الافتتاحيهرئيسي

انتخابات التشريعي.. حين يصبح صندوق الاقتراع ميزاناً للحساب والمساءلة

انتخابات التشريعي.. حين يصبح صندوق الاقتراع ميزاناً للحساب والمساءلة

بقلم:رئيس التحرير

لم تعد الانتخابات المقبلة للمجلس التشريعي الفلسطيني مجرد استحقاق دستوري لتجديد المؤسسات والشرعيات، ولا مناسبة لتبديل الوجوه وإعادة توزيع المواقع، بل يمكن أن تشكل محطة وطنية مفصلية لإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وترسيخ مبدأ المساءلة السياسية، وفتح الطريق أمام إصلاح وطني طال انتظاره.

فالشعب الفلسطيني يدخل أي استحقاق انتخابي وهو يحمل ذاكرة ثقيلة من سنوات الاحتلال والعدوان والحصار والتهجير والاستيطان، وما رافق ذلك من أزمات اقتصادية واجتماعية ومعيشية قاسية. وفي الوقت الذي كان فيه المواطن يدفع أثماناً باهظة دفاعاً عن أرضه وحقوقه الوطنية، تراكمت لدى قطاعات واسعة من المجتمع مشاعر الإحباط تجاه مظاهر الفساد والمحسوبية وسوء الإدارة وغياب المساءلة، أو تجاه من استغل الموقع العام أو التنظيمي لتحقيق مكاسب ومنافع خاصة.

وهنا تبرز مسؤولية الانتخابات باعتبارها أداة ديمقراطية سلمية لإعادة تصحيح المسار، لا وسيلة للانتقام أو تصفية الحسابات الشخصية.

لقد شهدت الحياة الفلسطينية، كما هو الحال في كثير من المجتمعات، نماذج مشرّفة من أصحاب الكفاءة والنزاهة والتضحية، لكنها شهدت أيضاً محاولات للتسلق على حبال الوطنية، وتوظيف القضية والشعارات والرمزية الوطنية لتحقيق النفوذ والمصالح الشخصية. ومن الخطأ أن تتحول الوطنية إلى غطاء للمنافع الخاصة، أو أن تصبح الوظيفة العامة امتيازاً شخصياً، أو أن يُنظر إلى المنصب باعتباره غنيمة سياسية.

فالمنصب العام تكليف لا تشريف، والصفة التنظيمية ليست حصانة، والانتماء الوطني لا يعفي صاحبه من المساءلة. وأي شبهة فساد أو استغلال للمال العام يجب أن تعالج من خلال القانون والمؤسسات الرقابية والقضائية، بعيداً عن الشائعات والتشهير والاتهامات غير المستندة إلى أدلة.

ومن هنا، فإن المعركة الحقيقية في الانتخابات المقبلة ليست بين أشخاص أو قوائم فقط، وإنما بين ثقافتين: ثقافة تعتبر الموقع العام مسؤولية وخدمة وطنية، وثقافة تنظر إليه باعتباره وسيلة للنفوذ والمكاسب. وبين هاتين الثقافتين سيكون الناخب الفلسطيني صاحب القرار.

إن المواطن لم يعد مجرد رقم يضاف إلى مجموع الأصوات؛ فهو صاحب تجربة وذاكرة، عاش الحصار والبطالة والفقر وتراجع الخدمات، وشاهد في المقابل كيف يمكن للكفاءة والنزاهة والإدارة المسؤولة أن تصنع فرقاً حقيقياً في حياة الناس. ولذلك فإن معيار الاختيار يجب أن يتجاوز الانتماء الفصائلي والشعارات الانتخابية إلى السيرة الذاتية للمرشح، ونزاهته، وكفاءته، ومواقفه، وقدرته على التشريع والرقابة، ومدى احترامه للمال العام والمصلحة الوطنية.

وعلى القوى السياسية والفصائل والتنظيمات أن تدرك أن حسن اختيار المرشحين هو الخطوة الأولى في استعادة ثقة الشارع. فلا يجوز تقديم الولاء التنظيمي على الكفاءة، ولا المحاصصة على المصلحة الوطنية، ولا العلاقات الشخصية على النزاهة والاستحقاق. المطلوب مجلس تشريعي قادر على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي، والدفاع عن سيادة القانون، ومواجهة الفساد، وحماية المال العام، وترسيخ العدالة وتكافؤ الفرص.

كما أن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية وطنية تتعامل مع الانتخابات باعتبارها جزءاً من مشروع إصلاح شامل، لا مجرد محطة انتخابية عابرة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة الاعتبار للمؤسسات، وتعزيز استقلال القضاء، وتفعيل أجهزة الرقابة والمساءلة، وتكريس الشفافية، وضمان التداول الديمقراطي للسلطة، وربط المسؤولية بالنتائج والمحاسبة.

ولا ينبغي تجاهل حالة الاحتقان الشعبي المتراكمة. فالاحتقان الذي ينشأ من الشعور بعدم العدالة أو غياب تكافؤ الفرص أو ضعف المساءلة لا يمكن معالجته بالشعارات. وإنما يعالج بإصلاح سياسي ومؤسسي حقيقي يعيد للمواطن ثقته بأن صوته قادر على إحداث التغيير، وأن القانون فوق الجميع، وأن المال العام أمانة، وأن المسؤولية العامة ليست طريقاً إلى الثراء أو النفوذ.

وفي هذا السياق، يجب أن تبقى الانتخابات بعيدة عن منطق الانتقام. فالديمقراطية لا تعني معاقبة الأشخاص، وإنما تعني منح الثقة أو حجبها عبر الوسائل السلمية. أما المسؤولية الجنائية أو الإدارية عن أي مخالفات، فتظل من اختصاص القضاء والجهات الرقابية وفق القانون، بما يضمن العدالة ويحمي الحقوق.

إن الانتخابات المقبلة، إذا جرت في أجواء حرة ونزيهة وشفافة، وبضمانات حقيقية تكفل سلامة العملية الانتخابية واحترام إرادة الناخب، يمكن أن تكون نقطة تحول في الحياة السياسية الفلسطينية. فهي فرصة لإعادة تعريف معنى التمثيل السياسي، وتجديد الشرعية على أساس الكفاءة والنزاهة والقدرة على خدمة الناس.

إن الشعب الفلسطيني الذي تحمل عقوداً من الاحتلال والتضحيات والمعاناة، يستحق مؤسسات على مستوى هذه التضحيات، ويستحق ممثلين يرون في المنصب مسؤولية وطنية لا مكسباً شخصياً.

وفي النهاية، سيكون صندوق الاقتراع أكثر من صندوق لتجميع الأصوات؛ سيكون ميزاناً للثقة، وأداة سلمية للحساب السياسي، ورسالة واضحة إلى كل من يتطلع إلى المسؤولية العامة بأن الذاكرة الشعبية لا تُمحى بالشعارات، وأن الشرعية لا تُشترى ولا تُفرض، وإنما تُكتسب بالثقة وتحميها النزاهة وتجددها الانتخابات.

وفي الانتخابات الحرة والنزيهة، لا يكون الوطن سلعة، ولا المواطن رقماً، ولا المنصب غنيمة؛ بل تكون إرادة الشعب هي المرجعية، ويكون الصندوق هو الحكم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب