مقالات

ايران : الدولة ، النظام ، المشروع … اين تكمن المشكلة.؟ بقلم المحامي حسن بيان

بقلم المحامي حسن بيان

ايران : الدولة ، النظام ، المشروع … اين تكمن المشكلة.؟
بقلم المحامي حسن بيان
منذ حصل التغيير السياسي في ايران الذي مكّن المؤسسة الدينية من امتلاك ناصية القرار السياسي في السلطة الجديدة التي قامت على انقاض النظام الشاهنشاهي ، تحولت ايران الى مشكلة عربية . وهي التي أسست لهذه المشكلة من خلال رفعها لشعار ما سمته “تصدير الثورة ” ،وكان من نتائج ذلك ،التسبب بحرب دامت ثماني سنوات مع العراق ، وتدخل في الشؤون الداخلية للعديد من الاقطار العربية والعمل على تأسيس تشكيلات ميليشياوية في بعض الدول العربية ترتبط بمركز التحكم والتوجيه الايرانيين.
هذا الدور الايراني ، اختلفت التقييمات العربية بشأنه ، ففيما اعتبر بعضٌ قليل من النظام الرسمي العربي ومعه بعض القوى السياسية العربية ان النظام الايراني الحالي ، هو نظام “صديق” للعرب وذهبوا اكثر من ذلك بأن اسقطوا عليه لقب قائد مايسمى “بمحور المقاومة والممانعة ” ، وهو المحور الذي انضوت فيه القوى المتماهية معه وتلك المنفذة لاجندة اهدافه ، وحجتهم بذلك الموقف الظاهري للنظام الايراني من القضية الفلسطينية ،فإن بعضاً اخر وهو الاوسع في مروحة اطرافه كان تقييمه مختلفاً لطبيعة هذا النظام واستهدافاته الاساسية ، اذ رأى في دوره خارج حدوده وخاصة في المجال العربي ، مشروعاً للهيمنة والسيطرة وتقديم نفسه طرفاً مقرراً في رسم الخرائط السياسية. وهذا التقييم ، وجد سنده التوثيقي في مواقف النظام الايراني من خلال تدخله بالشؤون الداخلية للعديد من الاقطار العربية مباشرة ، أو بالاتكاء على ادوار قوى تعمل في الساحات الوطنية وترتبط تمويلاً وتسليحاً وتوجيهاً به ،وتصريحات مسؤوليه في العديد من المرات والمناسبات بعد تغوله في الواقع العربي خاصة بعد احتلال العراق ، بانهم باتوا يسيطرون على اربع عواصم عربية ، بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء ، واكثر من ذلك ، بأن بغداد ستعود عاصمة تاريخية للامبراطورية الفارسية ، هذا الى سعي النظام إحداث تغيير في التركيب الديموغرافي خاصة في سورية والعراق ، والامثلة كثيرة على التداعيات السلبية التي تركها التغول الايراني حيث استطاع ان يقيم مواطئ قدم له. وبهذا بات المشروع الايراني في الاستراتيجية التي رسمها النظام الحاكم لنفسه واحداً من المشاريع التي تنطوي على خطورة فعلية على الامن القومي العربي ،اضافة الى مشاريع اخرى وجدت في جغرافية الوطن العربي مدىً حيوياً لها. وهذا مرده ان الوطن العربي باهمية موقعه الاستراتيجي ومقدراته وثرواته الطبيعية ، كان وما يزال محط الاستهداف من اكثر مشروع دولي واقليمي بعضها انطلق مع موقع الصداقة (الاتحاد السوفياتي سابقاً روسيا حالياً – الصين ) وبعض اخر من مواقع العداء ، وابرزها خمسة ،متدرجة في خطورتها، واحد دولي واربعة اقليمية. واما المشروع الدولي ، فهو المشروع الاستعماري الحديث الذي تديره اليوم الدولة الاميركية الحديثة التي ورثت النظام الاستعماري الاوروبي القديم بتعدد مواقعه والذي طويت صفحته بسبب ما افرزته الحرب العالمية الثانية من نتائج . وأما المشاريع الاقليمية ، فواحد منها يستوطن الداخل القومي ، وهو المشروع الصهيوني الذي اقام كيانه على ارض فلسطين ، واما الثلاثة الاخرون ،فتستقر على المداخل ، المشروع الايراني من الشرق ، والتركي من الشمال ، والاثيوبي من بوابة الامن المائي وما يسمى بالقرن الافريقي الذي هو قرن عربي بغالبية دوله.
هذه المشاريع تجد في الفضاء العربي مجالاً حيوياً لنفوذها وهيمنتها ، وقد وفر لها غياب المشروع القومي بمرتكزاته ورافعاته فرصة ،تم استغلالها من قبلهم للنفاذ الى الداخل العربي وكلٌ لتحقيق اجندة اهدافه الخاصة .
هذه المشاريع التي لاتحكمها وحدة الاهداف والمصالح كان لابد لها لان تصل في مرحلة معينة الى التصادم في مابينها في المجال الواحد الذي تعتبره حيوياً لها ، وهو المجال العربي . والاطراف الثلاثة المشتبكة اليوم التي تتقاذف النار عبر الفضاء العربي، لن يرتد الذي يخرج منها رابحاً الى داخله بل سيسعى الى تقوية مواقع نفوده في ما يعتبره مجالاً حيوياً لمشروعه ،وفي جميع الحالات فإن العرب سيكونون خاسرين اذا ماخرج الاطراف الثلاثة رابحين وبنسب متفاوتة وفقاً لمخرجات حلول التسويات بينهم. ولذلك فإن من مصلحة العرب ان يخرج الثلاثة منهكين منها، وان كان يبدو بحكم موازين القوى ان الخاسر الاكبر سيكون النظام الايراني.
اما اي من هذه المشاريع هو الاخطر على الامة العربية بالنظر الى واقع الدولة والنظام والمشروع ؟
أن اميركا لامشكلة عربية معها كدولة تقيم مؤسساتها وتدير شؤونها مع الداخل والخارج، كما مع نظامها الذي اختاره شعبها وفق النسق الدستوري الذي يحكم ضوابط الانتظام العام للعلاقات مع الخارج وفي ادارة الحياة الداخلية. لكن المشكلة معها تنطلق من مشروعها السياسي الذي يتجاوز حدود مداه الداخلي الى المدى الخارجي والذي ينطوي على كل مواصفات الهيمنة والسيطرة بصيغ الاستعمار الجديد الذي تديره الكارتلات الاقتصادية الكبرى وتعمل على اسقاط الحدود الوطنية للدول وربط العالم بمركز التقرير في الدولة العميقة الاميركية . وطبيعة هذا المشروع تجعل منه بالضرورة مشروعاً تصادميا مع الاخرين ومنهم العرب .
والامر نفسه مع ايران ، اذ لامشكلة معها كدولة تدير شؤونها الداخلية وهي دولة تاريخية وجار للعرب ، وهي ان شابت علاقاتها توترات مع العرب في السابق ، الا انها لم تصل الى حدود الاندفاع خارج حدودها للهيمنة والسيطرة كما هو حاصل مع النظام الحاكم حالياً . ولو كان هذا النظام بقي يعمل وفق النسق الدستوري الذي يحكم انتظام الحياة في الداخل والعلاقة مع الخارج ضمن الضوابط الذي حدد احكامها القانون الدولي العام والمواثيق الدولية ذات الصلة ، لما كانت برزت مشكلة كبيرة معه الا بحدود ماتحدثه تصادم المصالح بين الدول. لكن المشكلة برزت بسبب اهداف المشروع الاستراتيجي الذي اطلقه نظام “ولاية الفقيه” واعطى لنفسه مشروعية تأدية دور لايران خارج حدودها الوطنية سنداً لمفهوم “تصدير الثورة ” وباعتبارها قدمت نفسها دولة مرجعية لكل من يأخذ بأحكام المذهب الذي اعتمدته مذهباً رسمياً للدولة ، وبالتالي فإن المشكلة مع ايران كما مع اميركا هي مع مشروعيهما.
اما “اسرائيل” ، فإن الامر مختلف كلياً ، اذ المشكلة معها كدولة ونظام ومشروع . “فالدولة الاسرائيلية” هي نتاج مشروع استعماري تلاقى مع الاهداف الصهيونية ، ورسا الاختيار على فلسطين التي تم اغتصابها لاقامة الكيان الذي يؤدي وظيفته في خدمة المشروع الاستعماري. وبالتالي ، فان المشكلة مع “اسرائيل” ، ليست مشكلة سياسية بقدر ما هي وجودية وعليه يتم تأسيس الموقف استناداً الى حقيقة هذا الوجود للدولة.
واما نظامها ، فهو بطبيعته وسلوكياته عنصري بامتياز بحسب تصنيف الهيئات الدولية القانونية والحقوقية( محكمة العدل الدولية ) والمنظمات الانسانية ذات الصلة بقضايا بحقوق الانسان ( هيومن رايتس ، منظمة العفو الدولية ) ، وبالتالي هو نظام معادٍ للانسانية.
اما مشروعها ، فهو توسعي بدليل ان الدستور الاسرائيلي لم ينص على حدود الدولة وهي تتراوج جغرافياً بين حدود “الدولة الوظيفة” التي دعا لانشائها المؤتمر الاستعماري (١٩٠٥- ١٩٠٧)مؤتمر كامبل بانرمان ، “والدولة التوراتية” التي تدعو لقيامها الحركة الصهيونية بدءاً بمرحلة “التبشير”بها بالنظر لما انطوت عليه “بروتكولات حكماء صهيون” وبعدها مؤتمر بازل في سويسرا ١٨٩٧وفي كلا مفهومي الدولة ، فإن الجغرافيا العربية هي مجال المشروع الصهيوني الذي يتدرج توسعه على قاعدة التطهير العرقي للشعب والقضم والهضم لارض فلسطين وعمقها العربي . وعليه ، فان الصراع الذي يحكم العلاقة مع “اسرائيل” يختلف عن اي صراع اخر بكل ابعاده ومضامينه ،وعلى هذا الاساس فهو مدرج تحت عنوان الصراع الوجودي ،كونه يتجاوز الصراع على الحدود الى الصراع على الوجود ، وهذا لايمكن اجراء تسوية معه او الاعتراف به كدولة ونظام ومشروع .
ان طبيعة هذه المشاريع الثلاثة ، هي التي تملي تحديد المواقف منها ، فإن كانت متصالحة ،
فالتصالح حاصل على حجم الحصص والنفوذ ، وان كانت متصادمة ، فالتصادم لايحصل الا اذا اختلت الانصبة التي كانت تحكم حالة التصالح. وهذا الذي تشهده المنطقة هذه الايام لايخرج عن سياق هذه القاعدة . وأما الاشكالية التي تبرز حول الموقف من النظام الايراني بين مؤيدٍ ومعارضٍ ، فقد ولدت التباساً ، ادى الى جعل هذا الموقف سبباً لاشكالية في مواقف داخلية عربية ، ومن تبنى موقف التأييد للنظام الايراني بكل حيثياته اعطى لنفسه تبريراً بأنه تبنٍ لمشروع معادٍ للامبريالية والحقيقة ان باعث ذلك ، كان إما لمصالح ومنافع مادية وسياسية خاصة ، وإما لعلاقة تتجاوز البعد المصلحي الى البعد المعتقدي المذهبي . وهولاء الذين تم الاستثمار بهم من قبل النظام خدمة لاجندة اهدافه الخاصة غاب عنهم ،ان النظام الايراني الذي انتفخ دوره عبر مشروع تغوله في الواقع العربي ، لم يع ثلاث حقائق : الاولى ، أنه ما استطاع ان يحقق الذي استطاعه ،الا بفضل التسهيلات الاميركية له والتي مكنتّه من العراق اولاً ، ومن ثم الى العمق العربي ، والثاني ، انه لايستطيع ان يحافظ على ما اعتبره مكتسبات استراتيجية دغدغت عواطفه التاريخية المضمرة الا بوجود حاضنة دولية له، والثالثة ، انه تم الاستثمار بدوره لحساب المشروع الصهيو – استعماري لاحداث تفتيت وتطييف في الحياة السياسية والمجتمعية العربية ولاضعاف الدولة الوطنية العربية والدفع باتجاه تحويلها دولة فاشلة . وعندما سعى لتقديم نفسه شريكاً مضارباً على اقتسام الحصص والنفوذ ، تلقى الضربة التي اخرجته من المنطقة التي دخلها بحكم افتقار العرب لمشروعهم الذي يحقق الامتلاء السياسي ، وبحكم الاندفاعة الصهيو – الاميركية التي تديرها الدولة العميقة في اميركا وهي التي تلعب دور القيادة الاستراتيجية للتشكيل الاقليمي الجديد “واسرائيل” القاعدة الميدانية الاقوى فيه.
من هنا ، فاذا كانت مشكلة العرب مع المشروع الصهيوني ، هي مشكلة مع الدولة والنظام والمشروع وهو الاخطر ، والمشكلة مع اميركا هي مع مشروعها الاستعماري وهو الاشمل ، فإن المشكلة مع ايران هي مع مشروعها وهو الاخبث ، لانه يعتمد مبدأ التقية السياسية في تعامله مع الاخرين. ولو كانت ايران اختارت لنفسها سياسة عدم التدخل في الشأن العربي ، واحتكمت الى علاقات حسن الجوار ، لكانت وجدت نفسها في خندق واحد مع العرب في مواجهة المشروع الصهيوني وحاضنته الاميركية وكل من يهدد امنها. اما وانها نحت منحى اخر ، فلا تنتظرن موقفاً ايجابياً منها الا ممن ارتبط مصلحياً بها ، وهي التي عمد نظامها الى التعامل مع اقطار الخليج العربي في المواجهة الاخيرة بخلفية العداء من خلال ماتعرضت له تلك الاقطار من قصف للمرافق الاقتصادية .
ان ان امة العرب ليست ضد ايران كدولة جار فيما لو اختارت علاقة حسن الجوار ، ولا ضد نظامها الذي تختاره شعوبها ، ولكنها حكماً ضد مشروعها الذي احدث تخريباً في الواقع العربي وقد ارتد عليها تدميراً .”وعلى اهلها جنت براقش.”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب