مقالات

الوراثة السياسية في المغرب: بين الحق في الترشح ونفوذ العائلة.

الوراثة السياسية في المغرب: بين الحق في الترشح ونفوذ العائلة.

الأستاذ: علي او عمو.
كاتب من المغرب.

لا يقتصر النقاش حول الحياة السياسية في المغرب على التنافس
الانتخابي، بل يمتد إلى مدى تكافؤ الفرص في الوصول إلى المسؤولية
العامة، وقدرة الأحزاب على تجديد نخبها بعيداً عن تأثير الأسماء العائلية
وشبكات النفوذ.
ومن الضروري التمييز بين الحق المشروع في الترشح، الذي لا ينبغي
أن يتأثر بأصل المرشح أو عائلته، وبين احتمال تحول الشهرة العائلية
والعلاقات المتراكمة إلى أفضلية غير متكافئة. فالانتماء إلى أسرة
سياسية لا يثبت غياب الكفاءة أو المحاباة، لكنه يطرح سؤالاً مشروعاً
حين تصبح معايير الاختيار غير واضحة، أو تتراجع فرص المنافسة أمام
من لا يملكون الرصيد نفسه.
النفوذ العائلي وإعادة إنتاج النخب.
ارتبط حضور بعض الأعيان في المشهد السياسي المغربي بعوامل مثل
المكانة الاجتماعية والقدرة المالية وشبكات العلاقات المحلية. وقد ينتقل
جزء من هذا الرصيد إلى أفراد الأسرة، الذين يستفيدون من شهرة الاسم
والامتداد التنظيمي والعلاقات المتراكمة. ولا يعني ذلك بالضرورة غياب

الاستحقاق، لكنه يستدعي التساؤل عن مدى تأثير هذه الموارد في فرص
الوصول إلى المسؤولية.
وتتحمل الأحزاب مسؤولية أساسية في هذا المجال، باعتبارها بوابة
رئيسية للترشيح وصناعة القيادات. فمن المفترض أن تقوم التزكيات
على الكفاءة والنزاهة والحصيلة والقدرة على تمثيل المواطنين، لا على
العلاقات الشخصية أو الاعتبارات العائلية. وعندما تتكرر الأسماء نفسها
أو يتعاقب أفراد الأسرة الواحدة على مواقع المسؤولية، يصبح من
المشروع التساؤل عن شفافية الاختيار ومدى إتاحة الفرصة أمام
كفاءات جديدة.
ولا يكمن الحل في منع أبناء السياسيين من ممارسة حقوقهم، بل في
إخضاع الجميع لمعايير واضحة وموحدة، تضمن أن يكون التنافس على
أساس الاستحقاق، لا امتداد النفوذ وحده.
من الحالة الفردية إلى السؤال العام.
تتجدد هذه الإشكالية كلما تولى شخص ينتمي إلى عائلة سياسية معروفة
موقعاً قيادياً داخل حزب أو مؤسسة منتخبة. ومن ذلك اختيار الحسن
لشكر، نجل إدريس لشكر، رئيساً للفريق الاشتراكي بمجلس النواب يوم
18 أكتوبر 2026، خلفاً لعبد الرحيم شهيد الذي عُيّن وزيراً للشغل
والحوار الاجتماعي، وفق ما أوردته وسائل إعلام مغربية.. هسبريس.
هذه الواقعة تتيح طرح أسئلة حول معايير اختيار القيادات الحزبية
وشفافية مساطرها، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات المحاباة أو غياب
الاستحقاق. فالنقد السياسي الجاد لا يقوم على القرابة وحدها، بل على
فحص قواعد الاختيار ومدى وضوحها، وإمكانية المنافسة الفعلية،
والأسس التي استندت إليها القرارات.
وبذلك، ينبغي أن يتجاوز النقاش الأشخاص إلى المؤسسات، وأن ينصب
على مدى قدرة الأحزاب على ضمان التداول الداخلي وتجديد قياداتها،
بعيداً عن الأحكام المسبقة أو الاتهامات غير المثبتة.

أثر الظاهرة في الثقة السياسية.
عندما يشعر المواطن بأن فرص الوصول إلى المسؤولية ليست متكافئة،
قد يتولد لديه انطباع بأن المجال السياسي مغلق أمام من لا يملكون المال
أو العلاقات أو الامتداد العائلي. ويمكن لهذا الشعور أن يضعف الثقة في
الأحزاب ويغذي العزوف، خصوصاً لدى الشباب.
ولا تفسر الوراثة السياسية وحدها أزمة الثقة، لكنها تصبح عاملاً مقلقاً
حين تغيب الشفافية، أو يبدو أن النفوذ أهم من البرامج والكفاءة
والحصيلة. فالمطلوب هو أن يشعر المواطن بأن المسؤولية العامة
متاحة على أساس الاستحقاق، وأن من يتولاها يخضع للمحاسبة بصرف
النظر عن اسمه أو موقع عائلته.
نحو منافسة أكثر شفافية.
يتطلب الحد من أثر النفوذ العائلي تعزيز الديمقراطية الداخلية للأحزاب،
والإعلان عن معايير التزكية، وتوسيع مشاركة المناضلين في اختيار
المرشحين والقيادات. كما يستدعي فتح المجال أمام الشباب والنساء
والكفاءات الجديدة، وتقييم المسؤولين على أساس أدائهم والتزامهم
بوعودهم، لا على أساس انتماءاتهم العائلية.
ومن المهم أيضاً أن يواكب الإعلام والمجتمع المدني هذه المساطر بالنقد
والتقييم المستندين إلى الوقائع، مع تجنب التشهير والتعميم. فالمساءلة
لا تعني إدانة الأفراد بسبب أصولهم، بل التحقق من عدالة القواعد التي
تمنحهم فرص الوصول إلى المسؤولية.
خاتمة القول:
السياسة مسؤولية لا امتياز موروث.
إن تجديد النخب السياسية في المغرب يقتضي الانتقال من الاعتماد على
الأسماء والشبكات التقليدية إلى منافسة أكثر شفافية، تتيح للجميع فرصاً
متقاربة لإثبات الكفاءة وتحمل المسؤولية.

فالمشكلة ليست في أن ينتمي سياسي إلى عائلة معروفة، بل في أن
يتحول هذا الانتماء إلى امتياز غير معلن، أو إلى بديل عن الاستحقاق، أو
سبب في إقصاء كفاءات أخرى.
السؤال الحقيقي ليس: من هو ابن من؟ بل: هل تتاح أمام الجميع فرص
متكافئة للوصول إلى المسؤولية، وهل يُحاسَب من يتولاها على أدائه،
بصرف النظر عن اسمه العائلي؟..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب