تحقيقات وتقارير

المغرب: توجهات السياسة الخارجية نحو تكريس البعد الأفريقي

المغرب: توجهات السياسة الخارجية نحو تكريس البعد الأفريقي

الطاهر الطويل

تقوم المقاربة المغربية على توسيع الحلفاء داخل أفريقيا، وخلق مصالح اقتصادية مشتركة، وربط الأمن الإقليمي باستقرار المغرب ووحدة أراضيه.

الرباط ـ : جعل المغرب من تكريس انتمائه الأفريقي عنصرًا أساسيًا في استراتيجيته الخارجية التي تقوم على أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية، كما تستحضر قضية الصحراء الغربية باعتبارها «المنظار الوحيد» الذي تقيس به الرباط «صِدق الصداقات ونجاعة الشراكات».
وشكّلَ احتفال الخارجية المغربية، منذ أيام، بـ«يوم أفريقيا» فرصة لاستحضار «الركائز الخمس» لهذا البعد الأفريقي، والمتمثلة في سياسة الانتماء والتفاؤل والثقة، والنهج الشامل في السياسة الخارجية، وتبادل الخبرات مع الدول الأفريقية، وإطلاق مبادرات إقليمية كبرى.
وقال ناصر بوريطة، وزير الخارجية، خلال الاحتفال نفسه «إن المغرب جزء لا يتجزأ من أفريقيا، ولا يمكن تصور أفريقيا بدون المملكة المغربية التي ينص دستورها على المكون الأفريقي كركيزة أساسية للهوية المغربية».
وأضاف أن الرباط لا تنظر إلى أفريقيا كمجرد منطقة مجاورة أو خيار استراتيجي ظرفي، بل كجزء لا يتجزأ من هويتها. واستحضر ما جاء في خطاب العاهل المغربي محمد السادس أمام القمة الثامنة والعشرين للاتحاد الأفريقي، سنة 2017 في أديس أبابا: «أفريقيا قارّتي ووطني».
ومنذ العودة الرسمية للمغرب إلى الاتحاد الأفريقي خلال السنة نفسها، انتقلت الرباط من منطق الدفاع الدبلوماسي إلى منطق بناء النفوذ عبر التعاون الاقتصادي والأمني والديني والتنموي.
وفي هذا الصدد، تقوم الرؤية المغربية تجاه أفريقيا على سياسة شاملة تغطي عدة مجالات، دبلوماسية واقتصادية وأمنية وعسكرية وروحية وإنسانية. وقد وقّع المغرب ما يقارب 1800 اتفاقية ثنائية مع دول أفريقية، وفق مصدر رسمي. كما يعطي هذا البلد الأولوية لنهج قائم على التنمية المشتركة وتبادل الخبرات، إذ يشارك خبراته ومعارفه مع الدول الأفريقية الأخرى، مع الاستفادة من الدروس اللازمة من تجاربها التنموية المتنوعة. وفي هذا السياق، أوضح وزير الخارجية المغربي أن أكثر من 1200 من المهنيين الأفارقة يشاركون سنويًا في برامج بناء القدرات هذه من خلال أكثر من 100 دورة تدريبية.
وتقوم المقاربة المغربية على فكرة أساسية، مفادها أن قضية الصحراء لا تدار داخل أروقة الأمم المتحدة فقط، بل أيضا عبر توسيع الحلفاء داخل أفريقيا، وخلق مصالح اقتصادية مشتركة، وربط الأمن الإقليمي باستقرار المغرب ووحدة أراضيه.
وسبق للمغرب أن استضاف، بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، «المؤتمر الأفريقي الأول للتنمية البشرية»، ساعيا إلى تحقيق طموحه في تعزيز التنمية البشرية العالمية المتوازنة والمتناغمة، من خلال تعزيز التعاون بين بلدان الجنوب وتنفيذ الالتزامات التي تم التعهد بها في مختلف المحافل الدولية، ولا سيما تلك المتعلقة بالأهداف الإنمائية للألفية.
وفي هذا الإطار، أطلقت الرباط عددًا من المبادرات الإقليمية لدعم تنمية القارة الأفريقية واستقرارها، من ضمنها على وجه الخصوص «مبادرة ميناء الداخلة الأطلسي» ومشروع «خط أنابيب الغاز» بين نيجيريا والمغرب الذي يضم ثلاث عشرة دولة أفريقية على ساحل المحيط الأطلسي. وصار المغرب المُصدِّر الرئيسي للسيارات في أفريقيا، فضلًا عن كونه المُصدِّر الأفريقي الرئيسي للفوسفات، يضاف إلى ذلك أن ميناء «طنجة المتوسط» يشكل​ الميناء الرئيسي للحاويات في القارة.
ومما يعزز آفاق هذا التوجه الاقتصادي بشكل إيجابي، التقارير التي تصدر عن مؤسسات رسمية، فقد أفاد تقرير جديد للبنك الأفريقي للتنمية، صدر منذ أيام قلائل، حول «مؤشر التصنيع في أفريقيا لعام 2025» بأن المغرب أصبح «أول اقتصاد صناعي في القارة الأفريقية»، متجاوزًا بذلك دولة جنوب أفريقيا، ويعزى هذا الأداء إلى ارتقاء مستدام في القيمة الصناعية، وتنويع الصادرات، واعتماد سياسة صناعية قوية وناجعة.
على مستوى التعليم والتدريب، أصبح المغرب مركزًا تدريبيًا للشباب الأفريقي. كما أن أكثر من 60 ألف طالب أفريقي يتابعون حاليًا دراساتهم العليا في المغرب من خلال برامج التعاون. وخصصت الرباط 5500 منحة دراسية للدول الأفريقية للعام الدراسي 2025-2026.
أما في ما يخص المحور الأمني المرتبط بالقارة الأفريقية، فيشارك المغرب في عمليات حفظ السلام، مؤكدًا التزامه بوحدة أراضي الدول الأفريقية واستقرار القارة. كما يؤمن بأن الاستقرار في أفريقيا يظلّ ركيزة أساسية للتنمية، وأنه يجب أن يقوم على الشراكة والتعاون والثقة، علاوة على ذلك فاستقرار القارة يعتمد أيضًا على مكافحة الحركات الانفصالية والإرهاب وشبكات الجريمة المنظمة، وفق الرؤية المغربية.
ويرى باحثون في العلاقات الدولية وتدبير النزاعات أن «حضور المغرب في المسار الأممي لحفظ السلام يعزز نفوذه ويحمي مصالحه الحيوية في سياق إقليمي ودولي يتسم بحالات عدم الاستقرار، ويثبت قدرة الدبلوماسية الأمنية المغربية على حماية التوازنات الإستراتيجية في المحيط الإقليمي والمجال الأفريقي»، مبرزين أن «الرباط تمكنت من نيل موقع يضعها جسرًا بين منطق الأمن الصلب ومنطق الاستقرار التنموي».
وبمناسبة «اليوم الدولي لحفظ السلام» الموافق لـ 29 أيار/مايو من كل سنة، الذي أقرّته الجمعية العامة للأمم المتحدة، نقلت صحيفة «هسبريس» الإلكترونية عن باحثين قولهم: إن جهود المغرب في حفظ السلام تعكس انتقالاً تدريجيًا من دبلوماسية «المشاركة» إلى دبلوماسية «الهندسة المؤسساتية»، وبذلك «لم تعد الرباط تسعى فقط إلى الحضور داخل المنظومة الأممية، بل إلى المساهمة في صياغة أولوياتها، خصوصًا في القضايا الأفريقية».
ويقود ناصر بوريطة، وزير الخارجية المغربي، هذا التوجّه عبر تحركات مكثفة في أفريقيا جنوب الصحراء، سواء من خلال الزيارات الثنائية، أو عبر استضافة وزراء أفارقة في الرباط، أو الدفع بمشاريع تعاون جنوب ـ جنوب. ويتمخض عن هذه التحركات توقيع اتفاقيات اقتصادية ومشاريع بنكية وزراعية وطاقية وتعاون أمني وديني.
ومن ثم، يرى مراقبون أن الدبلوماسية الاقتصادية الأفريقية صارت أكثر نجاعة من الخطاب السياسي التقليدي، إذ حققت مكاسب دبلوماسية مهمة، من أبرزها تزايد عدد الدول الأفريقية التي فتحت قنصليات في مدينتي العيون والداخلة في الصحراء الغربية، واتساع دائرة الدول الداعمة لخطة «الحكم الذاتي» المغربية، إذ إن ما يقرب من ثلثي الدول الأفريقية تدعم هذه المبادرة، التي تبناها مجلس الأمن الدولي في قراره رقم 2797.

«القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب