المسؤول الأمريكي السابق لينكولن بلومفيلد: الإدارة استعجلت في إعلان نجاح الهجوم على إيران

المسؤول الأمريكي السابق لينكولن بلومفيلد: الإدارة استعجلت في إعلان نجاح الهجوم على إيران
حاوره: وائل الحجار
في البيت الأبيض في واشنطن، يحرص المسؤولون الكبار في إدارة الرئيس دونالد ترامب، بعناية وإلحاح، على تأكيد “النجاح الباهر” للضربة العسكرية الأمريكية، على منشآت إيران النووية. ليس آخر التصريحات إعلان وزير الدفاع بيت هيغسيث أنها “كانت نجاحا تاريخيا”.
استند هيغسيث إلى مصادر قال إن من بينها تقييمات لوكالة الاستخبارات المركزية والوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة.
وتأتي هذه التقييمات الرسمية عقب جدل واسع في الولايات المتحدة بعد تسريب معلومات استخباراتية زعمت أن الضربات الأمريكية لم تُلحق سوى ضرر محدود بالبرنامج النووي الإيراني، وأدت فقط إلى تأخيره لبضعة أشهر، دون تدمير بنيته الأساسية، بحسب ما نشرته وسائل إعلام أمريكية من بينها “سي إن إن”، في مقابل إعلان القيادة الإيرانية وعلى رأسها المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي تحقيق إيران “انتصارًا” في معركة مع إسرائيل ثم الولايات المتحدة.
وأثار تسريب المعلومات غضبًا كبيرًا لدى ترامب، الذي وجه- على عادته- الاتهامات لوسائل الإعلام، وسارع كذلك إلى اتهام خصومه الديمقراطيين في الكونغرس بتسريب المعلومات السرّية ودعا إلى “محاكمتهم”.
قال ترامب محتدّا خلال قمة حلف شمال الأطلسي في لاهاي: “سي إن إن” حثالة،” إم إس دي إن سي” حثالة، و”نيويورك تايمز” حثالة. إنهم أناس سيئون، إنهم مرضى”. بالنسبة لترامب- كما للمرشد الأعلى-“الانتصار” في هذه الحرب القصيرة، ولكن غير المسبوقة، أمر بالغ الأهمية.
لكن في واشنطن، من يرى أن إعلان مثل هذه الانتصارات لا يزال مبكرًا، وربما يكون مستعجلًا، في مسار يبدو حتى الآن أنه غير واضح لناحية المستقبل الذي قد تسلكه مفاوضات يسعى إليها ترامب- وإيران-، تجنّب الأخيرة مزيدا من الضربات، وتعفي الإدارة الأمريكية من أي حرب، وعد قاعدته الانتخابية بأن لا يخوض مثلها.
السفير الأمريكي السابق لينكولن بلومفيلد جونيور، يعتقد بأن إعلان نجاح الضربة الأمريكية على إيران كان متسرعا جدا.
وبلومفيلد، شغل مناصب حساسة في عهود خمس إدارات أمريكية سابقة، جمهورية وديمقراطية، من بينها، مساعد وزير الخارجية الأمريكي للشؤون السياسية والعسكرية خلال إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، ومساعد نائب وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي (في عهد الرئيس الراحل رونالد ريغان)، ومستشار الأمن القومي لنائب رئيس الولايات المتحدة دان كويل (1991- 1992)، فضلا عن تقلده مناصب في وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون” ومجلس الأمن القومي في عهد ريغان.
لكنه اليوم ينشط بشكل خاص في سياق معارضة الحكومة والنظام في إيران، محتفظا بعلاقات وثيقة مع بعض أجنحة المعارضة الإيرانية المثيرة للجدل، ما دفع بطهران عام 2022 إلى إدراجه ضمن لائحة “سوداء” من 61 مسؤولا عاملا وسابقا أمريكيا بسبب ما تقول إنه دعمهم لجماعة تعدّها طهران “منظمة إرهابية”.
“القدس العربي” حاورت السفير السابق بلومفيلد عن تقييمه للضربة العسكرية الأمريكية على إيران، وعن آفاق المفاوضات الأمريكية الإيرانية المحتملة، ونظرته إلى الواقع السياسي الإيراني.
■ بداية، يرى بلومفيلد أن إدارة ترامب “تسرعت جدا في الحديث عن نجاح الهجوم”.
ويشرح “الرئيس فعل ذلك، فقد شارك في جلسات التخطيط، وكانوا يعلمون أن هذه الذخائر، القنابل التي تزن 30 ألف رطل، وتملك قوة تفجيرية هائلة، أُسقطت على الأهداف المقصودة. لذا، كان من المتوقع أن تلحق ضررًا جسيمًا. لقد قضيت 8 سنوات كمسؤول في البنتاغون قبل فترة طويلة. وفي مثل هذه الحالات، عليك انتظار ما يُعرف بتقييم أضرار المعركة. وقد سمعنا رئيس هيئة الأركان المشتركة يقول إنه من السابق لأوانه معرفة التقييم الدقيق لأضرار المعركة. أفادت وكالة الاستخبارات الدفاعية بأن إيران ربما تكون نقلت بعض موادها الانشطارية (اليورانيوم عالي التخصيب)، وأنهم قد يكونون باتوا متأخرين لبضعة أشهر (في برنامجهم النووي). هذا سابق لأوانه أيضًا”.
ويستطرد “إذا كنت تسأل عن الدمار المادي الذي لحق بالبرنامج النووي الإيراني، فأفترض بأن هناك ضررًا كبيرًا. إلى أي درجة؟ لا أعلم. لا أعتقد بأن أحدًا يعلم. السؤال المرتبط بذلك هو، ماذا عن الأفراد وموظفي الدعم والشاحنات وأنظمة الاتصالات وكل ما يجعل المشروع النووي يعمل؟ أتوقع أن ضررًا كبيرًا حدث أيضًا. ثم، بالطبع، نسمع عن بعض العلماء النوويين الذين استهدفتهم إسرائيل. وهذا أيضًا يعني أن الأشخاص الأكثر علما قد تغيروا. وربما لا يزال هناك من لديه معرفة كبيرة، لكن قيادة المشروع قد رحلت كذلك”.
انقسام
■ لكن هل يعكس الجدل حول المعلومات أو الوثائق الاستخباراتية المسرّبة انقسامًا في المنظومة السياسية الأمريكية؟
■ يقول بلومفيلد “الجواب الصادق هو نعم. الرئيس ترامب، من خلال فوزه في الانتخابات وعودته إلى المنصب، فعل ذلك في وقت تشهد فيه الولايات المتحدة خلافات سياسية داخلية هائلة. أعتقد بأن الرئيس ترامب ساهم جُزئيا في ذلك. والطريقة التي يتحدث بها عن بعض وسائل الإعلام التي لا تتّبع روايته في كل قضية… لقد أهان القنوات الإخبارية وصحيفة “نيويورك تايمز” وآخرين بطريقة حادة. كما تحدث أعضاء إدارته بطريقة حزبية جدًا عن مدى حسن قيادته، وأولئك الذين لم يدعموه أو لم يتحدثوا لصالح قيادته عُدّوا معادين أيديولوجيًا للإدارة. ثم تأتي الشبكة الوحيدة التي تدعم الرئيس ترامب أكثر، “فوكس نيوز”، وتتحدث عن أنه يجب ترشيحه لجائزة نوبل للسلام. هناك الكثير من هذا الكلام الذي لم يكن موجودا في عهود الإدارات الخمس التي عملتُ فيها. لم يكن أي من ذلك ليحدث أبدًا”.
ماذا عن آفاق التفاوض؟ نسأل.. فترامب لا يخفي رغبة في دفع مسار التفاوض مع إيران، لكن واشنطن تطالب طهران بخفض تخصيب اليورانيوم إلى الصفر، فضلا عن وجود ملفات أخرى كبرنامج إيران الصاروخي الباليستي وما بات يعرف بـ”أذرع إيران” في الشرق الأوسط، أو “محور المقاومة”.
اتفاق مع إيران
■ يرى بلومفيلد أن “الرئيس ترامب كانت لديه منذ عام 2016 أو 2017 فكرة التوصل إلى اتفاق مع إيران. لقد رأى ما فعله الرئيس باراك أوباما مع مجموعة الخمسة زائد واحد في اتفاقية 2015 (الاتفاق النووي)، وكان هدفه الانسحاب من ذلك الاتفاق والتفاوض على اتفاق أفضل، وفي رأيه سيكون نصرًا دبلوماسيًا كبيرًا وخطوة مهمة نحو السلام”. ويعتقد المسؤول الأمريكي السابق بأن ترامب ليست لديه “شهية حقيقية على خوض صراع عسكري. هو لا يريد ذلك، وكذلك قاعدته الشعبية. لذا ما زلت أعتقد بأنه يسعى إلى اتفاق ما. السؤال لدينا جميعًا هو: إذا أخذت كلامه بأنه “تم تدمير البرنامج النووي الإيراني”، ونائب الرئيس قال إن السؤال الوحيد هو ما إذا كان بإمكان إيران إعادة بنائه، فما الذي بقي لإيران لتتفاوض عليه؟ لم يتبقَّ شيء، فماذا يمكنها أن تقدم بالمقابل؟ وبنفس الأهمية، ماذا يمكن للبيت الأبيض أن يعرضه على إيران إن قالت: “نَعِد بألا نبني سلاحًا نوويًا أبدًا”؟.
ويضيف “أعتقد بأنه ما زال يريد اتفاقًا يمكنه الترويج له على أنه انتصار دبلوماسي كبير، ولا أعلم ما الذي ستفعله إيران، لكن عليها أن تشعر بالقلق من قوة كل من إسرائيل- بقدرتها على إدخال الطائرات الحربية إلى إيران والخروج منها بأمان- ومن قدرة الولايات المتحدة على التدخل من مسافة بعيدة بقوة تدميرية هائلة”.
نتنياهو وترامب
■ لكن أين تتقاطع سياسات ترامب مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بخصوص إيران؟
■ “مع مرور الوقت، أصبحا أقل اتفاقًا في الرؤية”، فـ”عندما دخل دونالد ترامب عالم السياسة، وكان من نيويورك، شعر بأن كونه المدافع الأقوى عن إسرائيل سيكون خطوة سياسية جيدة. لقد فهم قوة ونفوذ وأهمية المجتمع اليهودي وشعورهم بعدم الأمان، وأراد أن يكون نصيرًا لهم. ولذلك، قدّم دعمًا كبيرًا لنتنياهو. ثم إن بعض ما قام به نتنياهو ربما كان إيجابيًا من وجهة نظر الأمن القومي الأمريكي، كإضعاف “حزب الله” الذي كان ولا يزال مصدر قلق دائم”. (لا يفوت بلومفليد التّذكير بأنه كان المسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية عن ملف الهجوم على “مشاة البحرية” من قبل “حزب الله” في لبنان، (1983)”، وأن “الأمر يحمل طابعًا شخصيًا” بالنسبة له، مع الإشارة إلى أن الهجوم لم يتبنه “حزب الله” ولا إيران رغم كل التلميحات، بخلاف التحقيقات الأمريكية التي تؤكد ضلوع جماعات مؤيدة لإيران في لبنان في شنّه).
لكن بلومفيلد يقول أيضا، إن “نتنياهو لم يلتزم بالمسار الذي كان يود الرئيس ترامب أن يراه. فترامب يريد نهاية سلمية، ويرغب في التوصل إلى اتفاق مع إيران”، و”هناك مسافة فاصلة بين ترامب ونتنياهو”، فالأخير “كان يريد من أمريكا أن تقصف إيران، في حين أن القاعدة التي تدعم ترامب – قاعدة “لنجعل أميركا عظيمة من جدي (MAGA) – كان قد وعدها بأنه لن ينخرط في أي حروب “أبدية” جديدة في الشرق الأوسط”.
ويذكّر بأن ترامب هو “أول رئيس أمريكي يقصف إيران”، لذا فهو يريد “أن تنتهي الأمور بسرعة، وأن تكون لها خاتمة دبلوماسية. أما نتنياهو، فقد تكون رؤيته مختلفة تمامًا؛ فبمجرد أن تنتهي الحرب، ويُعاد الرهائن من غزة، ويتوقف القتال- أو ما يُعرف بـ”النشاط القتالي”، تبدأ الأسئلة داخل إسرائيل: كيف حدث كل هذا؟ وما مسؤولية نتنياهو عن هجوم السابع من أكتوبر الذي شنته “حماس”؟ وإذا خسر السلطة، فسيكون عليه أيضًا مواجهة محاكمة بتهم فساد. لذا، نتنياهو يريد استمرار التصعيد، بينما ترامب يريد إنهاءه”.
ويعتقد بلومفيلد أن حربا واسعة لا تحظى كذلك بتشجيع دولي. فـ”(الرئيس الروسي فلاديمير) بوتين- على الأرجح- يتحدث إلى ترامب، ولا يريد رؤية حرب في الشرق الأوسط؛ هو يفضّل رؤية القوات الأمريكية منشغلة هناك، ولكن دون حرب. والصين لا تريد إغلاق مضيق هرمز؛ لأنها تحتاج إلى النفط والغاز الطبيعي المُسال من إيران، وأيضًا من أبو ظبي وقطر وغيرها. لذلك، أعتقد أن القوى الكبرى تفضل أن تبقى القوات الأمريكية تراقب الشرق الأوسط، لكن دون الدخول في حرب”، بينما “نتنياهو يريد رؤية حملة أوسع ضد إيران”.
المعارضة الأمريكية
■ الحرب التي شنتها إسرائيل على إيران، وأتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية بهجوم، عدّت في أوساط دولية وإقليمية مخالفة لقواعد القانون الدولي.
لكن المسألة لم تقف عند هذا، ففي الولايات المتحدة ثار جدل داخلي أيضا بشأن دستورية اتخاذ ترامب للقرار من دون إعلام الكونغرس الأمريكي بشكل مسبق.
■ ونسأل بلومفيلد عن ذلك تحديدا فيقول: “هذا جدل قائم منذ زمن طويل ولم يُحسم بعد. بدأ بحرب فيتنام مع الرئيس (ريتشارد) نيكسون، بشأن ما إذا كان الكونغرس يملك سلطة إعلان الحرب بموجب الدستور. لم يتبنَّ أي رئيس منذ نيكسون وجهة النظر المطلقة القائلة بأنه لا يمكن أن نخوض حربًا ما لم يوافق الكونغرس. لقد كتبت شهادة لأحد وزراء الدفاع مفادها أنه لو اضطرت إسرائيل لإبلاغ الكنيست قبل حرب عام 1967، التي كانت ضربة مفاجئة، لربما هُزمت. وبعد سماع ذلك من وزير الدفاع (فرانك) كارلوتشي، تراجع الكونغرس”.
■ ويتابع “لكن هناك بروتوكولا معمولا به، حيث يتوقع رئيس اللجنة والأعضاء البارزون في اللجان الرئيسية في مجلسَي النواب والشيوخ، أن يُبلغوا مباشرة قبل أي عمل كبير”. ويرى أنه “من غير المقبول سياسيًا أن يتعرض هؤلاء للإحراج، كأن يكون أحدهم مسؤولًا رفيعًا في الكونغرس، ثم يُطرح عليه سؤال من الإعلام فجأة: “ما رأيك في القنابل التي أسقطها الرئيس للتو على إيران؟”، وهو لا يعلم بالأمر إلا من الإعلام. هذا أمر محرج للغاية وغير مقبول. لذلك، يتم اتباع بروتوكول معين في مثل هذه الحالات”.
كما أنه في العادة، يؤكد المسؤول الأمريكي السابق، “توجد مذكرات قانونية تقول: “هذا هو سبب اضطرارنا للقيام بهذا الآن، ولهذا السبب لم يكن لدينا وقت للتشاور مع الكونغرس. لقد كان هناك خطر وشيك”. هذه الأمور يجب إثباتها. لا أعرف ما الذي حدث تحديدا، وسنعرف لاحقًا”.
الوضع الداخلي في إيران
■ الرّد الإيراني على إسرائيل (ثم على الولايات المتحدة)، كان أحد العلامات الفارقة في هذه المواجهة التي سمّاها ترامب بحرب الأيام الـ12، في إيحاءات تذكّر بالانتصار الذي حققته إسرائيل على الدول العربية عام 1967 في ما عرف في إسرائيل والغرب بحرب الأيام الستة. لكن الفارق كبير بين الحربين، والصواريخ التي أطلقتها إيران على إسرائيل سببت ضررًا كبيرًا أقرّت به الحكومة الإسرائيلية، وعُدّت غير مسبوقة قياسا بحجمها وبالأضرار التي خلّفتها، وبأبعادها السياسية.
في المقابل يوجد من يرى أن النظام في إيران اليوم، بات في موقع أضعف بكثير من قبل رغم الحديث الإيراني عن “انتصار”.
يعقّب بلومفليد على ذلك، بالقول إن “القيادة الإيرانية مهتمة أكثر بالحديث إلى شعبها في الداخل أكثر من اهتمامها بالتواصل مع العالم الخارجي. فهم دائمًا يتفاخرون بأنهم أقوياء وأنهم قاموا بأعمال ناجحة، بينما نحن، نعلم أن ذلك غير صحيح في الواقع”.
ويمضي في شرح تاريخي مسهب، من وجهة نظره عن سياق الأحداث في إيران منذ الثورة، فيقول “لقد أجريت أبحاثًا تعود إلى عام 1979، عندما قدم (المرشد الإيراني الراحل) آية الله الخميني دستوره، حيث نصّ على أن يصبح القائد الأعلى المرتبط بالإمام الثاني عشر من نسل النبي (صلى الله عليه وسلم)، وأن تكون له سلطة أعلى من أي شخص في الحكومة. وقد رفض ذلك العديد من المسلمين المتعلمين الذين كانوا يريدون حكومة حقيقية بعد إسقاط الشاه. هذا أدى إلى انتفاضة كبيرة جدًا عام 1981”.
ويتحدث بلومفيلد عن “مجازر ضخمة” يقول إنها وقعت في إيران مستخدما وصف الـ “إبادة جماعية” لما حدث في ثمانينيات القرن الماضي، و”لم تكشف عنها الأمم المتحدة إلا العام الماضي فقط. ثم كانت هناك جريمة ضد الإنسانية حين أُعدم ما يصل إلى 30 ألف سجين سياسي لمجرد أنهم خالفوا تفسير النظام للإسلام”.
ويضيف “ولهذا السبب، تم تهميش المرجع الديني الكبير في إيران، آية الله العظمى منتظري، الذي كان من المفترض أن يخلف (المرشد الإيراني الراحل آية الله) الخميني بعد وفاته، لكنه أُقصي لأنه اعترض على تلك الانتهاكات وقال: “هذا غير أخلاقي، وسنُذكر كمجرمين.” فهمّشوه وأتوا بـ(المرشد الأعلى السيد) علي خامنئي”.
إيران والسلاح النووي
■ ويشكك بلومفيلد في رغبة إيران الحقيقية بالحيازة على سلاح نووي. يقول “إيران كان لديها 37 عامًا لبناء سلاح نووي، وهذا وقت طويل جدًا. في كوريا الشمالية، استغرق الأمر 13 عامًا، أما في الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي فاستغرق الأمر 6 سنوات فقط خلال ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. لا أعتقد بأن إيران كانت تريد بناء القنبلة. أعتقد بأنهم أرادوا برنامجًا يُشغل الغرب ويُبعده عما كانوا يفعلونه فعليًا”.
وللدلالة على ذلك، يعود إلى المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي معها عام 2015. ويرى أن مسائل مثل البرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي أولوية لدى القيادة في إيران. ويشرح: “حتى أثناء المفاوضات في أوروبا التي أدت إلى الاتفاق النووي، كانت إيران تنفق 50 مليار دولار في سوريا لمحاولة إنقاذ نظام الأسد. وقد تم إخفاء ذلك تحت غطاء مفاوضات ناجحة وسلسة في أوروبا. على طاولة المفاوضات الأوروبية، تم الحديث عن البرنامج النووي فقط، ولكن هناك تم تغيير اللغة بطريقة سمحت لهم بامتلاك صواريخ باليستية، وأيضًا بإنهاء حظر السلاح. واليوم، المسيّرات الإيرانية تُستخدم في أوكرانيا، من روسيا إلى أوكرانيا، وهي موجودة في إثيوبيا، وفي السودان. جميع هذه الأسلحة التي تُستخدم اليوم خرجت من رحم الاتفاق النووي”.
وبالنسبة لبلومفيلد، فإن إيران مسؤولة عن هجوم السابع من أكتوبر عام 2023، الذي شنته حركة المقاومة الإسلامية “حماس”. فعلى الرغم من نفي الإيرانيين- واستطرادا “حزب الله” في لبنان- هذه المعرفة المسبقة، إلا أن للمسؤول الأمريكي السابق نظرة مختلفة.
“نحن لم نحمّلهم المسؤولية المباشرة عن هجوم السابع من أكتوبر، لكن من الواضح أنهم كانوا على علم به، ووافقوا عليه، وكانوا يناقشونه في ذلك اليوم. كانت هناك اجتماعات خلال الأيام التي سبقت الهجوم مع المرشد الأعلى ومع (أمير) عبد اللهيان، الذي كان سابقًا في فيلق “القدس”. كانوا يعرفون”. ويضيف معتمدا على تقارير مصدرها الجيش الإسرائيلي بأن “الأسلحة المستخدمة أسلحة إيرانية”، قبل أن يبدأ “حزب الله” بالتحرك “وبعده أطلق الحوثيون الصواريخ، ثم بدأت الميليشيات العراقية بإصدار تحذيرات. كل هذا كان منسقًا من قبل إيران”.
تغيير النظام؟
إلا أن المسار الذي يرسمه بلومفيلد عن ضعف النظام وقبضته، لا يلتقي بالضرورة مع التقارير الإعلامية الآتية من إيران، ولا سيما من معارضين في الداخل رفض عدد منهم الحرب أو تغيير النظام عبر حرب إسرائيلية-أمريكية.
■ ونسأل بلومفيلد عن علاقاته الوثيقة مع بعض فصال المعارضة في الخارج المثيرة للجدل. “أنت معروف بصلاتك ببعض فصائل المعارضة الإيرانية في الخارج، مثل “مجاهدي خلق”، وأشير أيضًا إلى أن “مجاهدي خلق” متهمة من قبل الحكومة الإيرانية بتنفيذ هجمات إرهابية، وكانت مدرجة سابقًا في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كمنظمة إرهابية. سؤالي هو: فصائل مثل “مجاهدي خلق” أو جماعات مرتبطة بنظام الشاه السابق، هل تملك تأثيرًا حقيقيًا داخل إيران؟ لأنني قرأت نقاشات بين نشطاء إيرانيين، وأفاد كثير منهم، بأنهم يعارضون أي محاولة لتغيير النظام من الخارج أو عبر حرب أمريكية أو إسرائيلية؟”.
يخالف بلومفيلد هذه التقارير. يقول “أدرك النظام الإيراني بسرعة أنه يواجه مشكلة، ليس كثيرًا مع نجل الشاه، لأن رجال الدين والنظام الملكي كانوا دائمًا متواطئين بطريقة ما، ولم يشتكوا أبدًا من رضا بهلوي. لا توجد كتب ضده، ولا أفلام”. ثم يؤكد أن “المجلس الوطني للمقاومة”، (الذي يعدّ واجهة سياسية لـ”مجاهدي خلق”)، هو الأكثر استهدافا من جانب طهران. فـ”هناك كتاب واحد على الأقل يُنشر كل شهر، على مدى العشرين سنة الماضية، وهناك 10 مقالات شهريًا، وآلاف المقالات. إنهم مهووسون بالمقاومة، لأن هؤلاء لا يطعنون فقط في شرعية النظام السياسية، بل يطعنون في تفسيرهم للإسلام، الذي يُشكّل مصدر قوتهم وسلطتهم”.
لذا، يتابع بلومفيلد “وعلى مدى 40 سنة، تم تلقين الشباب الإيرانيين دائمًا أن يقولوا: “نحن لا نحبهم، لا ندعمهم”. لقد غُسلت أدمغتهم بهذه الرسائل، وقيل لهم إن “مجاهدي خلق” قتلوا أمريكيين، وإنهم ماركسيون، وإنهم طائفة دينية، وإنهم قاتلوا إلى جانب صدام حسين خلال الحرب”.
“لكنهم فعلوا ذلك بالفعل، لقد كانوا مع صدام”، نسأله. يرفض بلومفيلد ذلك. “هذا كله كذب بكذب. لم يحدث أبدًا أن منظمة “مجاهدي خلق”، حتى حين امتلكت أسلحة عام 1987، قد قاتلت جنبًا إلى جنب مع صدام حسين. لقد قمت بجميع الأبحاث، وهذا غير صحيح. المشكلة تكمن في أنه حين تم وضعهم على قائمة الإرهاب عام 1997 كمجاملة للرئيس (محمد) خاتمي، حصل ذلك بقرار سياسي من وزارة الخارجية الأمريكية، ولم يُخبَر مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي بذلك. لويس فري (مدير مكتب التحقيقات السابق) سيخبرك بهذا، لم يكن يعلم بذلك. إذاً لم يكن هناك أي نشاط إرهابي. كان اتهامًا باطلًا. توم ريدج، أول وزير للأمن الداخلي، لم يرَ أبدًا أي معلومات عن نشاط إرهابي. بورتر غوس، مدير وكالة الاستخبارات المركزية، لم يرَ شيئًا أيضًا”، “كانت هناك 4 قضايا أمام المحاكم في فرنسا، وبريطانيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، بُرئوا في جميعها. كما حصل استجواب استخباراتي شامل لكل عضو في منظمة “مجاهدي خلق” في ألبانيا. وفي الحقيقة، كانوا في العراق عام 2003، ولم يرتكبوا أي عمل في التاريخ ضد الولايات المتحدة أو غيرها. لم يكن هناك إرهاب”.
مع ذلك، بالنسبة للحكومة في إيران، فإن حركة “مجاهدي خلق” إرهابية ومسؤولة عن مقتل أكثر من 17 ألف إيراني. نسأله: “داخل إيران، شنوا هجمات.. واستهدفوا بعض السياسيين والشخصيات مثل تفجير مقر “الحزب الجمهوري الإسلامي” في بداية الثمانينيات وأهدافًا أخرى. لقد كانوا حركة تمرّد مسلح”.
يقول بلومفيلد “كانوا معارضة مسلحة لمدة 20 سنة، وكانوا دائمًا يستهدفون أهدافًا حكومية. لم يستهدفوا أبدًا المدنيين الأبرياء”.
لكن بمعزل عن دفاع بلومفيلد عن منظمة “مجاهدي خلق”، كيف ينظر إلى الوضع الداخلي في إيران بعد الضربات الأخيرة. هل هو فعلا في موقع أضعف من أي وقت مضى كما يزعم خصومه؟
“نعم، هو كذلك”، ويضيف شارحًا وجهة نظره “كان من المفترض أن يكون (الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم) رئيسي هو الخليفة، لكنه كان متهمًا أيضًا بارتكاب جرائم حرب منذ عام 1988، وقد توفي في حادث تحطم مروحية. والآن يتحدثون عن مجتبى، نجل خامنئي. هذا يشبه تمامًا ما حدث مع الشاه وابنه. أعني، ماذا حدث لمبدأ ولاية الفقيه، حيث يُفترض أن يتولى القيادة أعلم علماء الشيعة؟ ماذا حدث لفكرة المملكة من كربلاء إلى القدس، حيث أنفقوا 50 مليار دولار لتكريم الأضرحة الشيعية في سوريا؟”.
ويرى الدبلوماسي الأمريكي السابق أن ما فعلته إيران ومشروعها على مدى عقود في حال انهيار، فكل ما فعلته، وتحالفاتها والمليشيات المدعومة منها، لم يحصّنها “من الخطر الذي وصل إلى عتبتها”. ويتساءل “إذًا ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ لست متأكدًا، لكنني أعتقد أن بعض الشباب الذين يمسكون بمفاتيح أبواب السجون، أو الذين يحملون السلاح الذي يعتمد عليه رجال الدين الكبار، قد يقولون ببساطة: لماذا أفعل هذا؟ زوجتي تكره هذا النظام. أختي تكرهه. قد يقولون: كفى”، مبديا “الكثير من الثقة في شعب إيران”.
لكن، هل يعتقد بلومفيلد بأن سياسة ترامب تسعى إلى الإبقاء على النظام الإيراني، مع إجباره على الالتزام بالشروط الأمريكية لتجنّب الفوضى مثلما حدث في العراق أو ليبيا، بحسب ما يؤكد محللون؟
يقول المسؤول الأمريكي السابق إن “الإعلام الأمريكي ومجتمع مراكز الأبحاث الأمريكي، لا يزالون يعتقدون بأنه لا يوجد بديل قابل للحياة لهذا النظام. لا يزالون يعتقدون بأن استمرار هذا النظام مرجّح”.
ويضيف “أعتقد بأن الرئيس ترامب نفسه ربما يشعر أنه ينبغي عليه التوصل إلى صفقة مع الفريق الحاكم الحالي في إيران”.
ويعارض بلومفيلد ذلك، داعيا إلى محاسبة قانونية لإيران “على الجرائم التي ارتكبوها”، وعن دورها “في هجوم السابع من أكتوبر”، و”عن كارثة غزة”، مستدركا “نعم على إسرائيل أن تتحمل مسؤوليات كثيرة، لكن إيران كذلك. ونحن لا نفعل ذلك. إذا عقدنا صفقة مع إيران وادّعينا أننا أصدقاء، لا أعرف ماذا أقول حينها”.
الحرب على غزة
■ ماذا عن تأثير الملف الإيراني على غزة، وعن انسداد الأفق السياسي لأي حل عادل في ضوء تشكيك إدارة ترامب في حل الدولتين ودعمها لحكومة نتنياهو؟
يقول بلومفيلد، في انتقاد ضمني لاستهداف إسرائيل المدنيين في غزة، “لسبب ما، شعر نتنياهو بأنه يمكنه العثور على دار ضيافة في طهران، أو مقر فيلق “القدس” في دمشق، أو المبنى في بيروت، التي تؤوي (رئيس “حماس” الراحل إسماعيل) هنية و”حزب الله”. ولكن في غزة، لسبب ما، يجب تدمير كل المنشآت؟ بالنسبة لي، أعتقد أن هذا سؤال سيُطرح. إسرائيل مصدومة. الحرب كانت قاسية عليهم. غزة، أكثر من مصدومة، هناك كارثة إنسانية ضخمة فيها، وقد تسببت في انقسام في الغرب. ولهذا السبب تُهاجم جامعة هارفارد من قبل ترامب”.
ويحمل المسؤولية في ما قال إنه “زعزعة استقرار الغرب” إلى إيران التي “قد فعلت ذلك بنجاح”، لكنه يسأل: “علينا التفكير استراتيجيًا: كيف نهدئ الأمور؟ أعتقد بأننا نهدئ الوضع من خلال إيجاد وسيلة لإنهاء الصراع في غزة. يجب السماح بدخول جهات أمنية تتحدث العربية تحت إشراف الأمم المتحدة مع مساعدات إنسانية. يجب أن يكون لدى إسرائيل مراقبة فعّالة، ويجب أن تدرك أنه سيكون هناك أفراد من “حماس”، لكن إذا استمرّت في معاملة جميع السكان كأعداء، فسوف تحصل على “حماس” مضاعفة عشر مرات. كل شاب وفتى سيكبر ويريد الانتقام لما حدث”.
ويدعو إلى “تشجيع التقارب بين السعودية وإسرائيل”، و”هذا سيتطلب على الأرجح إطارًا دبلوماسيًا”، و”وجود عملية تقول إن على الطرفين (الإسرائيلي والفلسطيني) التمتع بحقوق عادلة ومناسبة، مع وجود ضمانات أمنية. سيكون الأمر صعبًا للغاية، لكنه أفضل بكثير من استمرار هذه الحرب”.




