مقالات
الِاعتِرَاف البِرِيطَانِيّ بِالدَّوْلَةِ الفِلسْطِينِيَّةِ:بَيْنَ النِّفَاقِ التَّارِيخِيِّ وَ المَكْسَبِ الدِّبْلُومَاسِيّ بقلم عثمان الحاج عمر – تونس
بقلم عثمان الحاج عمر - تونس

الِاعتِرَاف البِرِيطَانِيّ بِالدَّوْلَةِ الفِلسْطِينِيَّةِ:بَيْنَ النِّفَاقِ التَّارِيخِيِّ وَ المَكْسَبِ الدِّبْلُومَاسِيّ
بقلم عثمان الحاج عمر – تونس
يأتي الاعتراف البريطاني بالدولة الفلسطينية محمّلاً بثقل التاريخ ومفارقات السياسة. فمن الصعب على الفلسطينيين والعرب- من خارج دائرة النظام الرسمي العربي- ، أن يستقبلوا هذه الخطوة بعيداً عن ذاكرة وعد بلفور 1917 وما تبعه من انتداب بريطاني مهّد لزرع المشروع الصهيوني في فلسطين. فقد كانت بريطانيا، كما يبين إدوارد سعيد في The Question of Palestine، ليست مجرد مراقب بل طرفاً فاعلاً في صياغة مأساة الفلسطينيين ¹.
فخلال فترة الانتداب (1920–1948)، سهّلت بريطانيا الهجرة اليهودية، وسلّحت العصابات الصهيونية، وقمعت المقاومة الوطنية بوحشية، وهو ما وثّقه وليد الخالدي في دراسته التوثيقية From Haven to Conquest². وعند انسحابها سنة 1948، تركت الأرض ممزّقة واليهود منظمين ومسلحين، ما عجّل بوقوع النكبة، وهو ما يؤكده آفي شلايم في كتابه Britain and the Arab-Israeli Conflict ³.
في ضوء هذا التاريخ، يظهر الاعتراف الحالي أقرب إلى نفاق سياسي منه إلى اعتذار حقيقي أو تصحيح جذري. فبريطانيا ما زالت ترتبط بعلاقات عسكرية واقتصادية وثيقة مع الكيان الصهيوني، وتغطي جرائمها في المحافل الدولية.
وهو ما يجعل اعترافها أشبه بـ”هدية لفظية” لا تغيّر شيئاً من واقع الاحتلال والاستيطان. كما يشير إيلان بابيه في The Ethnic Cleansing of Palestine، فإن مأساة الفلسطينيين لم تكن حادثاً عرضياً بل مشروعاً ممنهجاً جرى تحت أعين بريطانيا ⁴.
ومع أننا لا نؤمن بحل الدولتين، ولا نعترف بقرارا التقسيم، ونعمل على تحرير فلسطين، كل فلسطين من النهر إلى البحر، لا يمكن إنكار أن الاعتراف البريطاني، ولو متأخراً، يشكّل مكسباً دبلوماسياً نسبياً للقضية الفلسطينية. فهو يراكم اعترافات دولية قد تتحول تدريجياً إلى ضغط سياسي على الكيان الصهيوني، ويمنح الفلسطينيين ورقة إضافية في معركتهم القانونية والسياسية.
أن قيمة هذه الخطوة محدودة ما لم تُترجم إلى إجراءات عملية:
كوقف تصدير السلاح،
فرض عقوبات،
ودعم حق العودة.
وكما يوضح جميل هلال في Where Now for Palestine?، فإن الاعترافات الدولية تفقد قيمتها إذا لم تترافق مع أدوات ضغط حقيقية ⁵.
هكذا، يظل الاعتراف البريطاني محصوراً بين بعدين متناقضين:
بعد تاريخي يكشف نفاقاً سياسياً متأصلاً تحاول به بريطانيا غسل يديها من ماضيها الاستعماري.
وبعد دبلوماسي يمكن أن يُستثمر فلسطينياً ضمن معركة تراكمية طويلة الأمد، كما يشير رشيد الخالدي في Palestinian Identity إلى أن الوعي الوطني الفلسطيني طالما تبلور في سياق مقاومة هذا الإرث الاستعماري⁶.
خاتمة: النفاق البريطاني والواقع العربي الراهن
إذا كان الاعتراف البريطاني محاولة لتبييض صفحة سوداء من تاريخها الاستعماري، فإن خطورته تكمن في أنه يأتي في لحظة عجز عربي رسمي غير مسبوق، حيث تتسابق بعض الأنظمة نحو التطبيع مع إسرائيل، وتتعامل مع فلسطين كعبء سياسي بدل أن تكون قضيتها المركزية. بهذا المعنى، يصبح الاعتراف البريطاني مضاعف المفارقة:
فهو يُستخدم كورقة رمزية في مواجهة الاحتلال، بينما يغدو في الواقع غطاءً أخلاقياً زائفاً لاستمرار جريمة تاريخية مستمرة.
وهو بشكل أو بآخر يعطي ورقة للمطبعين العرب لتقوية موقفهم بأن انخراطهم في السلام ومقولة الأرض مقابل السلام ادى الى هذا الموقف وهو ما يعتبرونه نجاح لهم .
إن فلسطين لن تُستعاد باعترافات لفظية من لندن أو غيرها، بل بقدرة العرب على إعادة بناء مشروع سياسي تحرري يواجه الاستعمار القديم والجديد معاً. حينها فقط، يتحول الاعتراف من رمز بارد إلى انتصار فعلي.
———————————————–
المراجع:
1. Edward Said – The Question of Palestine (Vintage Books, 1992).
2. Walid Khalidi (ed.) – From Haven to Conquest (Institute for Palestine Studies, 1987).
3. Avi Shlaim – Britain and the Arab-Israeli Conflict, 1948–1951 (Macmillan, 1988).
4. Ilan Pappé – The Ethnic Cleansing of Palestine (Oneworld, 2006).
5. Jamil Hilal (ed.) – Where Now for Palestine? (Zed Books, 2007).
6. Rashid Khalidi – Palestinian Identity: The Construction of Modern National Consciousness (Columbia University Press, 1997).



