«النووي الإسرائيلي» إلى الواجهة: تفعيل «خيار شمشون» ليس مستحيلاً

«النووي الإسرائيلي» إلى الواجهة: تفعيل «خيار شمشون» ليس مستحيلاً
لا تتمنّع إسرائيل عن «التباهي» بـ«التقدّم» في ترسانتها النووية، في وقت تخوض فيه هي والولايات المتحدة حرباً ضدّ إيران بهدف منعها من امتلاك سلاح نووي. وتسلّط هذه المفارقة الضوء على التستّر الأميركي التاريخي حول هذا الملف.
مع وصول الحرب على إيران إلى طريق مسدود، ومجاهرة إسرائيل علناً، بما في ذلك عبر إذاعاتها المحلية، بترسانتها النووية، التي دأبت الإدارات الأميركية المتعاقبة على التستّر عليها، تزداد الحرب التي بدأت بذريعة منع طهران من امتلاك سلاح نووي، يوماً بعد يوم، افتقاراً إلى الشرعية. وفي هذا السياق، يتساءل توم ساوير، وهو أستاذ في السياسة الدولية في «جامعة أنتويرب» في بلجيكا، في حديث إلى وكالة «الأناضول»، حول «مدى شرعية محاولة إسرائيل – التي لم توقّع قطّ على معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وتملك هي نفسها أسلحة نووية (رغم أنها لم تعترف بذلك أبداً) – منع دولة أخرى من امتلاك هكذا أسلحة؟». وفي محاولة لإجابة تساؤله، يشير ساوير إلى أنه من وجهة النظر الإسرائيلية، يبدو واضحاً أن تل أبيب تسعى إلى الحفاظ على احتكارها النووي في الشرق الأوسط، وهو ما «لا يمكن أن يستمرّ من منظور إقليمي»، باعتبار أن «الانتشار يولّد الانتشار». وإذ يُعدّ واحداً من الأسباب الرئيسَة لامتلاك إيران برنامجاً نووياً يمكن استخدامه لأغراض عسكرية، تخوّف الأخيرة من «القنبلة الذرية الإسرائيلية»، فإنه في حال تحوّلت الجمهورية الإسلامية إلى دولة نووية، فمن المُرجّح أن تسارع دول أخرى في الشرق الأوسط إلى القيام بالمثل، بدءاً من السعودية، التي عزّزت أخيراً علاقاتها مع باكستان، الدولة المسلّحة، بدورها، نووياً. وعليه، فإن الحلّ لا يكمن في الحفاظ على الاحتكار النووي الإسرائيلي، بل إقامة «منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل»، بحسب المصدر نفسه.
وتصاعدت، في الآونة الأخيرة، التحذيرات من تلك السيناريوات، بما في ذلك في أوساط المشرّعين الأميركيين، الذين نظروا، لعقود، إلى المسّ بالقضية النووية الإسرائيلية على أنه «من المُحرّمات» في السياسة الأميركية. وفي سابقة من نوعها، أفادت صحيفة «واشنطن بوست»، بداية الشهر الجاري، بأن مجموعة من الديمقراطيين في مجلس النواب تحثّ إدارة دونالد ترامب على الاعتراف علناً ببرنامج الأسلحة النووية الإسرائيلي غير المُعلَن، والذي بقي، منذ أواخر الستينيات، «سرّاً معلوماً» في أوساط صنّاع السياسة الأميركيين. وطالب النواب، الإدارة، بإعداد تقييم للمخاطر التي قد تتعرّض لها القوات الأميركية المشارِكة في الحرب في حال استخدمت إسرائيل الأسلحة النووية، منبّهين إلى أن الحرب على إيران بات يُنظر إليها على أنها أقلّ شرعية في العالم بسبب تورّط إسرائيل فيها. كذلك، اعتبر المشرّعون أن مخاطر سوء التقدير والتصعيد والاستخدام النووي في هذه البيئة «ليست نظرية»، مشيرين إلى أن «الكونغرس يتحمّل مسؤولية دستورية تتمثّل في أن يكون على علم تامّ بالتوازن النووي في الشرق الأوسط، وخطر التصعيد من قبل أيّ طرف في هذا الصراع، وتخطيط الإدارة وحالات الطوارئ لمثل هذه السيناريوات».
يعود أصل الصمت الأميركي حول البرنامج النووي الإسرائيلي إلى اتفاق غير رسمي بين نيكسون ومائير
وبحسب «واشنطن بوست»، تُعدّ هذه الرسالة أحدث علامة على التحوّل في نهج الحزب الديمقراطي تجاه إسرائيل، وذلك في خضمّ الإحباط المتزايد إزاء سياسات الأخيرة في غزة والضفة الغربية ولبنان، وممارستها ضغوطاً بارزة في واشنطن من أجل خوض الحرب على إيران. وتنقل الصحيفة عن الأستاذ في «معهد ميدلبوري للدراسات الدولية» ومؤلف كتاب «إسرائيل والقنبلة»، أفنير كوهين، قوله إن الرسالة تكسر محظوراً استمرّ لأكثر من نصف قرن، وإنه «حتى مجرّد طرح هذه التساؤلات علناً يُعدّ خروجاً عن الأعراف الحزبية». ويذكّر بأن أصل الصمت الأميركي والإسرائيلي في شأن البرنامج النووي لتل أبيب، يعود إلى اتفاق غير رسمي بين الرئيس الأميركي، ريتشارد نيكسون، ورئيسة الوزراء الإسرائيلية، غولدا مائير، عام 1969، منوّهاً إلى أنه «لم يكن بإمكان إسرائيل وحدها الحفاظ على هذه السياسة لعقود من دون الولايات المتحدة».
تباهٍ علني
في تقرير عنونته بـ«يجب على واشنطن أن توقف نفاقها حول أسلحة إسرائيل النووية»، تنوّه مجلة «علماء الذرة» إلى السلسلة الوثائقية الإسرائيلية «أنا والذرة»، التي نشرتها إسرائيل على امتداد ثلاث حلقات منذ عدّة أشهر، والتي تعطي نظرة غير مسبوقة على مساعي تل أبيب لامتلاك السلاح النووي، وتسلّط الضوء على عمليات شملت سرقة متفجرات ومكوّنات قنابل من الولايات المتحدة، وانتهاك معاهدات الحدّ من التسلح. وتكشف السلسلة عن التاريخ السري للترسانة النووية الإسرائيلية، وذلك من خلال مقابلات سُجّلت قبيل وفاة بنيامين بلومبرغ، رئيس جهاز «لاكام»، وهو جهاز استخبارات علمي بلغت درجة سرّيته حدّ إخفاء عملياته عن جهاز «الموساد» نفسه، في حين يستمرّ المسؤولون الأميركيون في التزام الصمت التام رغم ثبوت عمليات التجسّس وانتهاك المعاهدات من جانب حليفهم الأبرز.
وتفصّل «أنا والذرة» عدة عمليات استخباراتية سرّية بارزة نُفّذت على الأراضي الأميركية خدمةً للبرنامج النووي الإسرائيلي بشكل مباشر. وشملت هذه العمليات سرقة «يورانيوم-235» العالي التخصيب والصالح لصناعة الأسلحة، من منشأة «نوميك» في بنسلفانيا في الستينيات، جنباً إلى جنب تهريب المئات من مفاتيح التشغيل النووية العالية السرعة (الكريترونات) في الثمانينيات بتدبير من الجاسوس الإسرائيلي والمُنتِج الهوليوودي أرنون ميلتشان. أمّا أخطر ما تسلّط الضوء عليه، فهو التجربة النووية الإسرائيلية عام 1979 في البحار قبالة جنوب أفريقيا، والتي اختبرت المرحلة الانشطارية الأولى لسلاح «ثرمونووي» (هيدروجيني)، ما شكّل، آنذاك، انتهاكاً صريحاً لمعاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية لعام 1963 التي تُعدّ إسرائيل طرفاً موقّعاً عليها. كذلك، تُبرِز السلسلة حجم الهيمنة والنفوذ السياسي اللذين تتمتع بهما تل أبيب في عملية صنع القرار في واشنطن؛ إذ لم يحاول أيّ رئيس أميركي كبح البرنامج النووي الإسرائيلي منذ عهد جون كينيدي. لا بل إن الرئيس ليندون جونسون تكتّم على الهجوم العسكري الإسرائيلي الذي استهدف سفينة التجسّس الأميركية «يو إس إس ليبرتي»، وأدّى إلى إغراقها خلال حرب عام 1967. ونتيجة لهذه الحصانة السياسية المستمرة، لم تُوجّه أي تهمة إلى أيّ شخص، كما لم تُفتح ملفات المُساءلة القانونية بشأن اختفاء المواد النووية الحساسة من منشأة «نوميك».
إزاء كلّ ما تقدّم، قد لا تكون فكرة توجيه ضربة نووية إلى إيران غائبة تماماً عن عقل حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة. وفي هذا الإطار، ذكّرت مجلة «جاكوبين» الأميركية، في تقرير نشرته في آذار، بأن «إسرائيل تمتلك ترسانة نووية ضخمة وغير مُعلنة رسمياً تضمّ أكثر من مئة رأس حربي»، تمّ بناؤها بمساعدة فرنسية وأُخفيت عن الولايات المتحدة لعقد من الزمن، مضيفة أن هذه الترسانة تشكّل أساس ما يُعرف استراتيجياً بـ«خيار شمشون»، وهي عقيدة تتيح اللجوء إلى السلاح النووي في حال واجهت إسرائيل تهديداً وجودياً، وذلك تيمّناً بالشخصية التوراتية التي هدمت المعبد على أعدائها. ونظراً إلى التركّز السكاني العالي في إسرائيل، حيث يعيش نصف السكان في منطقة تل أبيب الكبرى التي لا تتجاوز مساحتها عشرين ميلاً مربّعاً، وثبوت قصور منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية عن تحقيق حماية كاملة، لن يكون من الصعب تخيّل تجاوز رئيس وزراء الاحتلال هذه العتبة، في حال شعر بما يسمّيه «خطراً حقيقياً يهدّد بقاء الدولة».
الاخبار اللبنانية




