المرشد الجديد.. أوجه الشبه والاختلاف بين مجتبى ووالده خامنئي، ومستقبل إيران تحت إدارته

المرشد الجديد.. أوجه الشبه والاختلاف بين مجتبى ووالده خامنئي، ومستقبل إيران تحت إدارته
أثار إعلان مجلس خبراء القيادة في إيران تنصيب مجتبى خامنئي، نجل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، مرشدًا أعلى جديدًا لإيران، جدلًا واسعًا، تزامن مع تساؤلات كثيرة حول مصير النظام الإيراني بعد هذه الخطوة، في ضوء الحديث عن أن المرشد الجديد “أكثر تشددًا” من والده، الذي قُتل في اليوم الأول من اندلاع الحرب على إيران بغارات أمريكية وإسرائيلية.
تم تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا جديدًا بعد ثمانية أيام من اغتيال آية الله علي خامنئي في طهران بغارات أمريكية وإسرائيلية، بقرار من مجلس خبراء القيادة المؤلف من 88 عضوًا. وقد مثل هذا القرار إحدى أهم اللحظات في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ ينقل السلطة فعليًا داخل العائلة نفسها لأول مرة منذ ثورة 1979.
في هذا التقرير نرصد بالتفصيل أهم المحطات في حياة المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، وأوجه الاختلاف بين المرشد الجديد ووالده، المرشد الراحل علي خامنئي، ومصير النظام السياسي الإيراني، وكذلك المشروع النووي في ظل سياسات مجتبى خامنئي، وبعد انتهاء الحرب الدائرة الآن في إيران.
وُلد مجتبى خامنئي عام 1969 في مدينة مشهد المقدسة شمال شرق إيران، وهي إحدى أهم المراكز الدينية والتاريخية في البلاد. وهو الابن الثاني للمرشد الراحل آية الله علي خامنئي، الذي حكم إيران بعد وفاة مؤسس الثورة الإسلامية الإمام الخميني لمدة 37 عامًا.
نشأ مجتبى في بيئة مشحونة سياسيًا ودينيًا، وشهد عن كثب صعود والده من قائد في الثورة الإسلامية إلى رئيس للجمهورية، ثم مرشدًا أعلى، الأمر الذي شكّل خلفية قوية لفهمه للدولة ومؤسساتها من منظور ديني وسياسي.
أمضى سنواته الأولى في العاصمة طهران، حيث التحق بمدرسة علوي الشهيرة، وهي مؤسسة تربوية معروفة بتنشئة العديد من الشخصيات البارزة في الحياة الفكرية والسياسية في الجمهورية الإسلامية.
تزامن شبابه المبكر مع واحدة من أكثر الفترات اضطرابًا في التاريخ الإيراني الحديث، إذ كانت البلاد منخرطة في الحرب الإيرانية العراقية التي استمرت ثماني سنوات، وكان عمره آنذاك سبعة عشر عامًا فقط. خلال هذه الفترة، تطوع مجتبى على الخطوط الأمامية، وخدم عضوًا في كتيبة حبيب بن مظاهر التابعة للفرقة السابعة والعشرين من جيش محمد رسول الله في طهران، وهي وحدة غالبًا ما تألفت من متطوعين مرتبطين بالشبكات الثورية الناشئة للجمهورية الإسلامية، وكانت تعمل تحت إشراف قوات الحرس الثوري الإيراني، وشاركت في معارك رئيسية خلال الحرب.
أسهمت هذه التجربة في تشكيل شخصيته المبكرة وتعميق التزامه بمبادئ الثورة الإسلامية، كما أتاحت له بناء شبكة علاقات واسعة داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، بما في ذلك شخصيات تولت لاحقًا مناصب عليا في الاستخبارات وحماية النظام. وقد استُخدمت هذه العلاقات لاحقًا لدعم نفوذه داخل النظام، إذ إن خبرته العسكرية المبكرة ومشاركته في الحرب منحتا مجتبى قاعدة قوية لبناء نفوذ تدريجي في مؤسسات الدولة المختلفة.
وعلى الرغم من ندرة ظهوره في الأماكن العامة، يُعد مجتبى خامنئي، البالغ من العمر 55 عامًا، أحد أكثر الشخصيات أهمية داخل النظام الإيراني. فقد عمل لسنوات طويلة من داخل مكتب والده، مؤديًا دورًا محوريًا في توجيه دفة الأمور وكسب النفوذ حول المرشد الأعلى.
ويُقارن دوره، في بعض جوانب النفوذ والدعم السياسي، بما قام به أحمد الخميني، نجل مؤسس الجمهورية الإسلامية، الذي كان مستشارًا رئيسيًا لوالده خلال السنوات الأولى للدولة الثورية. وقد ساعدت علاقاته بالمؤسسات الدينية والسياسية والأمنية على ترسيخ موقعه داخل النظام، بما في ذلك علاقاته الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني، الذي شكّل أحد أعمدة قوته، وفق ما يقول مصدر إيراني قريب من مكتب علي لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
الدراسة في قم
بعد انتهاء الحرب، في عام 1989، انتقل مجتبى إلى مدينة قم المقدسة لمتابعة دراسته العليا في الحوزة العلمية، وهي المركز الرئيسي للتعليم اللاهوتي الشيعي في إيران. هناك درس الفقه الإسلامي وعلم الكلام على يد عدد من العلماء البارزين، من بينهم آية الله محمود هاشمي شاهرودي، وآية الله لطف الله صافي الغلبايغاني، ومحمد تقي مصباح يزدي، وهو أيديولوجي بارز شكّل مرجعًا لكثير من الشخصيات السياسية المحافظة في الجمهورية الإسلامية.
وقد أمضى مجتبى جزءًا كبيرًا من حياته المهنية في التدريس داخل الحوزات، بما في ذلك تقديم دروس “الخارج” المتقدمة، التي تُعد أعلى مستوى تعليمي في الحوزة. وتميزت محاضراته بالتنظيم والدقة، واجتذبت آلاف الطلاب قبل جائحة كورونا، إذ كان يحضرها أكثر من 400 طالب بانتظام.
وخلال مسيرته التعليمية والدينية، سعى مجتبى إلى الجمع بين التقليد والابتكار. فقد ركّز على تطوير الفقه والأصول، واهتم بتقديم نقاشات علمية ونقدية مع أساتذته وزملائه، ما ساعده على ترسيخ مكانته بين كبار العلماء. كما امتدت خبرته التعليمية لتشمل إنشاء بعض المراكز العلمية والمدارس الفقهية، مع التركيز على الجمع بين العلم والخدمة الاجتماعية، لتنشئة جيل من العلماء الملتزمين والمثابرين في سبيل المجتمع والدولة.
في عام 1997، تزوج مجتبى من زهرة حداد عادل، ابنة السياسي المحافظ غلام علي حداد عادل، الذي شغل منصب رئيس البرلمان الإيراني سابقًا، ويترأس إحدى المؤسسات الثقافية الرائدة في البلاد. وللزوجين ثلاثة أبناء هم: محمد باقر، ومحمد أمين، وفاطمة.
وكانت زهرة حداد عادل من بين ضحايا العدوان العسكري الأمريكي الإسرائيلي على إيران، الذي استهدف مجمع عائلة خامنئي السكني في طهران. وقد نجا مجتبى من الهجوم، لكنه فقد والدته وشقيقته، إضافة إلى زوج أخته وأبناء أخيه، فيما استشهدت زوجته أيضًا في هذا الهجوم. وبعد هذه المأساة، عاد إلى مدينة قم لمواصلة دراسته العليا في الحوزة العلمية، وركّز على التدريس ومتابعة البحوث العلمية، مؤكدًا على الجمع بين البحث الأكاديمي والخدمة الدينية والاجتماعية.
وعلى الصعيد السياسي، لم يشغل مجتبى أي منصب رسمي في حكومة الجمهورية الإسلامية، ولم يُنتخب لأي منصب تنفيذي، لكنه ظل شخصية مؤثرة في توجيه السياسة الداخلية والخارجية من خلف الكواليس، وفق ما يقول مصدر إيراني قريب من مكتب علي لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني.
وفي المجال الديني، عُرف مجتبى بالتزامه بالمبادئ الفكرية المنظمة والمتسقة في مجمل العلوم الإسلامية، مع الحرص على الابتكار في المحتوى وأسلوب التدريس، وتطبيق النقد العلمي وتنظيم الأفكار.
كما حافظ على علاقات قوية مع كبار المراجع والأساتذة في قم ومشهد، وكان قريبًا من متابعة شؤون الدولة والالتزامات الاجتماعية إلى جانب والده، ما منحه موقعًا مؤثرًا بين العلماء والسياسيين على حد سواء.
وخلال السنوات الأخيرة، استمر مجتبى في تطوير منظومة البحث العلمي والتعليم الديني، مع التركيز على تعزيز الفقه ومبادئه في الحوزة، وإعداد جيل جديد من العلماء، مع الابتعاد عن الشخصنة والمنافسات التقليدية. وقد انعكس ذلك في حرصه على عدم محورية شخصه، والحفاظ على احترام المؤسسات الدينية والسياسية، وهو ما أكسبه تقديرًا واسعًا من كبار العلماء والطلاب على حد سواء.
ويمتلك مجتبى أيضًا علاقات قوية مع القادة العسكريين في إيران وخارجها، بما في ذلك علاقته بالراحل حاج قاسم سليماني والسيد حسن نصر الله، وهو ما جعل الولايات المتحدة وإسرائيل توليان اهتمامًا كبيرًا بمحاولات مراقبته أو استهدافه. لكنه تمكن من الحفاظ على موقعه وتأثيره بشكل مستمر، ما يعكس خبرته في إدارة الشؤون الحساسة والقدرة على البقاء بعيدًا عن المواجهات المباشرة.
وعلى المستوى الشخصي، واصل مجتبى نشاطه التعليمي حتى بعد جائحة كورونا، حيث استمر في التدريس افتراضيًا للطلاب، قبل أن يتخذ قرارًا مؤقتًا بإيقاف بعض دروسه لأسباب روحية وشخصية. وقد أثار ذلك جدلًا واسعًا داخل الحوزة العلمية وخارجها، ودفع مئات الطلاب وكبار العلماء إلى المطالبة باستئناف الدروس. وأوضح مجتبى أن سبب التوقف كان مرتبطًا بعدم ملاءمة استمرار الدروس بالحضور الكبير بعد الجائحة، مشددًا على أهمية توجيه الطلاب إلى أساتذة آخرين تتوافر فيهم معايير علمية وثورية وأخلاقية سليمة.
ويشير مصدر إيراني قريب من مكتب علي لاريجاني، الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إلى أن آية الله مجتبى خامنئي يمتلك إطارًا فكريًا يشمل العلوم الإسلامية التقليدية، إضافة إلى خبرة في إدارة الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والدينية والسياسية في إيران. كما ساعد في تأسيس مؤسسات أكاديمية ومدارس متخصصة في الفقه، بهدف إعداد جيل من العلماء المستنيرين والمتابعين لقضايا المجتمع والدولة.
العلاقة بالحرس والحوزة
نشأ مجتبى خامنئي في بيئة دينية عميقة، وشهد منذ صغره صعود والده قائدًا للثورة الإسلامية ثم رئيسًا للجمهورية، قبل أن يتولى منصب المرشد الأعلى. وقد وفرت له هذه الخلفية فرصة الاندماج المبكر في المؤسسات الدينية، حيث بدأ دراسة الفقه وعلم الكلام على يد كبار العلماء المحافظين في الحوزات، ومن بينهم آية الله محمود هاشمي شاهرودي، وآية الله لطف الله صافي الغلبايغاني، ومحمد تقي مصباح يزدي.
استمر مجتبى في متابعة التعليم الديني المتقدم في مدينة قم المقدسة، مركز الدراسات اللاهوتية الشيعية في إيران، حيث حضر دروس “الخارج”، وهي أعلى مستوى في التعليم الحوزوي، وركز على الفقه الإسلامي والأصول. وقد قضى عقودًا في التدريس ومناقشة القضايا العلمية مع كبار الأساتذة، مما أكسبه احترامًا واسعًا داخل المؤسسة الدينية. كما أظهر التزامًا بالابتكار في أساليب التدريس وتنظيم المحتوى، وجمع بين الدقة العلمية والحرية الفكرية، مما ساعد على جذب آلاف الطلاب إلى محاضراته، حتى خلال فترة الجائحة.
إضافة إلى ذلك، سعى مجتبى إلى تعزيز العلاقة بين الحوزة والمجتمع من خلال المبادرات التعليمية والاجتماعية، حيث أسس برامج تهدف إلى تطوير جيل من العلماء والناشطين الملتزمين بالقضايا الدينية والاجتماعية. وقد أولى اهتمامًا كبيرًا بتقوية الأسس الفكرية للحوزة، مع التركيز على الجمع بين البحث العلمي وخدمة المجتمع، بما في ذلك دعم التعليم، وخدمة المجتمعات المحرومة، وتشجيع الطلاب على التفكير النقدي والالتزام بالمعايير الأخلاقية والاجتماعية.
ومن خلال هذه العلاقات العميقة مع كبار رجال الدين، أصبح مجتبى خامنئي وسيطًا بين المؤسسة الدينية والجهاز السياسي في إيران، حيث كان يشارك في النقاشات المتعلقة بالقضايا الوطنية الكبرى، بما في ذلك الاستقرار الاقتصادي، وتطوير الإسكان، والتحسين الزراعي، والتقدم التكنولوجي، ودعم الصناعات القائمة على المعرفة.
علاقاته بالحرس الثوري
إلى جانب دوره في الحوزة، يُعرف مجتبى خامنئي بعلاقاته الوثيقة مع الحرس الثوري الإيراني، المؤسسة العسكرية والأمنية الأكثر نفوذًا في الجمهورية الإسلامية. وتعود هذه العلاقة إلى شبابه المبكر خلال الحرب الإيرانية العراقية، عندما تطوع في كتيبة حبيب بن مظاهر التابعة للفرقة السابعة والعشرين من جيش محمد رسول الله، وهي وحدة غالبًا ما تألفت من متطوعين مرتبطين بالشبكات الثورية الناشئة. وخلال هذه الفترة، عملت الكتيبة تحت إشراف الحرس الثوري وشاركت في معارك رئيسية، مما مكّن مجتبى من تكوين شبكة علاقات مهمة مع مقاتلين أصبحوا لاحقًا قيادات بارزة في أجهزة الأمن والاستخبارات الإيرانية.
وقد كانت هذه الروابط المبكرة حجر الأساس لنفوذ مجتبى في الحرس الثوري، حيث ساعدته على توسيع دوره الاستشاري والسياسي في سنوات لاحقة. كما حافظ على علاقات طويلة الأمد مع كبار القادة العسكريين، بما في ذلك الشخصيات المرتبطة بمحور المقاومة الإقليمي، مثل السيد حسن نصر الله، قائد حزب الله اللبناني، والراحل الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس بالحرس الثوري، الذي لعب دورًا محوريًا في العمليات العسكرية والاستراتيجية في المنطقة.
ومن خلال هذه العلاقات، أصبح مجتبى خامنئي قادرًا على التأثير في التخطيط الاستراتيجي للحرس الثوري، وعلى صياغة السياسات المتعلقة بالأمن القومي والدفاع الوطني، بالإضافة إلى الدور العسكري الخارجي للحرس في دعم محور المقاومة. كما ساعدته هذه الروابط في الحفاظ على موقعه بعيدًا عن الأضواء، محافظًا على القدرة على التحرك الاستراتيجي في وقت تبقى فيه الدولة تحت تهديد من قوى خارجية، مثل الولايات المتحدة وإسرائيل.
أوجه الشبه والاختلاف بين مجتبى وخامنئي
يرى الدبلوماسي الإيراني السابق مهدي شريعتمدار أن الحديث عن مستقبل إيران في ظل وصول مجتبى خامنئي إلى منصب المرشد الأعلى لا يمكن فصله عن طبيعة النظام السياسي الإيراني نفسه، الذي تشكل منذ الثورة الإسلامية عام 1979 على شبكة معقدة من المؤسسات الدينية والسياسية والأمنية والعسكرية.
ويؤكد شريعتمدار أن السؤال عن الاختلاف بين مجتبى ووالده، علي خامنئي، لا يتعلق فقط بالشخصية الفردية، بل بطبيعة تجربة كل منهما مع الدولة، وكذلك بطبيعة المرحلة التاريخية التي يمر بها كل جيل من القيادات الإيرانية.
ويشير شريعتمدار إلى أن الفارق الأساسي بين الأب والابن يتمثل في التجربة السياسية والتاريخية. فالمرشد السابق علي خامنئي كان جزءًا من الجيل الذي صنع الثورة، وشارك في تأسيس الدولة الإسلامية، وشغل مناصب سياسية رفيعة مثل رئاسة الجمهورية وعضوية مجلس الثورة، وهو ما منح مكانته شرعية سياسية وثورية واسعة.

أما مجتبى خامنئي، بحسب شريعتمدار، فقد نشأ داخل منظومة السلطة القائمة بالفعل، وتكوّنت خبرته السياسية في دوائر مرتبطة بمكتب المرشد والحرس الثوري الإيراني، وهو لم يختبر مواجهة الرأي العام أو إدارة الدولة في فترات التحولات الكبرى، مثلما حدث مع والده.
ويضيف شريعتمدار: “مجتبى يعرف النظام من الداخل بشكل دقيق، ويفهم آليات عمل المؤسسات الأمنية والسياسية، لكنه لم يختبر التحديات السياسية العلنية التي شكّلت شخصية والده، وهذا قد يجعل أسلوبه في الحكم مختلفًا، وأكثر مركزية وأمنية”.
شخصية مجتبى السياسية
يؤكد شريعتمدار أن شخصية مجتبى السياسية تشكلت في ظل مرحلة اتسمت بتعقيدات لم يعرفها الجيل السابق بالشكل نفسه، حيث شهدت إيران تصاعد العقوبات الاقتصادية، وصراعات إقليمية مفتوحة، وحروبًا بالوكالة في أكثر من منطقة. ويرى أن هذه الظروف خلقت لدى الجيل الجديد من القيادات منظورًا استراتيجيًا وأمنيًا أكثر من كونه سياسيًا تقليديًا.
ويقول: “الجيل الجديد من القيادة الإيرانية نشأ على مفهوم الأمن القومي الشامل، بحيث تصبح السياسة والاقتصاد والإعلام أدوات في معركة استراتيجية طويلة المدى، وهذا يختلف عن جيل الثورة الذي واجه تحديات بناء الدولة”.
وفيما يتعلق بإدارة الدولة في ظل الحرب، يشدد شريعتمدار على أن مجتبى خامنئي سيضع أولوية مطلقة لتماسك مؤسسات الدولة والحفاظ على استقرار النظام السياسي. ويقول: “في زمن الحرب، لا تكون الأولوية للإصلاحات السياسية أو الجدل الأيديولوجي، بل لضمان قدرة الدولة على الصمود. لذلك من المرجح أن يعتمد مجتبى على تحالف قوي بين مكتب المرشد والحرس الثوري والمؤسسات الأمنية لضمان وحدة القرار والسيطرة على الأزمة”.
ويضيف أن هذا النهج لن يكون بالضرورة متشددًا بمعنى الانغلاق الكامل، بل يعكس طبيعة المرحلة الاستثنائية التي تمر بها إيران، حيث تتحرك الدولة على محور الأزمات الداخلية والخارجية في آن واحد.
الملف الاقتصادي
يرى شريعتمدار أن أحد الملفات الأكثر حساسية أمام أي قيادة جديدة هو الاقتصاد. فالعقوبات الغربية المتجددة والضغوط المالية خلقت تحديات كبيرة للاقتصاد الإيراني، وأدت إلى توترات اجتماعية متصاعدة. ويقول: “القيادة الإيرانية تدرك أن الاستقرار الداخلي لا يعتمد فقط على القوة العسكرية، بل على قدرة الدولة على تحسين الظروف الاقتصادية للمواطنين. لذلك من المتوقع أن يحاول مجتبى التوفيق بين مبادئ الاقتصاد المقاوم وبين الحاجة إلى تدفق الاستثمارات والشراكات الدولية، خصوصًا مع القوى غير الغربية مثل روسيا والصين”.
وعن السياسة الخارجية، يؤكد شريعتمدار أن مجتبى خامنئي لن يبتعد كثيرًا عن الخطوط الاستراتيجية التي رسمتها الجمهورية الإسلامية، والتي تتمثل في الاستقلال الاستراتيجي، ودعم حلفاء إيران الإقليميين، ومواجهة الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.
ويقول: “السياسة الخارجية الإيرانية ليست مرتبطة بالشخص فقط، بل بمؤسسات النظام ذاته، وبتوازن القوى داخل الدولة. لذلك من غير المتوقع حدوث تحول جذري في هذه السياسة، مهما تغير المرشد”. ويضيف: “قد يتغير الأسلوب أو التكتيك، مثل الانفتاح على بعض الدول أو توسيع العلاقات الاقتصادية، لكن المبادئ الجوهرية ستظل كما هي”.
وعند التطرق إلى مسألة ما إذا كان مجتبى سيكون متشددًا أم إصلاحيًا، يشدد شريعتمدار على أن هذا التصنيف ثنائي ومبسط للغاية. ويقول: “في إيران لا يمكن تصنيف القيادة بهذه الطريقة. هناك مبادئ ثابتة للنظام، وهناك مساحة للحركة السياسية داخل هذه المبادئ. أي مرشد جديد سيعمل ضمن شبكة مؤسساتية معقدة، ولن يكون حرًا في تغيير السياسات الجوهرية”. ويشير إلى أن مجتبى قد يظهر مرونة أكبر في بعض الملفات الدبلوماسية والاقتصادية إذا كان ذلك يخدم المصلحة الوطنية، لكنه لن يتخلى عن المبادئ الأساسية للنظام.
ويضيف شريعتمدار أن التحدي الأكبر أمام مجتبى لن يكون فقط إدارة الصراع الخارجي، بل إدارة التوازنات الداخلية للنظام. فهناك مؤسسات قوية مثل الحرس الثوري، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، والتيارات السياسية المختلفة، وكلها قوى قادرة على التأثير في القرارات. ويقول: “نجاح أي مرشد يعتمد على قدرته على إدارة هذه التوازنات دون السماح بانقسامات داخل النظام، والفشل في هذا الجانب قد يؤدي إلى توترات داخلية كبيرة، حتى لو كانت القيادة قوية سياسيًا”.
ويشير شريعتمدار أيضًا إلى أن المجتمع الإيراني نفسه تغير بشكل كبير منذ عهد والده، فهناك أجيال جديدة أكثر انفتاحًا على العالم، وأكثر تطلعًا إلى تحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية، مع رغبة واضحة في مزيد من المشاركة والتأثير في السياسات المحلية. ويقول: “إيران اليوم ليست إيران الثمانينيات. هناك مجتمع أكثر تعقيدًا وتوقعات أعلى من الدولة، وهذا يجعل إدارة الشؤون الداخلية أكثر حساسية، ويحتاج إلى قيادة قادرة على الموازنة بين القيم الثورية ومتطلبات الواقع”.
وفيما يخص الملفات الأمنية والعسكرية، يرى شريعتمدار أن مجتبى سيعطي أهمية قصوى للحرس الثوري باعتباره العمود الفقري للنظام، لكنه لن يكون مجرد أداة للسيطرة، بل شريكًا استراتيجيًا في صياغة القرارات الكبرى. ويقول: “الحرس الثوري ليس قوة عسكرية فقط، بل مؤسسة سياسية واقتصادية لها دور محوري في الدولة. أي مرشد جديد سيحتاج إلى دعم الحرس في إدارة الملفات الكبرى، بما في ذلك الحرب والاقتصاد الداخلي، لضمان وحدة القرار الوطني”.
وعن مستقبل إيران في ظل قيادته، يؤكد شريعتمدار أن مسار الدولة سيستمر ضمن إطار المشروع السياسي للنظام، لكن أسلوب الإدارة والتكتيكات قد تختلف. ويقول: “التاريخ السياسي للجمهورية الإسلامية يظهر قدرة النظام على التكيف مع الأزمات، لذلك فإن انتقال القيادة لن يعني بالضرورة تغييرًا جذريًا في مسار الدولة، بل قد يعني أسلوبًا مختلفًا في إدارة المشروع السياسي نفسه، مع مراعاة التحديات الجديدة التي فرضتها الحرب والعقوبات الاقتصادية والتوترات الإقليمية”.

ويشدد شريعتمدار على أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا حقيقيًا لمجتبى، إذ سيتعين عليه تحقيق التوازن بين إرث والده ومتطلبات المرحلة الجديدة، بما في ذلك التعامل مع الضغوط الدولية، والصراعات الإقليمية، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية. ويقول: “مع وصول مجتبى إلى موقع القيادة، أصبح أمامه تحدٍ مزدوج: الحفاظ على إرث والده، وفي الوقت نفسه صياغة رؤية خاصة لمستقبل الجمهورية الإسلامية في عالم سريع التغير”.
ويقول إن مجتبى يمثل جيلًا جديدًا من القيادة الإيرانية، جيلًا نشأ داخل مؤسسات السلطة وليس في قلب الثورة، وهو ما سيؤثر في أسلوب حكمه، خاصة في ظل الحرب والتحديات الدولية والداخلية. لكنه يؤكد أن المبادئ الجوهرية للنظام ستظل قائمة، وأن أي تغييرات ستكون تكتيكية أو أسلوبية أكثر منها جوهرية. ويضيف: “النجاح سيكون في القدرة على التكيف مع التحديات الجديدة، وضمان استقرار الدولة، والحفاظ على وحدة مؤسسات النظام، بينما يواجه العالم المحيط إيران في لحظة تاريخية دقيقة، وهذا يتطلب توازنًا حذرًا بين الإرث الثوري والبراغماتية الواقعية”.
الملف النووي
يرى شريعتمدار أن الملف النووي الإيراني يشكل أحد أهم الأعمدة الاستراتيجية للأمن القومي، وأن التعامل معه لا يقتصر على الأبعاد التقنية، بل يمتد إلى السياسة الإقليمية والدولية.
ويقول: “إيران تعتبر برنامجها النووي حقًا سياديًا لا يمكن التنازل عنه، وهو مرتبط مباشرة بمبدأ الاستقلال الاستراتيجي الذي تبنته الجمهورية الإسلامية منذ الثورة. المفاوضات الدولية حول هذا الملف ليست محاولة لإجبار إيران على التخلي عن قدراتها، بل فضاء لتقنين التعاون الدولي ضمن شروط تحفظ مصالح إيران، وتتيح لها استخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية والتطوير العلمي والتكنولوجي”.
ويرى شريعتمدار أن أي قرار بالعودة إلى المفاوضات أو الانسحاب منها يجب أن يتم وفق تقييم دقيق للمصلحة الوطنية، مع مراعاة الضغوط الدولية والتوازنات الإقليمية، مضيفًا أن المفاوضات يمكن أن تكون أداة استراتيجية لتعزيز موقف إيران العالمي دون التنازل عن برامجها الحيوية.
أما فيما يتعلق بمسألة القنبلة النووية، فيؤكد شريعتمدار أن الجمهورية الإسلامية لم تتخذ قرارًا رسميًا بالسعي نحو السلاح النووي، لكنه لا ينفي أن القدرة على إنتاجه، إذا دعت الضرورة، تبقى جزءًا من الردع الاستراتيجي. ويقول: “المسألة ليست رغبة في الحرب، بل استعداد لضمان الأمن الوطني في بيئة إقليمية مضطربة، حيث تشكل التهديدات الإسرائيلية والأمريكية العامل الرئيسي في تشكيل استراتيجيات الردع. إيران تعتبر القنبلة النووية خيارًا استراتيجيًا يمكن اللجوء إليه في حال تغيّر ميزان القوى بشكل خطير، لكنها في الوقت نفسه تواصل الاعتماد على القوة التقليدية والصواريخ الباليستية والقدرة على إدارة النزاعات بالوكالة”.
ويؤكد شريعتمدار أن أي سياسة نووية مستقبلية ستتخذ ضمن تقييم شامل للمصلحة الوطنية والتوازن الإقليمي، ولن تكون منفصلة عن سياق الأمن القومي والاستقرار الداخلي، وأن القيادة الإيرانية الجديدة تحت مجتبى خامنئي ستنظر إليها من منظور استراتيجي أكثر من كونها خيارًا أيديولوجيًا.
رأي آخر
في سياق موازٍ، يرى الأكاديمي الإيراني مسعود فكري، وهو سياسي إيراني قريب من التيار الإصلاحي، أن تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى جديدًا لإيران يمثل لحظة انتقال حساسة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، ليس فقط بسبب انتقال السلطة من الأب إلى الابن، بل لأن هذا التحول يأتي في مرحلة إقليمية ودولية معقدة تختلف كثيرًا عن الظروف التي تولى فيها والده علي خامنئي قيادة البلاد أواخر الثمانينيات، بعد عقد واحد فقط من الثورة الإيرانية.
ويقول فكري إن وصول مجتبى إلى موقع القيادة يعكس، في جانب منه، تحولًا داخل النظام نفسه من جيل الثورة إلى جيل تشكّل داخل مؤسسات الدولة التي أصبحت أكثر رسوخًا وتعقيدًا.
ويشير فكري إلى أن أول ما سيواجه مجتبى خامنئي بعد تعيينه هو مسألة تثبيت الشرعية السياسية داخل مؤسسات النظام. فوالده علي خامنئي جاء إلى منصب المرشد بعد مسيرة سياسية علنية شملت رئاسة الجمهورية ودورًا بارزًا في مؤسسات الثورة، بينما لم يشغل مجتبى مناصب حكومية رسمية بارزة. ويقول فكري إن هذا الفرق قد يدفع المرشد الجديد إلى التركيز في المرحلة الأولى على تعزيز علاقته بالمؤسسات الرئيسية في الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني، إضافة إلى المؤسسات الدينية والسياسية التي تشكل العمود الفقري للنظام، مثل مجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام.
ويرى فكري أن الاختلاف الأبرز بين مجتبى ووالده يكمن في طبيعة التجربة السياسية لكل منهما. فعلي خامنئي كان جزءًا من الجيل الثوري الذي أسس النظام وخاض تجربة بناء الدولة بعد الثورة، كما عايش الحرب العراقية الإيرانية وما رافقها من تحولات سياسية واقتصادية.
أما مجتبى خامنئي فقد نشأ في ظل دولة مستقرة نسبيًا من حيث المؤسسات، لكنه واجه تحديات مختلفة مثل العقوبات الاقتصادية الطويلة والصراعات الإقليمية والضغوط الدولية. ويقول فكري: “جيل مجتبى لم يكن جيل بناء الدولة بقدر ما كان جيل إدارة الأزمات المعقدة التي نشأت بعد تثبيت النظام”.
ويضيف فكري أن هذه الخلفية المختلفة قد تجعل أسلوب حكم مجتبى أكثر براغماتية في بعض الملفات، خصوصًا الملفات الاقتصادية والدبلوماسية. فإيران اليوم تواجه تحديات اقتصادية كبيرة نتيجة العقوبات الغربية والتوترات الجيوسياسية، وهو ما يفرض على القيادة الجديدة البحث عن أدوات جديدة لإدارة الاقتصاد وتحسين الظروف المعيشية. ويرى فكري أن مجتبى قد يحاول توسيع الشراكات الاقتصادية مع قوى دولية غير غربية، مثل الصين وروسيا، في إطار استراتيجية تقليل الاعتماد على الاقتصاد الغربي.

أما فيما يتعلق بالعلاقة مع الغرب، فيعتقد فكري أن مجتبى خامنئي لن يغير الخطوط الاستراتيجية الكبرى للسياسة الإيرانية، لكنه قد يغير أسلوب إدارتها. ويقول: “العلاقة مع الغرب في الفكر السياسي الإيراني ليست مجرد صراع أيديولوجي، بل جزء من توازنات دولية معقدة. لذلك قد نرى مزيجًا من الصرامة الاستراتيجية والمرونة التكتيكية في تعامل القيادة الجديدة مع الدول الغربية”. ويضيف أن طهران قد تكون مستعدة للدخول في مفاوضات أو ترتيبات دبلوماسية إذا رأت أن ذلك يخفف الضغوط الاقتصادية دون المساس بسيادة القرار الإيراني.
وفيما يخص الملف النووي، يرى فكري أن تعيين مجتبى خامنئي لن يؤدي إلى تغيير جذري في السياسة النووية الإيرانية، لأن هذه السياسة تشكلت عبر عقود طويلة وأصبحت جزءًا من استراتيجية الأمن القومي للدولة. ويقول إن البرنامج النووي الإيراني يُنظر إليه داخل إيران باعتباره مشروعًا علميًا واستراتيجيًا في آن واحد، وأن التخلي عنه ليس خيارًا مطروحًا لدى القيادة الجديدة. ومع ذلك، يتوقع فكري أن يستمر التعامل مع هذا الملف بحذر شديد لتجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع القوى الدولية.
ويشير فكري إلى أن السياسة النووية الإيرانية تقوم على مبدأ الحفاظ على القدرة العلمية والتكنولوجية دون تجاوز الخطوط التي قد تؤدي إلى صدام مباشر مع المجتمع الدولي. ويقول: “إيران تسعى إلى امتلاك المعرفة والقدرة التقنية التي تمنحها موقعًا قويًا في النظام الدولي، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن إعلان امتلاك سلاح نووي قد يفتح الباب أمام صراعات خطيرة في المنطقة”. لذلك يرى أن القيادة الجديدة ستواصل على الأرجح النهج نفسه الذي اتبعته القيادة السابقة، أي تطوير البرنامج النووي مع الحفاظ على هامش دبلوماسي يسمح بالمفاوضات عند الضرورة.
أما فيما يتعلق بمسألة القنبلة النووية، فيوضح فكري أن النقاش داخل إيران حول الردع النووي أصبح أكثر حضورًا، لكنه يشدد على أن القرار النهائي في مثل هذه المسائل لا يرتبط بشخص المرشد وحده، بل بتقييم شامل يشمل التوازن الإقليمي والعلاقات الدولية والتكلفة الاقتصادية والسياسية لمثل هذا القرار.
ويرى فكري أن أحد أهم الاختلافات بين مجتبى ووالده قد يكون في طريقة إدارة التوازن بين المؤسسات داخل النظام. فعلي خامنئي أمضى عقودًا في بناء شبكة علاقات سياسية ودينية واسعة داخل الدولة، ما مكنه من إدارة التوازن بين التيارات المختلفة. أما مجتبى فسيكون عليه بناء هذه الشبكة بنفسه في مرحلة مليئة بالتحديات الداخلية والخارجية. ويقول فكري: “نجاح المرشد الجديد لن يعتمد فقط على سلطاته الدستورية، بل على قدرته على الحفاظ على وحدة مؤسسات النظام ومنع أي انقسامات داخلها”.
ويؤكد مسعود فكري أن تعيين مجتبى خامنئي مرشدًا أعلى يمثل بداية مرحلة جديدة في تاريخ الجمهورية الإسلامية، مرحلة تتسم بتحديات اقتصادية وسياسية وأمنية معقدة. ويرى أن القيادة الجديدة ستسعى إلى الحفاظ على المبادئ الأساسية للنظام، مع محاولة التكيف مع التحولات الدولية والإقليمية. ويقول: “الاختلاف بين الأب والابن لن يكون بالضرورة في الأهداف الكبرى للنظام، بل في أسلوب إدارة هذه الأهداف وفي الأدوات المستخدمة لتحقيقها. وهذا ما سيحدد في النهاية شكل إيران في المرحلة المقبلة”.




