحتذى من قبل جميع دول العالم، لكن أهميتها تكمن في إثبات أن اختلال موازين القوى لا يؤدي بالضرورة إلى الاستسلام.

فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تُقاس فقط بحجم قدراتها، بل أيضاً بقدرتها على تحويل محدودية الموارد إلى عناصر قوة سياسية واستراتيجية.

ولعل الحالة الإيرانية تكشف أيضًا أن القوة في العلاقات الدولية لا تُقاس بالقدرات العسكرية وحدها، بل أيضاً بامتلاك أوراق تأثير قادرة على تعديل حسابات الخصوم. ويقدم مضيق هرمز مثالاً عملياً على ذلك؛ فإيران لا تمتلك القدرات العسكرية أو الاقتصادية التي تمتلكها الولايات المتحدة، لكنها تملك موقعاً جيوسياسياً يجعل أي مواجهة معها ذات كلفة عالمية.

هنا يتبين أن النفوذ الدولي لا يُقاس دائماً بحجم القوة الصلبة وحدها، بل أيضاً بالقدرة على التأثير في المصالح الحيوية للاقتصاد العالمي. ولذلك لم يكن مضيق هرمز مجرد ممر بحري، بل ورقة توازن استراتيجية حدّت من قدرة الضغوط الخارجية على التحول إلى أداة لإخضاع الإرادة السياسية بالكامل.

المقاومة بوصفها ظاهرة اجتماعية

كثيرًا ما تُختزل المقاومة في بعدها العسكري، بينما تشير التجارب التاريخية إلى أنها، في جوهرها، ظاهرة اجتماعية تنشأ حين تشعر الجماعات البشرية بأن آليات الحماية التقليدية لم تعد كافية.

فحين تعجز المؤسسات الدولية والأجهزة الرسمية الداخلية عن ردع العدوان، وحين تتراجع فعالية النظام القانوني في حماية المجتمعات، تظهر أشكال مختلفة من المقاومة باعتبارها استجابة اجتماعية وسياسية لحالة من انعدام الأمان.

لقد شهد التاريخ الحديث أمثلة عديدة على هذه الظاهرة، من حركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا إلى مقاومات الاحتلال في أوروبا نفسها خلال الحرب العالمية الثانية. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم المقاومة في لبنان أو فلسطين بمعزل عن الظروف التي أفرزتها، أو عن البيئة السياسية والأمنية التي سمحت باستمرارها.

التبعية باعتبارها خياراً سياسياً

في المقابل، اختارت دول أخرى استراتيجية مختلفة، قوامها البحث عن الاستقرار من خلال الاندماج الكامل في المنظومة التي تقودها القوى الكبرى.

وقد وفرت هذه المقاربة مكاسب اقتصادية وأمنية في بعض الحالات للدول التابعة، لكنها طرحت، في الوقت نفسه، سؤالاً جوهرياً حول حدود الاستقلال الوطني وقدرة الدول على اتخاذ قراراتها السيادية بعيدًا عن الضغوط الخارجية.

فالفرق كبير بين أمن النظام السياسي وأمن المجتمع، وقد ينجح الأول في البقاء لعقود بفضل الدعم الخارجي، فيما تتآكل مقومات الثاني بصمت.

ثمن الكرامة السياسية

التاريخ لا يقدم وصفات مجانية للشعوب والدول.

فكل مشروع يسعى إلى قدر أكبر من الاستقلال يدفع أثماناً باهظة، اقتصادية وأمنية وسياسية.

لكن التاريخ نفسه يكشف أن التبعية ليست خياراً بلا كلفة، بل إنها تؤجل الثمن ولا تلغيه.

ولعل المفارقة الأبرز أن الدول التي ترفع لواء الدفاع عن النظام الدولي هي نفسها التي تجد نفسها، في لحظات الأزمات الكبرى، الأكثر ميلاً إلى تجاوزه أو إعادة تفسيره بما يتوافق مع مصالحها الاستراتيجية. وهنا تحديداً تنشأ أزمة الثقة العالمية بالقانون الدولي، لا بوصفه مجموعة قواعد مجردة، بل بوصفه مرجعية يُفترض أن تُطبق على الجميع بالمعايير نفسها.

ليست أزمة عصرنا أن القوة تنتهك القانون فحسب، بل إن القوة باتت تمتلك القدرة على تعريف القانون نفسه، وتحديد نطاق تطبيقه واستثناءاته.

إن أخطر ما تكشفه المفاوضات الأميركية – الإيرانية ليس مستقبل البرنامج النووي الإيراني، بل مستقبل النظام الدولي نفسه. فحين يصبح القانون قابلاً للتأويل وفق موازين القوة، وحين تتحول الشرعية إلى امتياز تمنحه الدول الأقوى، لا حقاً متساوياً بين الأمم، يصبح السؤال المطروح أمام البشرية أكثر جوهرية من أي اتفاق نووي أو تسوية سياسية:

هل ما زال العالم محكوماً بالقانون، أم أننا نعيش مرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف القانون بوصفه لغة أخرى للقوة؟

وبين هذين الاحتمالين يتحدد مصير العدالة الدولية، كما يتحدد مستقبل الشعوب التي ما زالت تؤمن بأن الكرامة الوطنية ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً من شروط الوجود الحر في عالم غير متكافئ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب