تحقيقات وتقارير

انشقاقات الدعم السريع… تحولات القيادة وتداعياتها على مسار الحرب السودانية

انشقاقات الدعم السريع… تحولات القيادة وتداعياتها على مسار الحرب السودانية

ميعاد مبارك

تمكن الجيش السوداني من استعادة عدد من المواقع الاستراتيجية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على توازنات القوى داخل الدعم السريع، وفتح الباب أمام أولى الانشقاقات الكبيرة التي خرجت إلى العلن.

الخرطوم : لم تكن الانشقاقات التي شهدتها قوات الدعم السريع خلال الأشهر الأخيرة مجرد انتقال أفراد أو قادة ميدانيين من طرف إلى آخر في الحرب السودانية، بل مثلت تطوراً بارزاً في مسار الحرب الدائرة في البلاد منذ منتصف نيسان/ابريل 2023، وأثارت تساؤلات واسعة حول مدى تماسك القوة التي خاضت واحدة من أعنف الحروب في تاريخ السودان الحديث. فبعد نحو عامين من القتال الذي اتسم بتماسك نسبي داخل قيادة الدعم السريع، بدأت تظهر إلى العلن انشقاقات لقادة بارزين كانوا حتى وقت قريب يشكلون جزءاً من الحلقة العسكرية المؤثرة، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشراً على تغيرات داخلية فرضتها التطورات الميدانية والسياسية، بينما قللت قيادة الدعم السريع من أهمية تلك الانشقاقات ووصفتها بأنها حالات فردية لا تؤثر في قدراتها العسكرية.
ومنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الخامس عشر من نيسان/ابريل 2023، حافظت الأخيرة على درجة عالية من التماسك التنظيمي مقارنة بحجم الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرضت لها. ويعزو محللون ذلك إلى طبيعة تكوينها القائم على الولاءات الشخصية والقبلية، بالإضافة إلى سيطرة القيادة المركزية بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي» وشقيقه عبد الرحيم دقلو على مفاصل القرار العسكري والإداري. كما ساهمت سيطرة القوات لفترات طويلة على أجزاء واسعة من العاصمة الخرطوم وإقليم دارفور في الحفاظ على تماسك صفوفها، رغم الخسائر البشرية والاتهامات الدولية بارتكاب انتهاكات جسيمة خلال الحرب.
وخلال عامي 2023 و2024 لم تسجل انشقاقات كبيرة معلنة داخل الصف الأول للدعم السريع، واقتصرت على حالات فردية. إلا أن المشهد بدأ يتغير تدريجياً مع التحولات العسكرية التي شهدها عام 2025 ثم الأشهر الأولى من عام 2026، عندما تمكن الجيش السوداني من استعادة عدد من المواقع الاستراتيجية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على توازنات القوى داخل الدعم السريع، وفتح الباب أمام أولى الانشقاقات الكبيرة التي خرجت إلى العلن.
ويعد انشقاق اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ«النور القبة»، في نيسان/ابريل 2026، أبرز تلك التحولات. فالرجل يصنف ضمن القيادات المؤسسة للدعم السريع، وشغل مواقع قيادية مؤثرة داخلها، ما جعل إعلان انضمامه إلى الجيش السوداني حدثاً لافتاً استحوذ على اهتمام واسع داخل السودان وخارجه. ولم يقتصر تأثير الانشقاق على رمزية موقعه العسكري، بل امتد إلى الرسائل التي حملها في أولى تصريحاته بعد مغادرة الدعم السريع، إذ قال إن القوات انحرفت عن الأهداف التي قامت من أجلها، وإن استمرار الحرب أدى إلى تدمير البلاد وزيادة معاناة المدنيين، معتبراً أن العودة إلى مؤسسات الدولة أصبحت ضرورة لإنهاء الصراع.
ولم تمض سوى أسابيع حتى أعلن القائد الميداني علي عبد الله رزق الله، الشهير بـ«السافنا»، انشقاقه هو الآخر عن الدعم السريع. ويعد السافنا من أبرز القادة الميدانيين الذين برزت أسماؤهم خلال الحرب، خاصة في مناطق غرب السودان، لذلك اكتسبت خطوته أهمية مضاعفة. وفي أول ظهور إعلامي له بعد الانشقاق، قال إن قراره جاء «انحيازاً للشعب السوداني وللمتضررين من الحرب»، مؤكداً أن استمرار القتال لم يعد يخدم مصالح المواطنين، وأن حجم الدمار الذي لحق بالمدن والقرى والنازحين دفعه إلى إعادة تقييم موقفه.
لكن تصريحات السافنا لم تتوقف عند هذا الحد، إذ خرج بعد أيام باتهامات مباشرة لقيادة الدعم السريع، متحدثاً عن وجود تصفيات داخلية استهدفت بعض القادة، وفرض قيود على آخرين، فضلاً عن خلافات متزايدة داخل القيادة بشأن إدارة العمليات العسكرية. كما أشار إلى استمرار وصول الإمدادات العسكرية إلى الدعم السريع رغم الضغوط التي تعرضت لها.
وبالتوازي مع انشقاق النور القبة والسافنا، التحق ضباط وقادة ميدانيين آخرين بالجيش السوداني، خصوصاً في شمال كردفان وبعض مناطق دارفور.
ويرى محللون أن توقيت هذه الانشقاقات لم يكن عشوائياً، وإنما جاء نتيجة تفاعل عدة عوامل في آن واحد. فالتراجع العسكري الذي شهدته قوات الدعم السريع في عدد من الجبهات، خاصة بعد خسارة مواقع مهمة في العاصمة ومحيطها، أدى إلى اهتزاز صورة التفوق العسكري التي احتفظت بها لفترات طويلة. كما لعبت الضغوط الاجتماعية والقبلية دوراً في دفع بعض القادة إلى مراجعة مواقفهم، في ظل تزايد أعداد الضحايا والنازحين، واتساع دائرة الدمار في مناطق نفوذهم. وإلى جانب ذلك، تتحدث تحليلات عديدة عن خلافات داخلية بشأن إدارة المعارك وتوزيع الموارد وآليات اتخاذ القرار، وهي عوامل قد تكون ساهمت في تعميق حالة التململ داخل بعض الأوساط القيادية.
في المقابل، تعاملت قيادة الدعم السريع مع هذه التطورات بوصفها حالات محدودة لا تعكس واقع القوة على الأرض، وأكدت استمرار العمليات العسكرية، معتبرة أن الانشقاقات لا تؤثر في بنيتها التنظيمية أو قدرتها على القتال. كما حرصت على تقديم صورة تؤكد استمرار تماسك القيادة والسيطرة، في محاولة للحيلولة دون انتقال أثر تلك الانشقاقات إلى المقاتلين في الميدان.
ورغم محدودية عدد القادة الذين أعلنوا انشقاقهم مقارنة بالحجم الكلي لقوات الدعم السريع، فإن خبراء عسكريين يرون أن تأثير هذه الخطوات لا يقاس بالعدد، وإنما بنوعية الشخصيات التي غادرت ومواقعها السابقة داخل الهيكل القيادي. فالقادة الذين أمضوا سنوات داخل المؤسسة العسكرية يمتلكون معرفة تفصيلية بخطط الانتشار، وشبكات الإمداد، وآليات القيادة والسيطرة، وهي معلومات يمكن أن تمنح الجيش السوداني أفضلية استخباراتية في بعض الجبهات، فضلاً عن تأثيرها المعنوي على المقاتلين الذين ما زالوا داخل الدعم السريع.
وعلى المستوى السياسي، استثمر الجيش السوداني هذه الانشقاقات في تعزيز روايته بأن الدعم السريع بدأ يفقد تماسكه الداخلي مع استمرار الحرب، في حين يرى مراقبون أن الأثر السياسي لا يزال محدوداً ما لم تتوسع دائرة الانشقاقات لتشمل قيادات أكبر أو أعداداً واسعة من المقاتلين. وفي المقابل، أثارت هذه التطورات نقاشاً آخر يتعلق بمصير القادة المنشقين، خاصة أولئك الذين تلاحقهم اتهامات بارتكاب انتهاكات خلال الحرب، حيث شددت منظمات حقوقية دولية على أن تغيير الولاء العسكري لا ينبغي أن يعفي أي شخص من المساءلة القانونية، إذا ثبت تورطه في جرائم بحق المدنيين.
وعلى الرغم من أن الانشقاقات التي شهدتها قوات الدعم السريع خلال عام 2026 تعد تطوراً مهماً في مسار الحرب السودانية، لكنها لا تكفي وحدها للقول إن هذه القوة تتجه إلى الانهيار. فما زالت تحتفظ بوجود عسكري في عدد من مناطق دارفور وغيرها. في ذات الوقت فإن أي خسائر عسكرية إضافية أو اتساع رقعة الخلافات الداخلية، قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة تفرض واقعاً مغايراً على موازين القوى في السودان، في الحرب التي دخلت عامها الرابع ولم تظهر حتى الآن مؤشرات حاسمة على قرب نهايته.

ـ «القدس العربي»

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب