بدء مرحلة الردود «غير المتناسبة» | إيران لأميركا: فلْتكن حرب ناقلات

بدء مرحلة الردود «غير المتناسبة» | إيران لأميركا: فلْتكن حرب ناقلات
تدخل المواجهة الأميركية – الإيرانية مرحلة أكثر خطورة، مع انتقال طهران إلى استهداف القطع البحرية الأميركية، وردّ واشنطن بضرب الناقلات الإيرانية، في تصعيد يكرّس معادلة «ناقلة في مقابل ناقلة».
طهران | كما كان مرجّحاً، لم يدفع تشديد الحصار البحري والضغط الاقتصادي الأميركي، والمترافق مع ضربات متقطّعة تستهدف العمق الإيراني، طهران، إلى الاكتفاء بتفعيل أدوات الالتفاف المالي والتجاري، بل قادها إلى الانتقال التدريجي نحو خيارات عسكرية أكثر هجومية، هدفها تغيير شروط المواجهة. وتجلّى هذا التحوّل بوضوح في تطوّرات اليومَين الماضيَين، التي وصفها مسؤولون إيرانيون بأنها «تغيير في قواعد اللعبة»، وذلك في مقابل انتقال الجانب الأميركي إلى معادلة «ناقلة في مقابل ناقلة» في مضيق هرمز وما حوله.
وانطلقت الموجة الجديدة من التصعيد العسكري بين الجانبَين إثر إعلان «الحرس الثوري»، أول من أمس، استهدافه «حاملة طائرات ومدمّرة أميركيتَين» برشقة من الصواريخ الباليستية المضادّة للسفن، ووصفِه العملية بأنها ردّ حاسم على «انتهاك الحرمة البحرية» و«استمرار الحصار الجائر» الذي تفرضه البحرية الأميركية على إيران. ولعلّ ما يميّز هذا الهجوم عن سابقيه، ليس كثافة النيران بحدّ ذاتها، بل التحوّل الجذري في قواعد الاشتباك؛ إذ نقلت طهران عملياتها، للمرّة الأولى منذ أشهر، من استهداف القواعد البرّية والمسيّرات الاستطلاعية، أو اعتراض السفن التجارية، إلى التهديد المباشر للقطع الحربية والمدمّرات الأميركية، والحال أن هذه الأخيرة لا تقتصر مهمّتها على تنفيذ ضربات ضدّ إيران، بل تمثّل رأس الحربة في فرض الحصار البحري عليها، وخنق حركة ناقلات النفط وسفن الشحن المتّجهة من الموانئ الإيرانية وإليها.
وأقرّت «القيادة المركزية الأميركية» (سنتكوم) بوقوع الاشتباك الذي تحدّث عنه الإيرانيون، غير أنها ادّعت أن الضربات تمّ «صدّها» من دون تسجيل أيّ خسائر بشرية. ومع ذلك، فإن الجيش الأميركي استهدف، في ردّ انتقامي في اليوم نفسه، ثلاث ناقلات نفط إيرانية في مياه الخليج وبحر عُمان -كانت إحداها متمركزة قرب سواحل جزيرة خارك، الشريان الرئيس لتصدير النفط الإيراني-، ادّعت «سنتكوم» أن الهجوم أخرجها «تماماً من دائرة الاستغلال التشغيلي». وينبئ اقتراب العمليات الأميركية من الموانئ والجزر الإيرانية في الخليج والمدخل البحري، بتحوّل في مسار المعركة. إذ يبدو أن واشنطن، في حال أصرّت طهران على إبقاء مضيق هرمز مغلقاً، لن تكتفي باستهداف المنشآت العسكرية في جنوب البلاد، بل تتّجه نحو جعل الناقلات الإيرانية نفسها هدفاً مباشراً.
لكن الاشتباكات لم تتوقّف عند حدّ الردّ الأميركي؛ ففي وقت متأخّر من مساء أول من أمس، أعلنت القوة البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري»، في بيان، أنها، ردّاً على الهجمات الأميركية التي استهدفت ثلاث ناقلات نفط إيرانية، ضربت ثلاث ناقلات كانت تَعبر مضيق هرمز عبر «مسارات غير مسموح بها»، فضلاً عن ثلاث قطع بحرية أميركية أخرى في مناطق مختلفة. وأمس، تواصلت المواجهات أيضاً؛ إذ أعلنت القوة البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» أنها استهدفت زورقاً أميركياً مسيّراً عن بعد. وأوضحت القوة، في بيان، أن الزورق كان يحاول الدخول إلى «المنطقة المحميّة» في مضيق هرمز عندما تمّ استهدافه، في حين سارعت «سنتكوم» إلى نفي وقوع الهجوم. كذلك، أفادت وكالة «فارس»، أمس، بأن ما لا يقلّ عن ثلاث ناقلات نفط وسفينة محمّلة بالغاز الطبيعي المسال (LNG)، كانت تَعبر المسار الجنوبي لمضيق هرمز، غيّرت مسارها إثر تحذير تلقّته من «الحرس الثوري».
تراهن طهران على أن ينعكس تصعيدها العسكري سلباً على موقع «الجمهوريين» في الانتخابات
وتكشف الاشتباكات الجديدة أن الضغط الزمني يثقل كاهل الطرفَين الإيراني والأميركي معاً، ويدفعهما إلى تصعيد إجراءاتهما ضدّ بعضهما البعض، سعياً من كلّ منهما إلى بلورة معادلة جديدة تتوافق مع حساباته. فمن جهة، تتطلّع الولايات المتحدة إلى تقليص قدرة إيران الرقابية على مضيق هرمز، بشكل تدريجي، عبر ضربات عسكرية مستمرّة ومحدودة؛ وفي الوقت نفسه، إلى إخضاع الاقتصاد الإيراني، من طريق تشديد الحصار البحري والضغوط الاقتصادية. وفي المقابل، تجتهد إيران في فرض كلفة اقتصادية وسياسية أعلى على خصومها، بما يحول دون تثبيت المعادلة الأميركية، ويسمح لها باستعادة قدرتها على الردع. وفي هذا الإطار، تراهن طهران على أن ينعكس تصعيدها العسكري، واستمرار الأزمة في مسارات نقل الطاقة عبر «هرمز» و«باب المندب»، سلباً على موقع «الجمهوريين» في انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة في تشرين الثاني المقبل.
وفي السياق، تحدّث رئيس البرلمان ورئيس فريق التفاوض الإيراني، محمد باقر قاليباف، أمس، عن نهاية مرحلة «الردّ المتناسب» وتغيّر «قواعد اللعبة». وقال إن إيران تخوض «حرباً شاملة»، مضيفاً أن «الضربات الموجعة التي وجّهتها القوات المسلّحة إلى القواعد الأميركية، أوقعت صنّاع القرار في واشنطن في حال من الحيرة. حتى إنهم يلجأون، إلى أقوال وشعارات واهية، واستخدام الذكاء الاصطناعي لتلفيق صور ومقاطع فيديو من ساحة المعركة». وأكد قاليباف أن «الأميركيين أدركوا بالتأكيد أن عصر الردود المتناسبة ولّى، وأن ضرباتنا في العمليات الأخيرة ضدّ القاعدة المعتدية كانت مجرّد بداية؛ وإذا لم يكونوا فهموا ذلك حتى اليوم، فعليهم أن يدركوا قبل فوات الأوان أن قواعد اللعبة قد تغيّرت، وأن أيّ اعتداء على المصالح والأمن الإيرانيَين، سيُقابَل من الآن فصاعداً بردّ أسرع وأثقل وأكثر إيلاماً».
وكان زعم الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في الأيام الأخيرة، مراراً وتكراراً، أن السفن تَعبر من مضيق هرمز بسهولة تامّة، وأن السيطرة على هذا المضيق الحيوي هي في يد القوات الأميركية. وفي تعليقها على ذلك، ذهبت صحيفة «إیران» الحكومية إلى أن السياسة الأميركية الجديدة القائمة على معادلة «ناقلة في مقابل ناقلة»، تتناقض مع خطاب واشنطن حول «هرمز»، متساءلةً: «إذا كان المضيق، كما يدّعي ترامب، تحت السيطرة الأميركية، والسفن تَعبره من دون أيّ عوائق، فكيف يمكن تفسير انتقال القوات الأميركية إلى مرحلة استهداف الناقلات الإيرانية بشكل مباشر؟»





