النعمان.. قرية فلسطينية بين الجدار والقيود وحق البقاء في القانون الدولي

النعمان.. قرية فلسطينية بين الجدار والقيود وحق البقاء في القانون الدولي
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
تقف قرية النعمان، المعروفة أيضاً بخلة النعمان، شمال شرق بيت لحم وجنوب شرق القدس، أمام واقع جغرافي وقانوني شديد التعقيد، فرضه جدار الفصل والقيود الإسرائيلية على الحركة والبناء والخدمات، بعدما أُلحقت المنطقة بالحدود التي رسمتها سلطات الاحتلال لبلدية القدس، في حين بقي سكانها يحملون الهويات الفلسطينية.
وقد أدى هذا الوضع إلى فصل القرية عن محيطها الطبيعي في بيت لحم، وتحويل حاجز مزموريا إلى منفذ شبه وحيد للحركة، وفق قوائم أسماء وإجراءات أمنية تحد من دخول غير السكان، بما في ذلك الأقارب والزوار والصحفيين، بحسب شهادات سكان وتقارير إعلامية وحقوقية.

وتتجاوز القضية حدود الإجراءات الإدارية إلى أسئلة تتصل مباشرة بالقانون الدولي الإنساني وقانون الاحتلال. فوفقاً لقواعد الاحتلال المنصوص عليها في لوائح لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، لا تمنح السيطرة العسكرية دولة الاحتلال سيادة على الإقليم المحتل، وتبقى حماية السكان المدنيين وممتلكاتهم واحتياجاتهم الأساسية من الالتزامات القانونية الواقعة على القوة القائمة بالاحتلال.
وفي رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024، أكدت محكمة العدل الدولية أن الضفة الغربية والقدس الشرقية جزء من الأرض الفلسطينية المحتلة، وخلصت إلى أن المستوطنات الإسرائيلية ونظامها المرتبط بها أُنشئت وتُحافظ عليها في انتهاك للقانون الدولي. كما تناولت المحكمة القيود المفروضة على حركة الفلسطينيين وهدم الممتلكات بسبب عدم الحصول على تراخيص، وخلصت إلى أن جملة من هذه التدابير تنطوي على تمييز محظور بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان.
وفي السياق ذاته، اعتبرت المحكمة أن سياسات وممارسات تشمل الجدار والمستوطنات والبنية التحتية المرتبطة بها وتدابير ترسيخ السيطرة على الأرض الفلسطينية تؤدي إلى آثار تمس سلامة الإقليم الفلسطيني وحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. كما ربطت المحكمة بين استمرار هذه السياسات وبين إدامة واقع السيطرة والضم الفعلي لأجزاء من الأرض المحتلة.
وتكتسب قضية البناء والهدم في النعمان أهمية خاصة من منظور القانون الدولي؛ إذ لا يجوز أن تتحول القيود العمرانية أو رفض تراخيص البناء إلى وسيلة تؤدي عملياً إلى دفع السكان إلى مغادرة أماكن إقامتهم. وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن التدابير التي تؤدي إلى نقل السكان الفلسطينيين قسراً، بما في ذلك التدابير التي تخلق بيئة تدفعهم إلى الرحيل، تثير أحكام المادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة.
كما أن حماية الملكية الخاصة للسكان المدنيين تشكل مبدأ أساسياً في قانون الاحتلال، ولا يجوز تدمير أو مصادرة الممتلكات إلا في الحدود التي يجيزها القانون الدولي وبشروط صارمة.
ومن هنا، فإن قضية النعمان ليست مجرد مشكلة خدمات أو حركة مرور عبر حاجز، بل قضية تتقاطع فيها حماية المدنيين، وحق الملكية والسكن، وحرية الحركة، ومنع النقل القسري، وعدم التمييز، والحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية وحق شعبها في تقرير مصيره.

ويبقى تمسك أهالي النعمان بأرضهم ومنازلهم، رغم القيود والصعوبات، تعبيراً عن حق مدني وإنساني لا ينبغي أن يتحول إلى رهينة للواقع المفروض على الأرض. وتستدعي قضيتهم معالجة قانونية ومؤسساتية تستند إلى قواعد القانون الدولي، وتضمن حماية السكان المدنيين وممتلكاتهم وحقوقهم الأساسية، بعيداً عن أي إجراءات من شأنها تكريس واقع دائم على الأرض المحتلة.




