انتخابات أرمينية بأبعاد إقليمية: روسيا تحذّر من «أوكرانيا جديدة»

انتخابات أرمينية بأبعاد إقليمية: روسيا تحذّر من «أوكرانيا جديدة»
تأتي الانتخابات النيابية الأرمنية في لحظة مفصلية تشهدها البلاد بعد سنوات من التحولات الجيوسياسية العميقة، وسط احتدام الصراع على هوية أرمينيا بين التوجّه غرباً والحفاظ على الروابط التقليدية مع روسيا.
يتوجّه الناخبون في أرمينيا، غداً، إلى صناديق الاقتراع، للإدلاء بأصواتهم في انتخابات نيابية يبدو الفوز فيها مضموناً لرئيس الوزراء الحالي وزعيم حزب «العقد المدني»، نيكول باشينيان، الذي وصل إلى السلطة عام 2018، إثر «ثورة ملوّنة»، وشهدت مدة حكمه أحداثاً مفصلية، على رأسها حرب الـ44 يوماً مع آذربيجان، خريف 2020. وكانت انتهت تلك الحرب بهزيمة عسكرية مطلقة لأرمينيا، وخسارتها أراضي متنازعاً عليها ظلّت تسيطر عليها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1990. لا بل سيطر الجيش الآذربيجاني، بنتيجة النزاع، على المنطقة الشمالية من مقاطعة قره باغ الأرمنية ذات الحكم الذاتي.
ورغم ذلك، جدّد الأرمينيون، في انتخابات مبكرة عام 2021، لباشينيان، في ما مثّل مؤشراً مهمّاً على أن مواطني هذا البلد يدعمون سياسات رئيسه الموالية للغرب، في حين كان «الشتات الأرمني» يعارضها – علماً أن واحداً من أبرز تداعيات الحرب، كان الخلاف الحادّ بين يريفان وموسكو، وقطع معظم الروابط بينهما -. ولم تكد تمرّ سنتان على تلك الحرب، حتى هاجم الجيش الآذربيجاني، في أيلول 2023، قره باغ مجدّداً، وسيطر عليها، ما خلّف نزوحاً لجميع سكان المقاطعة الـ120 ألفاً إلى أرمينيا، لتخلو المنطقة، للمرّة الأولى في تاريخها، من الوجود الأرمني. وأعقبت تفريغَ قره باغ ضجّة كبيرة داخل أرمينيا، وسجالات حادّة بين باشينيان والمعارضة التي اتّهمته بالتفريط بالوجود الأرمني في المقاطعة، وتشجيع الأرمن علناً على النزوح عنها، حين قال إن «مستقبل القره باغيين هو في أرمينيا وعليهم أن ينسوا قره باغ».
في الوقت نفسه، كان واضحاً أن السعي الغربي، ولا سيما الأميركي، يتكثّف لتصفية النفوذَين الروسي، كما الإيراني، في جنوب القوقاز. ولذا، جمع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، الرئيس الآذربيجاني، إلهام علييف، بباشينيان في واشنطن صيف العام الماضي، حيث اتُّفق على إيجاد حلّ لـ«ممر زينغيزور» الذي قضت اتفاقية 2020 بين يريفان وباكو بشقّه بين مقاطعة نخجوان الآذربيجانية ذات الحكم الذاتي، وبين آذربيجان، وذلك عبر الأراضي الأرمينية. كما اتفق المجتمعون حينها على أن تُمنح شركات أميركية حق شقّ الطريق الذي سُمّي «ممرّ ترامب للازدهار والسلام»، ومدّ خط سكة حديد عبره، ونيل امتياز استثماره لمئة عام. لكن انقسام الأرمن بين مؤيّد ومعارض للمشروع، قد يعرقل تنفيذه.
استطلاعات الرأي تشير إلى تقدم باشينيان الموالي للغرب والمدعوم من تركيا وأذربيجان بفارق كبير
على أيّ حال، فقد اتُّخذت خطوة كبرى نحو ترسيم شبه نهائي للحدود بين أرمينيا وآذربيجان، اعترفت عبرها الأولى بسيادة الثانية على كلّ الأراضي التي كانت تحتلّها، كما على قره باغ. إلا أن الطريق إلى توقيع اتفاق سلام نهائي بين البلدَين، لا يزال ينتظر تلبية شروط باكو، وعلى رأسها أن تلغي يريفان من دستورها وقوانينها كلّ العبارات والرموز التي تدلّ على أحداث تقع خارج أرمينيا أو تعكس مطالب أرمينية من آذربيجان أو تركيا.
أما في ما يتّصل بالعلاقة مع الغرب، فقد مضت أرمينيا، في الشهرَين الأخيرين، في انفتاح واسع على الولايات المتحدة والدول الأوروبية. إذ عُقدت لقاءات بارزة في يريفان لتوقيع اتفاقات تعاون مشترك، في حين برز احتمال تقديم أرمينيا طلباً للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو ما استفزّ روسيا. كذلك، تعزّزت العلاقات الأرمينية مع تركيا، العدو التاريخي تقليدياً للقضية الأرمنية، فيما يُنتظر استكمال اتفاقات فتح الحدود كاملة بين البلدَين وتبادل العلاقات الدبلوماسية. في المقابل، ومع أن إيران كانت داعماً تاريخياً لأرمينيا في مواجهة آذربيجان وتركيا، فإن حربَي 2020 و2023، ورعاية أميركا لـ«ممرّ زينغيزور»، والتوترات التي تصاعدت مؤخراً بين طهران وباكو – خلال العدوان الأميركي/ الإسرائيلي على إيران -… كلّها عوامل أدّت إلى محاصرة نفوذ الأخيرة في جنوب القوقاز.
أما روسيا، فتتسارع الجهود الغربية الآن لشطب نفوذها نهائياً من هناك، في مسار كان بدأ منذ ما بعد حرب 2020، وواجهته هي بالضغط لإزاحة باشينيان عن السلطة وإسقاطه، سواء في الانتخابات أو عبر محاولات اغتيال أو الانقلاب العسكري من الداخل. كذلك، تضغط روسيا اقتصادياً وزراعياً، بل وبالتهديد بتحويل أرمينيا إلى أوكرانيا جديدة، إذا أصرّت على محاولة الانضمام الى الاتحاد الأوروبي. وفي المقابل، تتّهم يريفان، موسكو، بالتدخل في شؤونها الداخلية، واستثمار أموال لنقل نحو 100 ألف ناخب من أصل أرميني يحق لهم الاقتراع، للمشاركة في التصويت. ويأتي هذا فيما تشير استطلاعات الرأي إلى أن 30% من الأرمن يرون في روسيا تهديداً، و75% يؤيدون الانضمام إلى التكتل الأوروبي.
في ظلّ هذه الأوضاع الجيوسياسية والتوازنات الداخلية، سينتخب 2.5 مليون أرمني 107 نواب على قاعدة النسبية، شرط اجتياز عتبة 4% للأحزاب، وما بين 8 و10% للتحالفات. لكن الحظوظ تبدو شبه مضمونة لباشينيان الذي يخوض الانتخابات بدعم كبير من الولايات المتحدة وأوروبا وتركيا وآذربيجان. كما أن المعارضة مشتّتة (16 حزباً)، ولم تستطع الالتقاء على برنامج مشترك في مواجهة الرئيس الحالي. ويعدّ الملياردير الأرميني الروسي، صامويل قره بيتيان، أبرز منافسي باشينيان، وهو يرأس تحالفاً تحت مسمّى «أرمينيا القوية»، كما يواجه تهماً متعدّدة وتمّ وضعه قيد الإقامة الجبرية في منزله بسببها. ويتزعّم رئيس الجمهورية السابق، روبرت قوتشاريان، من جهته، تحالف «أرمينيا» الذي يضمّ أيضاً حزب «الطاشناق»، ويدعو إلى تقوية العلاقات مع روسيا، في حين يترأس غاغيك تساروكيان تحالف «أرمينيا المزدهرة». وتعطي الاستطلاعات، وفقاً لـ«المعهد الدولي الجمهوري»، باشينيان 32%، يليه بيتيان بـ9%، وقوتشاريان بـ4%، علماً أن نسبة الذين لم يقرّروا خيارهم بعد، كانت عشية الانتخابات 44%.
الاخبار اللبنانية



