مقالات

اللغة في بعدها السياسي

اللغة في بعدها السياسي

فراس حج محمد| فلسطين
تكمن أهمية اللغة في أنها ذات مدلول "سياسي ثقافي" و"ثقافي اجتماعي"، لا
يحتاج إلى أدلة، لأنه بدهي، وكل بدهي لا يلزم استدعاء ما يؤكده، فكلّ ملاحظٍ
للواقع بتجلياته كافّة يرى أن للغة اتصالاً مباشراً فيه، بدءاً بالمعجم اللغوي
المستخدم، إلى دلالة الألفاظ المشتركة، وصولاً إلى طريقة الكلام نفسها، فثمة لغة
فلاحية أو بدوية أو مدنية، كما يوجد لغات باختلاف الدول التي تنتمي إلى اللغة الأم،
فالعربية مجموعة من اللغات وليست لغة واحدة، وكل لغة منها تؤشر إلى جماعة
من أهلها، ولعل الذاكرة السياسية اللغوية شاهدة على التصفية البدنية بناء على اللغة
كما في الحرب الأهلية اللبنانية، فتنوع لغات الفرقاء جعلتهم مستهدفين؛ كل طرف
للطرف الآخر بشكل واضح جداً.
وليس هذا وحسب، بل إن لكل حزب لغته ومصطلحاته، حتى بين أبناء أحزاب
الفكرة الواحدة، وقد شكلت بمجموعها ما يعرف بخطاب هذه الجماعة أو تلك،
فالحركات الإسلامية المعتدلة ذات خطاب مختلف عن الخطاب الإسلامي
الراديكالي، والخطاب البراغماتي مختلف عن الخطاب المبدئي، عدا أن الصوفية
تختلف عن السلفية وكلتاهما مختلفتان عن الحركات السياسية، وهكذا، ليصبح المرء
من هؤلاء معروفاً بلغته ومصطلحاته. ومن طريف ذلك أن طريقة تعريف
الفلسطيني بنفسه على زملاء السجن كانت علامة على الاعتبار الحزبي، فثمة من
هو "أخوكم في الله" وآخر "رفيق"، وهكذا.
لقد انعكس كل ذلك على الخطاب السياسي اللغوي في فلسطين، فثمة مصطلحان
على أقل تقدير للحدث الواحد، مثلاً يطلق فريق السلطة من السياسيين والإعلاميين
والكتّاب والمثقفين التابعين لها مصطلح "الانقسام" على ما حدث في قطاع غزة عام
2007 بينما الطرف الآخر يطلق عليه "الحسم"، وصار الناس يعرف بعضهم
بعضاً ويُمتحنون بهذا الاستخدام. وقد توقفت عند شيء من هذه اللغة المربكة في
توظيف المصطلحات في كتاب "في رحاب اللغة العربية" عندما ناقشت مصطلح
الجدار الفاصل، وما هي أفضل المصطلحات الممكن لنا استخدامها، ودلالة كل
مصطلح، ومشكلة كل واحد منها 1 .
وليس بخافٍ على كل من يشتغل بالسياسة الدولية تلاعب الإعلام العالمي باللغة
وبالمصطلحات التي تؤشر كلها إلى وجهة نظر سياسية أو أيديولوجيا أو عقيدة
عسكرية، فراجت مصطلحات مثل الإرهاب والإسلاموفوبيا، وتنازع الخطاب
1 يُنظر الكتاب، طبعة دار بدوي، ألمانيا، 2023، ص 107 وما بعدها.

السوري خلال عقد الثورة السورية مصطلحان، فالفريق المحسوب على النظام
الأسدي يستخدم معها وصف "الأزمة" وما يتبعها من جهاز لغوي يعبّر عنها، أما
الآخرون فهي عندهم "الثورة" ولذلك لهم خطابهم المتسق مع هذا المصطلح، وعلى
ذلك تقاس كل لغة في العالم التي تنحاز بمصطلحاتها لوجهة نظر المتحدثين بها.
ومن اللافت للنظر في سياق معمعة الحرب على إيران التي شنتها قوى الشر
العالمية، ستجد أن الإعلام المناصر لتلك القوى ذو مصطلحات مختلفة عن
المدافعين عن إيران وتحالفاتها، ولأضرب لذلك هذين المثالين، الأول يستخدم
الإعلام المعادي لإيران مصطلح "أذرع إيران" في توصيف محور المقاومة،
وصواريخها البالستية- وهذا هو المثال الثاني- عظيمة الشأن والقوة صارت في
لغتهم "مقذوفات"، ولكم أن تتخيلوا الدلالة النفسية لكليهما، في حين أن قوى البطش
والإجرام ذات "تحالفات"، ما يعني أنها شرعية، وأن لديها "صواريخ" قادرة وفتاكة
ومرعبة، وليس هذان المثالان وحسب، وإنما الكثير من اللغة الوصفية التي تنبئ
عن ذلك الانحياز التي يمكن أن تشكل محور دراسة لغوية جادة ذات أثر بالغ.
وفي هذه الوقفة أحببت أن أشير إلى شيء من لغة المثقفين في استخدامهم
للمصطلح/ الاسم الدال على كيان الاحتلال الغاصب، حيث لا يتورع كثير من
الكتاب والمثقفين وربما كلهم إلا ما ندر من استخدام ذلك الاسم الذي أقرته الأمم
المتحدة، ورضي به المحتلون علامة على كيانهم، ويتعامل المثقفون مع هذا الاسم
دون الشعور بوخزة من ضمير أو امتعاض أو بأس، وهم لا يدرون أن هذا الاسم
خادع، ومضلل، وعبثي، ويجب ألا يوجد في أدبيات الفلسطينيين والعرب والعالم
الحر بأطيافهم كلهم، بل لا بد من أن تتوحد اللغة على وصف ذلك الكيان اللقيط
المزروع في قلب الأمة بأنه "كيان الاحتلال الغاصب" أو "كيان يهود"، ولا يصح
وصفه حتى بأنه دولة، لأنه أهون من أن ينطبق عليه هذا المفهوم، حتى لو اعترف
به العالم أجمع، فهو كيان استعماري احتلالي مجرم، يقوم على أفكار القتل والسرقة
وانتهاك القانون وعدم احترام إنسانية الإنسان، فكيف له أن يكون دولة؟
وفي هذا السياق فإنني أشير إلى ما ينحاز إليه الكاتب الصحفي حمادة الفراعنة
في مقالاته الصحفية، إذ يتجنب نطق الاسم المعهود، مستخدماً بدلا من ذلك مصطلح
"المستعمرة"، عن وعي لغوي وسياسي متقدم، فتعرّض بسبب ذلك إلى حظر حسابه
في الواتساب لمخالفته معاييرهم المدّعاة، ما اضطره لأن يعتذر لقرائه في بداية
إحدى مقالاته بهذا الاعتذار 2 :

2 "الحضور الفلسطيني في بلدهم"، شبكة أخبارنا نت: https://akhbarna.net/article/173851، بتاريخ: 22/9/2022.

"أعتذر لكل الأصدقاء الذين سألوا وتابعوا واستفسروا أن مقالتي اليومية خلال
الأسبوعين الماضيين لم تصلهم بانتظام، والسبب أن الواتس أب، تم شطبه من
مصدره وكتبوا لي: "إنك غير ملتزم بالمعايير المرعية" واشتريت رقماً جديداً
وواتس جديدا، وكانت مقالتي بالأمس، التي حملت عنوان "الحضور الفلسطيني لدى
المستعمرة"، فتم إغلاق الواتس مرة أخرى بعد نصف ساعة من توزيعها، وكتبوا
لي "غير مسموح لهذا الحساب استخدام واتساب، لأنه أرسل رسائل مزعجة وغير
مرغوب بها"، وأغلقوه، وبعثوا برسالة أخرى تقول حرفياً "سيراجع فريق الدعم في
واتساب معلومات حسابك والجهاز للتحقق من عدم وجود نشاط يتعارض مع شروط
الخدمة الخاصة بنا".
فيا ليت أن الوسط الثقافي بتنوعاته السياسية والأدبية والدينية ينحاز إلى ما انحاز
إليه الفراعنة، فكما هو واضح تحاسبنا الخوارزميات على اللغة المستخدمة، فلا أقلّ
من ألا ننساق وراء ما تريد تلك العقول الاستعمارية التي تتخذ من اللغة سلاحاً
لمحاربتنا.
ويتبع هذه المسألة كذلك تجنب وصف الناس المنتمين إلى ذلك الكيان بالاسم
المنسوب إلى ذلك الاسم، بل من الضروري أن يعاد لهم تسميتهم الأولى في أنهم
يهود، أو مستعمرون صهاينة، أو محتلون، فهم يحاربوننا على أنهم يهود، ويقيمون
كيانهم على دعوى يهودية توراتية، ويقتلوننا باسم التوراة، ويطردوننا من أرضنا
باسم دينهم وآلهتهم، بل ويطالبون بأن يكون كيانهم كياناً يهودياً خالصاً. فهل يصح
بعد ذلك أن نمدّهم بمصطلح بعيد عن حقيقتهم، إننا إن فعلنا ذلك نكن قد جنينا ظلماً
وعدواناً على أنفسنا وعلى منطق العدالة المقدّس.
وليس هذا وحسب، بل من الواجب على الجميع تجنب توصيف عصاباتهم
المنظمة بأنها جيش، ولا قادتهم على أنهم رؤساء ووزراء أو ما شاكل، بل لا بد من
وصف الجميع وصفاً واحداً بأنهم مجرمو حرب وإبادة، وبأنهم صهيونيون
مستعمرون ومحتلون ولا شيء غير هذا، إن أردنا النقاء والصحة الفكرية للغتنا
السياسية والأدبية والدينية.
إن ما يثير استغرابي فعلاً ليس اللغة السياسية مع أن السياسة جزء من الثقافة،
إنما ما يستخدمه الأدباء في كتاباتهم شنيع ولا أجد له مبرراً، لا سيما وأن الأدب هو
مخزن الوجدان ومجال صناعة النفس الإنسانية، قبل أن يكون مخزن العقل والمنطق
وصراع الأفكار، ولذلك فإن من آكد الأمور أهمية تجنب هذه المصطلحات في اللغة
الأدبية، وعلى الأدباء أن يعيدوا النظر في كل ما كتبوه، لينظفوا كتبهم من هذه
"السقطات اللغوية" المشوّهة للوعي اللغوي والمزيّفة للوعي العام.

وقد بدأت بنفسي، فقد عدت لكل ما كتبته- ولم أنشره- بعد إدراكي لهذه الحقيقة،
وأعدت تحريره وجنبت لغتي مثل هذه المطبات اللغوية، حتى وأنا أنقل نصوصاً عن
غيري فإنني أبيح لنفسي تغييرها، لأخذ الكلام بالمعنى وليس حرفياً، وقد طبقت ذلك
في كتابي الأخير المعدّ للنشر "نظرات في الواقع الثقافي" بشكل صارم جداً، ولا
أظن أنني سمحت لهذا الاسم بالمفرد أو بالجمع أن يتسلل إلى لغتي نهائياً، وأشكر
للتكنولوجيا حسن صنيعها فقد ساعدتني على حصر جميع ألفاظها ونفيها تماماً،
لأعلن أن كتابي هذا نظيف من كل ما يشينه في اللغة والاصطلاح.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب