اوامر هدم في غرب ” السامرة.” الضفة الغربية. بين ذرائع الأمن وخرائط الجدار وحق الفلسطينيين في حماية منازلهم

أوامر هدم في غرب ” السامرة.” الضفة الغربية. بين ذرائع الأمن وخرائط الجدار وحق الفلسطينيين في حماية منازلهم
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة

أثارت قضية منازل ومنشآت فلسطينية مهددة بالهدم في المنطقة الواقعة غرب” السامرة” الضفة الغربية، قرب مستوطنة سلايت، جدلاً قانونياً وسياسياً يتجاوز حدود البناء والتخطيط، ليتصل مباشرة بحقوق السكان الفلسطينيين في السكن والملكية والحماية من إجراءات الهدم، في ظل تصاعد نشاط جمعيات استيطانية تضغط على السلطات الإسرائيلية تحت عنوان «الأمن» و«البناء غير القانوني».
وكانت حركة «ريغافيم» الاستيطانية قد وجهت، في 10 آذار/مارس 2026، رسالة إلى مسؤولين إسرائيليين، مطالبة باتخاذ إجراءات ضد مبنى من خمسة طوابق قالت إنه أقيم بصورة غير قانونية بالقرب من مستوطنة سلايت، وعلى مسافة نحو 75 متراً من سياج المستوطنة و250 متراً من منازل المستوطنين وبالقرب من منشأة كهرباء. واعتبرت الحركة أن المبنى يوفر «نقطة مراقبة» على المستوطنة ويشكل، من وجهة نظرها، خطراً أمنياً.
غير أن رواية أصحاب المنازل الفلسطينية المهددة بالهدم تقدم معطيات مختلفة، وتدفع باتجاه ضرورة إخضاع الملف لمراجعة قانونية وفنية دقيقة، بعيداً عن الخطاب التحريضي أو الأحكام المسبقة.
رواية أصحاب المنازل: المباني أقدم من الجدار
بحسب إفادات أصحاب المنازل ومحاميهم، فإن عدداً من المنازل والمنشآت المستهدفة قائم منذ ما قبل عام 2004، أي قبل إنشاء جدار الفصل في المنطقة، وأن وجودها على الأرض سابق على الإجراءات والقيود التي يجري الاستناد إليها حالياً.
وهذه النقطة ليست تفصيلاً ثانوياً؛ إذ إن تحديد تاريخ إنشاء كل منزل أو منشأة، وموقعه الدقيق بالنسبة إلى الخرائط والأوامر العسكرية، يمكن أن يكون حاسماً في تحديد المركز القانوني للعقار.
ويؤكد أصحاب المنازل أن محاميهم باشروا مراجعة الخرائط والأوامر والوثائق الرسمية، بما في ذلك ما يعرف محلياً بـ«الخط الأصفر»، للتأكد من الحدود الفعلية للمناطق التي تنطبق عليها قيود البناء، وما إذا كانت تلك القيود سارية على العقارات محل النزاع، ومتى دخلت حيز التطبيق.
ومن هنا، فإن أي قرار بالهدم لا ينبغي أن ينطلق من توصيف سياسي أو أمني عام، وإنما من ملف عقاري وفني وقانوني متكامل يحدد ملكية الأرض، وتاريخ البناء، وتصنيف المنطقة، وطبيعة الأوامر الصادرة بشأنها، وتسلسلها الزمني.
ماذا تقول اتفاقية أوسلو عن المنطقة «ب»؟
تكتسب القضية بعداً قانونياً إضافياً إذا ثبت أن العقارات تقع ضمن منطقة «ب». فوفق اتفاقية أوسلو الثانية، انتقلت الصلاحيات المدنية، بما فيها التخطيط والتنظيم، في مناطق «أ» و«ب» إلى الجانب الفلسطيني، بينما بقيت لإسرائيل مسؤولية أمنية عليا في منطقة «ب» بهدف حماية الإسرائيليين ومواجهة التهديدات الإرهابية. وفي الوقت نفسه، تتولى الشرطة الفلسطينية مسؤولية النظام العام بالنسبة للفلسطينيين.
وهذا التفريق مهم للغاية؛ إذ إن وصف منطقة ما بأنها «ب» لا يعني، وفق الاتفاقية، أنها منطقة خالية من الاختصاص الفلسطيني المدني، كما أن المسؤولية الأمنية الإسرائيلية لا تعني إلغاء الصلاحيات المدنية الفلسطينية التي نصت عليها الاتفاقية.
وبالتالي، فإن أي ملف يتعلق بالبناء والهدم يحتاج إلى تحديد دقيق لطبيعة الاختصاص، وعدم الخلط بين المسؤولية الأمنية وبين الصلاحيات المدنية والتخطيطية.
كما أن اتفاقية أوسلو نصت على استمرار المسؤولية الإسرائيلية عن الأمن العام للإسرائيليين والمستوطنات، الأمر الذي تستخدمه السلطات الإسرائيلية عادة في تبرير تدخلاتها الأمنية. لكن ذلك لا يعفي أي سلطة من ضرورة احترام القواعد والإجراءات القانونية المتعلقة بحقوق السكان وممتلكاتهم.
من «التهديد الأمني» إلى حق الدفاع القانوني
المشكلة الأساسية تكمن في أن توصيف مبنى فلسطيني بأنه «تهديد أمني» قد يتحول، إذا لم يخضع للتدقيق القضائي والفني، إلى مقدمة لإجراءات واسعة تبدأ بالتحريض وتنتهي بالهدم.
والسؤال المشروع هنا: هل مجرد قرب منزل فلسطيني من مستوطنة أو منشأة إسرائيلية يجعله تهديداً أمنياً؟ أم أن الأمر يتطلب أدلة محددة على وجود خطر حقيقي ومباشر؟
القاعدة القانونية والمنطقية تقتضي أن تكون الإجراءات متناسبة مع الخطر المزعوم، وأن يكون لكل صاحب عقار الحق في معرفة الأساس القانوني الذي يستند إليه قرار هدم منزله، وأن يتمكن من تقديم اعتراضه وأدلته أمام جهة مستقلة وفعالة.
تحرك قانوني لمواجهة أوامر الهدم
وبحسب المعلومات التي قدمها أصحاب المنازل، فقد تدخلت مؤسسة «عدالة» في قضية أصحاب المنازل المهددة بالهدم، فيما يعمل المحامون على مراجعة الخرائط والأوامر والوثائق ذات الصلة.
وتكمن أهمية هذا المسار في أنه ينقل القضية من مستوى المناكفة السياسية والإعلامية إلى مستوى قانوني قابل للفحص، خصوصاً إذا أمكن إثبات أن المباني كانت قائمة قبل إنشاء الجدار أو قبل صدور الأوامر والقيود التي يجري الاستناد إليها.
كما أن مراجعة الصور الجوية التاريخية والخرائط الرسمية وسجلات الملكية والوثائق البلدية، إلى جانب الاستعانة بخبراء مساحة وتخطيط، يمكن أن تشكل عناصر إثبات حاسمة أمام الجهات القضائية.
«الخط الأصفر» يحتاج إلى تدقيق لا إلى شعارات
من أكثر الملفات حساسية في القضية ما يطلق عليه أصحاب المنازل «الخط الأصفر»، باعتباره حداً أو نطاقاً تترتب عليه قيود تتعلق بالبناء.
لكن أي خط أو حدود إدارية أو عسكرية لا يمكن أن تُفهم بمعزل عن الوثائق التي أنشأته، وتاريخ صدورها، والجهة التي أصدرتها، وطبيعة الأراضي التي تشملها.
ولهذا فإن المطلوب ليس فقط عرض خرائط حديثة، وإنما مقارنتها بالخرائط السابقة وبالصور الجوية التي توضح واقع المنطقة قبل عام 2004، وإثبات ما إذا كانت المنازل محل التهديد قائمة بالفعل قبل إنشاء الجدار أم أنها بنيت لاحقاً.
وهنا تصبح الخريطة وثيقة قانونية بقدر ما هي وثيقة هندسية.
التحريض الاستيطاني يفاقم الأزمة
إلى جانب الجانب القانوني، يثير أصحاب المنازل مخاوف من تصاعد خطاب التحريض والتهديد من جانب جهات استيطانية، بالتزامن مع المطالبات باتخاذ إجراءات ضد البناء الفلسطيني.
ولا شك أن لأي طرف الحق في تقديم شكوى أو اعتراض إلى الجهات المختصة، لكن تحويل الخلاف على البناء إلى خطاب يربطه بصورة عامة بـ«العدو» أو «الإرهاب» من شأنه زيادة التوتر، وقد يخلق بيئة ضاغطة على أصحاب المنازل قبل أن تستكمل المؤسسات القانونية والإدارية إجراءاتها.
وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل التوتر المتصاعد في الضفة الغربية، حيث حذرت تحليلات أمنية إسرائيلية حديثة من أن تصاعد العنف القومي، بما في ذلك اعتداءات متطرفين يهود، أصبح تحدياً أمنياً قائماً بذاته.
ومن ثم، فإن الأمن الحقيقي لا يتحقق عبر التحريض المتبادل أو فرض الأمر الواقع، وإنما عبر تطبيق القانون بصورة متساوية على الجميع.
ازدواجية المعايير تحت المجهر
تطرح القضية أيضاً سؤالاً أوسع يتعلق بازدواجية معايير التخطيط والهدم في الضفة الغربية.
ففي الوقت الذي تتحرك فيه منظمات استيطانية بقوة ضد البناء الفلسطيني، وتصفه بأنه جزء من «استيلاء» أو «تهديد أمني»، تواجه تجمعات فلسطينية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية صعوبات كبيرة في الحصول على تراخيص البناء، وتتعرض منازل ومنشآت لأوامر هدم.
وفي المقابل، فإن حركة «ريغافيم» نفسها تنشط بصورة واسعة في ملف البناء الفلسطيني وتطالب السلطات الإسرائيلية بزيادة إجراءات الإنفاذ في الضفة الغربية.
وهذا الواقع يفرض على الجهات القانونية والحقوقية الفلسطينية والدولية أن تتعامل مع القضية على أساس الوقائع الموثقة، وأن تطالب بمعايير واضحة وغير انتقائية في التخطيط والإنفاذ والهدم.
المطلوب وقف الهدم وإتاحة العدالة
في ضوء المعطيات المتوافرة، فإن الإجراء الأكثر إلحاحاً يتمثل في وقف أي عملية هدم إلى حين استكمال دراسة الاعتراضات المقدمة من أصحاب المنازل، وتمكين محاميهم من الحصول على كامل الخرائط والأوامر والملفات الرسمية التي تستند إليها سلطات الاحتلال.
كما ينبغي توثيق تاريخ كل منزل ومنشأة على حدة، وإرفاق صور جوية قديمة ووثائق ملكية وشهادات وإثباتات الخدمات وأي مستندات تثبت تاريخ البناء.
وينبغي كذلك توثيق كل تهديد أو تحريض أو ضغط يمارس ضد أصحاب المنازل، وإدراجه ضمن الملف القانوني، مع مطالبة المؤسسات الحقوقية الدولية بمتابعة القضية باعتبارها جزءاً من ملف أوسع يتعلق بحماية السكان المدنيين وممتلكاتهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
قضية قانون وليست قضية «مستوطنين وفلسطينيين» فقط
إن جوهر القضية لا ينبغي أن يضيع في السجال السياسي. فالسؤال الأول هو: متى بنيت هذه المنازل؟ وعلى أي أرض؟ وتحت أي تصنيف؟ وما الأوامر التي تستند إليها سلطات الاحتلال؟ ومتى صدرت؟ وهل كانت قائمة قبل الجدار أم بعده؟
هذه الأسئلة لا تجيب عنها الحملات الإعلامية، وإنما الوثائق والخرائط والأدلة.
وإذا ثبت، كما يقول أصحاب المنازل ومحاموهم، أن المباني قائمة قبل عام 2004 وقبل إنشاء الجدار، فإن هذه الحقيقة يجب أن تكون عنصراً مركزياً في أي مراجعة قانونية، ولا يجوز تجاهلها لمجرد أن المنطقة أصبحت لاحقاً محاطة بقيود أمنية أو جغرافية جديدة.
إن حماية المنازل الفلسطينية من الهدم ليست دفاعاً عن مخالفة عمرانية، كما أن المطالبة بأمن السكان الإسرائيليين لا تبرر تلقائياً هدم منازل الفلسطينيين. المطلوب هو تطبيق القانون، واحترام الإجراءات، وفحص الأدلة، ومنع التحريض، وضمان حق أصحاب العقارات في الدفاع عن ممتلكاتهم أمام جهة قضائية مستقلة وفعالة.
وفي نهاية المطاف، فإن الأمن لا يمكن أن يكون ذريعة لإلغاء الحقوق، كما أن الحقوق لا ينبغي أن تكون مبرراً لأي تهديد أمني. والمسار الوحيد القابل للاستمرار هو الاحتكام إلى القانون والوثيقة والوقائع، بعيداً عن سياسة فرض الأمر الواقع.
إن قضية المنازل المهددة بالهدم في غرب السامرة تستحق تدخلاً قانونياً وحقوقياً عاجلاً، ليس فقط لمنع هدم البيوت، وإنما لضمان ألا تتحول الخرائط والأوامر الأمنية والتحريض الاستيطاني إلى أدوات لإعادة رسم الواقع السكاني والجغرافي على الأرض.



