مقالات

المجلس الثوري لحركة فتح أمام استحقاق المراجعة الوطنية وإعادة بناء الدور القيادي

المجلس الثوري لحركة فتح أمام استحقاق المراجعة الوطنية وإعادة بناء الدور القيادي

بقلم: المحامي علي أبو حبلة

ينعقد المجلس الثوري لحركة فتح في لحظة تاريخية فارقة تتسم بتعقيدات غير مسبوقة تواجه القضية الفلسطينية، في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وتصاعد مشاريع الضم والاستيطان في الضفة الغربية، ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض تستهدف الوجود الفلسطيني وحقوقه الوطنية، بالتزامن مع أزمات اقتصادية واجتماعية وخدمية باتت تتطلب مراجعة وطنية شاملة تعيد ترتيب الأولويات، وتعزز صمود المواطن، وتعيد الاعتبار لدور المؤسسات الوطنية.

وتتجاوز مسؤولية المجلس الثوري، باعتباره أعلى هيئة قيادية في الحركة بين دورتي انعقاد المؤتمر العام، حدود العمل التنظيمي الداخلي، لتشمل دوره الوطني والسياسي والرقابي في تقييم الأداء العام، ومراجعة السياسات، واستشراف التحديات، والمساهمة في صياغة رؤية استراتيجية قادرة على حماية المشروع الوطني الفلسطيني وتعزيز وحدة الصف الداخلي.

لقد انتقل الاحتلال الإسرائيلي إلى مرحلة جديدة من فرض سياسة الأمر الواقع عبر تسريع الاستيطان، ومشاريع الضم، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، وتحويل التجمعات الفلسطينية إلى جزر منفصلة بفعل الحواجز والإغلاقات والسيطرة على الموارد، في محاولة لتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة ومتواصلة جغرافيًا.

وتأتي منطقة الأغوار الشمالية ومحافظة طوباس في مقدمة المناطق المستهدفة ضمن هذه المخططات، لما تمثله من أهمية استراتيجية وجغرافية واقتصادية، حيث تتواصل محاولات السيطرة على الأراضي الزراعية والموارد الطبيعية، وتغيير الواقع الديموغرافي، بما يخدم مشاريع التوسع الاستيطاني والضم التدريجي.

وفي المقابل، تواجه محافظات شمال الضفة الغربية، ومنها طولكرم وجنين، ظروفًا اقتصادية ومعيشية صعبة نتيجة استمرار العمليات العسكرية والإغلاقات التي ألحقت أضرارًا كبيرة بالقطاعات التجارية والإنتاجية، ورفعت معدلات البطالة والفقر. وهذا الواقع يفرض ضرورة اعتماد خطة وطنية عاجلة لدعم الاقتصاد المحلي، وحماية المنشآت المتضررة، وتعزيز قدرة المواطنين على الصمود في المناطق الأكثر تعرضًا للاستهداف الإسرائيلي.

كما أن قطاعي الصحة والتعليم يواجهان تحديات خطيرة تستوجب معالجة جادة ومسؤولة. فاستمرار الأزمات في القطاع الصحي، وما يرافقها من خلافات مهنية ونقص في بعض الاحتياجات الأساسية، يفرض الاحتكام إلى الحوار وتنفيذ الاتفاقات بما يحفظ حقوق العاملين ويضمن حق المواطن في الحصول على خدمة صحية مستقرة.

أما التعليم، فإنه يمثل أحد أهم مرتكزات الصمود الوطني، ولذلك فإن حماية العملية التعليمية وإنقاذ العام الدراسي وتعزيز جودة التعليم يجب أن تكون ضمن أولويات المرحلة المقبلة، إلى جانب وضع برنامج وطني لدعم طلبة الجامعات الذين يواجهون صعوبات اقتصادية قد تعيق استمرارهم في التعليم، باعتبار أن بناء الإنسان الفلسطيني هو أساس بناء الدولة.

وتبقى قضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال عنوانًا ثابتًا من عناوين النضال الوطني، في ظل ما يتعرضون له من إجراءات تعسفية وانتهاكات تتعارض مع قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف. ومن هنا تبرز أهمية تطوير استراتيجية قانونية ودبلوماسية فاعلة لمساءلة الاحتلال أمام المحافل الدولية، وحماية حقوق الأسرى وعائلاتهم.

وعلى المستوى الاقتصادي، فإن استمرار سياسة إدارة الأزمات لم يعد كافيًا، بل باتت الحاجة ملحة للانتقال نحو رؤية تنموية وطنية تقوم على دعم القطاعات الإنتاجية، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز الزراعة والصناعة والاقتصاد التعاوني، بما يخفف من التبعية الاقتصادية ويعزز قدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة القيود التي يفرضها الاحتلال.

الإصلاح الداخلي وتعزيز الشرعية القانونية الدولية

إن الإصلاح المؤسسي لم يعد ملفًا إداريًا منفصلًا عن معركة التحرر الوطني، بل أصبح جزءًا أساسيًا من أدوات المواجهة السياسية والقانونية. فكلما كانت المؤسسات الفلسطينية أكثر كفاءة وشفافية وخضوعًا للمساءلة، ازدادت قدرة الموقف الفلسطيني على حشد الدعم الدولي وترسيخ شرعيته.

وقد شكل الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في تموز/يوليو 2024 محطة قانونية مهمة، بعدما أكد عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وعدم قانونية المشروع الاستيطاني، ودعا الدول إلى عدم الاعتراف بهذا الوضع غير القانوني أو المساهمة في استمراره.

ويمثل هذا الرأي الاستشاري فرصة استراتيجية يجب البناء عليها، من خلال الانتقال من التعامل مع الاحتلال باعتباره واقعًا مفروضًا إلى العمل على تحويل الشرعية الدولية إلى أدوات سياسية وقانونية عملية لمساءلة الاحتلال وإنهاء آثاره.

وانطلاقًا من ذلك، فإن المجلس الثوري مطالب بتبني برنامج إصلاحي وطني يرتكز على:

مراجعة شاملة للأداء الحكومي والمؤسساتي وفق معايير الكفاءة والشفافية والمساءلة.

تعزيز الرقابة على تنفيذ السياسات العامة وترسيخ سيادة القانون.

وضع خطط عاجلة لمعالجة الأزمات الصحية والتعليمية وضمان استمرارية الخدمات الأساسية.

إطلاق برنامج وطني لدعم التعليم العالي وإنشاء صندوق لمساندة الطلبة المحتاجين.

اعتماد خطة إنقاذ اقتصادي لمحافظات شمال الضفة الغربية والمناطق المتضررة.

تعزيز صمود الأغوار ومحافظة طوباس والمناطق المهددة بالاستيطان والضم.

تطوير ملف الأسرى قانونيًا ودبلوماسيًا أمام المؤسسات الدولية المختصة.

تفعيل الدبلوماسية القانونية الفلسطينية للاستفادة من الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.

إطلاق حوار وطني شامل يضم القوى السياسية والنقابات والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني لتعزيز الوحدة الوطنية.

إن نجاح المجلس الثوري في هذه المرحلة لن يقاس بعدد البيانات أو المواقف السياسية، وإنما بقدرته على اتخاذ قرارات إصلاحية عملية تعيد الثقة بالمؤسسة الوطنية، وتعزز الشراكة، وتربط بين متطلبات الصمود الداخلي ومتطلبات المواجهة السياسية والقانونية مع الاحتلال.

فالمرحلة الراهنة تفرض الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة المشروع الوطني، ومن رد الفعل إلى المبادرة، ومن المعالجة الجزئية إلى الإصلاح الشامل. وهي مسؤولية تاريخية تضع أمام المجلس الثوري استحقاقًا وطنيًا يتمثل في إعادة بناء الدور القيادي للمؤسسات، وحماية وحدة الشعب الفلسطيني، وتعزيز صموده، واستثمار التحولات القانونية الدولية بما يخدم حقوقه الثابتة في الحرية والاستقلال وإقامة دولته المستقلة ذات السيادة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب