المسرح الكلاسيكي يخترق فضاء بيروت المفعم بعروض من أحوالنا المعاصرة رفعت طربيه: شكسبير ذهب بعيدا في هاملت… وشخصيته «توزّ» في رأسي منذ 1973

المسرح الكلاسيكي يخترق فضاء بيروت المفعم بعروض من أحوالنا المعاصرة رفعت طربيه: شكسبير ذهب بعيدا في هاملت… وشخصيته «توزّ» في رأسي منذ 1973
زهرة مرعي
بيروت ـ وقف الممثل المخضرم رفعت طربيه وحيداً على خشبة مسرح بيريت مؤدياً شخصية هاملت، متحدياً التآمر الدموي الذي حاصره من أقرب المقربين، ومن كافة المحيطين به. إنها الخيانة والقتل من أجل الاستئثار بالسلطة. هاملت التي أرادها شكسبير تراجيديا محورها الموت، باتت تخصّ حاضرنا العربي المحاصر بالقتل. وإن أحجم هاملت عن القتل دفاعاً عن نفسه وتاجه، فالنار والقتل الجماعي في ربوعنا في ازدهار واضح، وكل قاتل له دوافعه وحماياته الدولية. هاملت أحجم عن القتل؟ والسؤال مطروح استفساراً لماذا لم يفعل؟ والإحالة غالباً ما تكون لما يُسمى بـ«الأخلاقيات». فأين نحن منها اليوم ونار الحقد الصهيوني العالمي تُحرق أطفال غزّة فوق أسرتهم في المشافي؟
بصوت جهوري واثق مسنود إلى تجربة مسرحية مديدة خاصة مع الراحل منير أبو دبس، تنقّل رفعت طربيه على خشبة المسرح مؤدياً هاملت. معبراً عن غضبه من قتل وخيانات بالجملة لحقت به. يتسكع بين الجنون واللاجنون، بين الراوي للأحداث، والعودة للإمساك بزمام شخصيات كثيرة تدور في فلك حياة الأمير المجنون. يصرخ ويغضب ويثور، ممسكاً بشخصية هاملت المثيرة إلى أن ينطق بجملة شكسبير العالمية الوقع «نكون أو لا نكون تلك هي المسألة».
بعد عرض وحيد عشية 17 تشرين الأول/اكتوبر 2019 تزامن مع انتفاضة الشعب اللبناني، مرّت سنوات فارقنا خلالها معد النص وكاتبه المخرج جيرار افيديسيان، عادت «الأمير المجنون» مع المخرجة لينا أبيض. لقاؤها مع رفعت طربيه على المسرح وفي هذا التوقيت بالذات ربما يطلق حماساً لعودة المسرح الكلاسيكي العالمي. ففي حضور رفعت طربيه على خشبة مسرح بيروت حالة فنية لا شك تفتقدها أجيال من المتخصصين بالمسرح في لبنان. «الأمير» الوحيد على المسرح قدم تقنيات تمثيل نفتقدها وربما لا نعرفها. وكاتب النص الراحل افيديسيان حمّل الممثل الوحيد حملاً كبيراً، وتركه يمسك رأسه بكلتا يديه حين تبدأ الشخصيات المتعددة في المسرحية اختراق مخيلته، حتى لتكاد تفقده الصواب.
عرض مشهود بقدرات رفعت طربيه، وابتكارات واضحة في سينوغرافيا المسرح للينا أبيض، قد يحتاجها مسرح الممثل الواحد، مخرجة عرفناها بعروض إنسانية واجتماعية مؤثرة كما «ما فينا ندفع..ما لح ندفع»، كانت مع تجربة جديدة ولجمهور عريض في إطار المسرح الكلاسيكي.
هنا حوار مع رفعت طربيه:
○ عادت مسرحية «الأمير المجنون» بعد عرض يتيم سنة 2019 تزامن مع شرارة الثورة. ماذا تقرأ في عودة العروض إثر انفكاك ملحوظ لعقد سياسية لبنانية؟
• مسرحية هاملت بحد ذاتها ثورة. هاملت إنسان سُرق تاجه، وسُرقت دولته، وتعرّض لتآمر من جهات مختلفة، بدءاً من والدته، وعمه وحاشية القصر وسواهم. برأيي هي مرحلة تمثّل حال لبنان. هاملت مسرحية تعنينا لبنانياً، وتعني كلّ إنسان في كل زمان ومكان، وليس لي الإقرار بتزامن حاضر أو ماض لها مع واقعنا اللبناني. فهي في الواقع دائمة التزامن مع مشاكل الإنسان بما فيها المشاكل الوجودية. وتزامن افتتاحها مع عشية شرارة ثورة 17 تشرين الثاني/نوفمبر2019 صدفة. كنّا في المسرح، وكان العرض الأول، وخلاله بدأت تصل أخبار الثورة تباعاً، أنهينا العروض، وألغيت الحوارات التلفزيونية المقررة سلفاً، إذ التحقت الكاميرات بالساحات، ونحن بدورنا كفريق مسرحي ألتحقنا بهم، ولحقت الحجارة برؤوسنا وعدنا إلى منازلنا.
○ ولماذا الآن العودة إلى «الأمير المجنون»؟
• أعتبر شخصياً ومع العهد الجديد، وخاصة مع وجود رئيس الحكومة القاضي نوّاف سلام، بأن الثورة انتصرت. وقررت أن أكون مساهماً أساسياً في إعادة الحياة الثقافية للبنان. لهذا كان القرار بعرض «الأمير المجنون» في هذا الظرف السياسي والوطني. للأسف غادرنا المخرج جيرار افيديسيان، لكن المخرجة لينا أبيض تولّت المهمة بمهنية فنية عالية، كما هو مشهود لها، وكانت لها لمساتها الخاصة وهذا طبيعي. إنها تحية لروح جيرار افيديسيان، كان وسيبقى أحد كبار المسرحيين اللبنانيين. لقد سجّل جيرار في ترجمته واقتباسه لمسرحية «الأمير المجنون» سبقين عالميين، الأول في تحويله مسرحية من 25 ممثلاً إلى مسرحية الممثل الوحيد، محتفظاً بالمناخ والنص الشكسبيري. ويبقى السبق الأكبر منذ العرض الأول لمسرحية هاملت، أنه لم يلعبها ممثل تخطى عمر الـ30 سنة. وفي بيروت لعبها ممثل بعمر الـ76 سنة.
○ العمر الطويل أستاذ طربيه.
• شكراً.
○ «الأمير المجنون» مسرحية شكسبيرية تضجّ بالخيانة والمكائد والقتل طمعاً بالسلطة. أين نحن منها في لبنان والعالم العربي؟
• وماذا لدينا غير الخيانة والقتل والدمار سواء في لبنان أو في المحيط العربي من سوريا إلى العراق وفلسطين؟ إنه الدم والسفك والقتل والغدر والخيانة. مسرحية هاملت أصابت عالمنا العربي بالتمام والكمال.
○ وهل كنت مع هاملت بدون تصرّف؟
• بل مع القليل من التصرّف لأنها تحولت كما سبق القول إلى مسرحية الممثل الواحد. تضمّنت قليلاً من الحكواتي في تسهيل لترابط السياق الدرامي، إنما المشاهد الأساسية في هاملت بقيت هي نفسها، كمقطع «نكون أو لا نكون» الذي يشكل لبّ هذه المسرحية، فلم تتغير فيه أي كلمة.
○ في صلب النص الشكسبيري لهاملت إشكالية الثأر. ماذا تقول حيال الثأر بين الزمن الشكسبيري وحاضرنا حيث للدول ثأرها بتدمير بلدان وإبادة شعوب؟
• شكسبير يحاكي الإنسان في كل مكان وزمان، ومن هنا قيمته العالمية الكبيرة. هو حال كبار الكتّاب المسرحيين من سوفوكليس وسواه. ولهذه الدرجة هو يعني الإنسان في كل مكان وزمان. وليس بالضرورة أنه يخاطب فقط قضايا الثأر والانتقام والغدر، بل هو يخاطب أيضاً القضايا الوجودية. إنه يخاطب الموت وما وراؤه، وهو التساؤل الإنساني الكبير الذي يطرحه كل منا على نفسه يومياً. لقد ذهب شكسبير بعيداً في هاملت. ويومياً أكتشف أن كل كلمة يقولها، يمكننا أن ندافع عنها كممثلين على الخشبة لشدة غناها. يتناول شكسبير موضوعات تعني البشرية جمعاء وبدون أية حدود. والمفارقة أن هاملت لُعبت في خلال الحرب العالمية الثانية في وسط برلين، وهاملت الإنكليزي هو عدو ألمانيا، لذلك يتخطى شكسبير كل الحدود وفي كل زمان ومكان، لأنه يخاطب الإنسان بالمطلق.
○ هل شعرت بتحدي أن تلعب وحيداً كافة الأدوار التي تضمنها «الأمير المجنون»؟
• بالتأكيد التحدي موجود، وهو شخصي قبل أن يكون مع أحد آخر. وأشير أنني بدأت حياتي المسرحية بنص هاملت، وكان ذلك سنة 1973 مع الأستاذ منير أبو دبس، من ضمن برنامج كبار في الزمان على شاشة تلفزيون لبنان. لعبت دور هاملت في بداياتي، ومنذ ذاك التاريخ وهذه الشخصية «تَوِزُّ» في رأسي وتساؤلاتي لا تتوقف. مسرحية عصية على الزمن ولا يحدّها الوقت. اليوم أعود إلى هاملت وعلى المسرح في بيروت، ولست في تحدٍ سوى لذاتي، وأهل المسرح يعرفون أن هاملت شخصية لُعبت من كبار ممثلي العالم. إلى هؤلاء أنظر، وأقارن بين حضوري وحضورهم.
○ وماذا تقول لجيرار افيديسيان حيث هو؟
• جيرار حيث أنت حبيب قلبي، يجب أن تعرف أننا حين قدمنا هاملت معاً كان حلمنا كبير، وكنّا نرغب بإيصال هذه المسرحية إنما الظروف عاندتنا. «تكرم» عيونك هاملت من جديد قُدّمت في بيروت عاصمة الثقافة العربية.
○ كيف وقع الاختيار على المخرجة لينا أبيض لتوجِّها معاً التحية لجيرار افيديسيان؟
• أعتبر لينا أبيض من كبار المخرجين في لبنان حالياً.
○ «نكون أو لا نكون» الجملة العالمية لمن تقولها الآن تنبيهاً؟
• يضحك ويقول: أقولها لذاتي قبل أي شخص آخر، انتبه «تلك هي المسألة».
○ مرّ زمن لم نشهد عرضاً مسرحياً بالعربية الفصحى. كيف تصف مشاعرك وأنت تنطقها على الخشبة؟
• لندن عاصمة المسرح في العالم وإلى حينه يُلعب مسرح شكسبير باللغة التي كُتب فيها، وهي الإنكليزية القديمة. هي لغة تقابلها اللغة الفصحى العربية. قارنت بين الترجمة العربية الفصحى والترجمة الفرنسية وخاصة تلك التي نفّذها فكتور هوغو، فوجدت العربية أهم بكثير من الترجمة الفرنسية. في حياتي المسرحية لعبت أكثر من 10 مسرحيات لشكسبير. وأردد دائماً لو كان شكسبير يجيد العربية لكتب مسرحه بهذه اللغة. لغتنا الفصحى تتميز بامكانات فائقة وتخدم مسرح شكسبير.
○ بعد أن لعبت دور هاملت وأنت في سبعينيات العمر هل شعرت بالاكتفاء أو الامتلاء كممثل؟
• بالطبع. دور يُدغدغ كافة الأحاسيس والعواطف والمخيلة. مسرح فيه تنكر وخيال ودجل ورقص وملهاة ووهم. شكسبير هو المسرحي الشعبي بامتياز من بين كافة مسرحيي العالم. كان شكسبير يقدّم مسرحه في الساحات العامة، وجمهوره هم الباعة المتجولون من بائع السمك والدجاج والنساء الممسكات بأطفالهن، وقاصدي أشغالهم من العمّال. اشتغل شكسبير بقوة على النصوص المسرحية وعلى إيصال نصه، وهنا تكمن أهميته. ومن هنا أعتقد بأنه على الممثل الشكسبيري أن لا يتفلسف في تقديم أي دور، فشكسبير قام بكامل واجباته ككاتب.
○ سمعتك عاتباً على بيروت الثقافة والإقبال المتواضع على عرض مسرحي عالمي. هل تغيرت ذائقة الجمهور برأيك أم ماذا؟
• طبيعي. لم يعد بإمكان الفتاة اللبنانية أن تجد عريساً، كافة المثقفين اللبنانيين باتوا خارج لبنان، يمكنها البحث عن عريس في الخليج العربي، أو أوروبا أو كندا أو سواها من بلدان الهجرة الدائمة. غادر الجميع وبقي في لبنان أصحاب المطاعم، ومحطات البنزين.
○ لنأخذ بالاعتبار دخل الفرد المحدود لبنانياً؟
• ليس من مشكلة في تقديم بطاقة لمن لا يملك ثمنها.
○ من سيرة بيروت نسألك تسمية أمر واحد فقط تحنّ إليه من أيام زمان؟
• أحنُّ لبيروت.
○ صوتك حزين؟
• نعم. أحب بيروت الحلوة الحبيبة. بيروت تلك بقي منها «كم حجر وكم زهرة». بيروت التي سرحنا ومرحنا فيها وحلمنا وقدمنا المسرح، بيروت الحريات والثقافة والعطاء والإنفتاح. وبيروت التعصّب وبيروت المجرمة والجاحدة، خلصت.
«القدس العربي»:




