بعد تأكيده مغادرته السلطة نهاية ولايته… مطالب باستمرار السيسي في الحكم مقابل دعوات للاستعداد لتداول السلطة

بعد تأكيده مغادرته السلطة نهاية ولايته… مطالب باستمرار السيسي في الحكم مقابل دعوات للاستعداد لتداول السلطة
تامر هنداوي
القاهرة –: تجدد الجدل في مصر بشأن مستقبل السلطة بعد انتهاء الولاية الرئاسية الحالية للرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2030، بين مطالبات باستمراره في الحكم بدعوى استكمال “مشروعه الوطني” و”مواجهة التحديات” التي تواجه البلاد، ودعوات إلى احترام تعهده بعدم تعديل الدستور أو البقاء في السلطة، والاستعداد لانتقال سلمي للسلطة وإعداد قيادات بديلة قادرة على تولي المسؤولية.
وعلى الرغم من تأكيد السيسي، في أكثر من مناسبة، أن ولايته الحالية ستكون الأخيرة، لا يرغب في المساس بالدستور من أجل تمديد بقائه في الحكم، فإن الدعوات المطالبة باستمراره لم تتوقف، بل انتقلت إلى طرح أفكار تتعلق بإعداد دستور جديد أو تعديل الحالي، بما يتيح فتح المجال أمام مدد رئاسية جديدة.
وأثار هذا التوجه سجالًا بين الإعلامي عمرو أديب والنائب مصطفى بكري، خلال حلقة برنامج “الحكاية” على قناة “إم بي سي مصر”، مساء الجمعة، بعدما طرح الأخير فكرة إعداد دستور جديد للبلاد، معتبراً أن استمرار السيسي يمثل “ضرورة لاستكمال مشروعه الوطني” في ظل ما وصفها بـ”التحديات الإقليمية والدولية”.
وتساءل أديب عما إذا كان اقتراح بكري يعني إعداد دستور جديد يسمح ببدء مدد رئاسية جديدة، ثم مطالبة السيسي بالاستمرار في منصبه، رغم إعلانه عدم رغبته في ذلك. واعتبر أن هذا الطرح يعني عملياً تجاوز الدستور القائم بالكامل، وليس مجرد تعديل بعض مواده.
بكري: من حق المواطنين التعبير عن رغبتهم في بقاء السيسي، حتى إذا كان الرئيس نفسه لا يرغب في الاستمرار
في المقابل، قال بكري إن اقتراحه يعبر عن رأيه الشخصي، وإنه لا يدعو إلى اختراق المادة 226 من الدستور، وإنما يرى ضرورة فتح الباب أمام إعداد دستور جديد، مشيراً إلى وجود مواد دستورية أخرى تحتاج إلى التعديل، من بينها ما يتعلق بالانتخابات المحلية.
وبين أن من حق المواطنين التعبير عن رغبتهم في بقاء السيسي، حتى إذا كان الرئيس نفسه لا يرغب في الاستمرار.
ورفض أديب هذا المنطق، متسائلاً عن جدوى تغيير الدستور إذا كان السيسي قد حسم موقفه وأعلن أن عام 2030 سيكون نهاية وجوده في السلطة، كما طرح تساؤلاً بشأن عدم الثقة في إمكانية ظهور رئيس جديد قادر على قيادة البلاد، قائلًا إن مصر لا يمكن أن تخلو من شخصيات مؤهلة لتولي المنصب.
ورد بكري بأن هناك بدائل بالفعل، لكنه لا يرى أن المرحلة الحالية مناسبة للمغامرة، في ظل التحديات التي تواجه الدولة، مشيرًا إلى أن وجود مشروع وطني لم يكتمل يستدعي، من وجهة نظره، استمرار الرئيس الحالي.
واستحضر الطرفان تجارب سابقة، إذ أشار بكري إلى أن شخصيات لم تكن معروفة على نطاق واسع ظهرت لاحقًا وتولت مواقع قيادية، مستشهداً بتجربة السيسي نفسه قبل توليه الرئاسة، فيما اعتبر أديب أن ذلك يؤكد إمكانية ظهور قيادات جديدة لم تكن مطروحة من قبل، وأن غياب البديل المعروف لا ينبغي أن يكون مبررًا لاستمرار رئيس في الحكم إلى أجل غير محدد.
وانتقل النقاش إلى مسألة تداول السلطة، حيث تساءل أديب عن جدوى النص الدستوري الذي يحدد عدد الولايات الرئاسية إذا كان من الممكن تجاوزه كلما قيل إن البلاد تمر بظروف استثنائية، محذرًا من أن افتراض عدم وجود بديل للرئيس يفتح الباب أمام استمرار الحكم الفردي.
دافع الإعلامي والكاتب الصحافي إبراهيم عيسى عن إعلان السيسي انتهاء ولايته عام 2030، واعتبره “إعلاناً تاريخياً في الحياة السياسية المصرية، يستحق التمسك به والبناء عليه
وفي سياق متصل، دافع الإعلامي والكاتب الصحافي إبراهيم عيسى عن إعلان السيسي انتهاء ولايته عام 2030، واعتبره “إعلاناً تاريخياً في الحياة السياسية المصرية، يستحق التمسك به والبناء عليه، بغض النظر عن الموقف من سياسات الرئيس، سواء بالتأييد أو المعارضة”.
وقال في مقطع فيديو نشره عبر قناته على موقع “يوتيوب”، إن المشكلة الرئيسية التي تواجه مصر منذ ثورة 23 يوليو/تموز 1952 تتمثل في استمرار نمط الحكم الفردي والأبدي، وغياب الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، معتبراً أن احترام الدستور يمثل مدخلاً أساساً للخروج من هذه الأزمة.
وأضاف أن إعلان الرئيس عدم تعديل الدستور من أجل الاستمرار في الحكم يمثل فرصة مهمة لتغيير نمط إدارة السلطة في مصر، محذرًا من محاولات الالتفاف على هذا التعهد أو الدفع نحو التراجع عنه من خلال مقترحات تستند إلى حاجة البلاد لاستمرار الرئيس.
واعتبر أن وصول السيسي إلى نهاية ولايته الحالية عام 2030 يعني قضاء 16 عاماً في الحكم، وهي فترة كافية، من وجهة نظره، لأي رئيس لتقديم مشروعه ورؤيته وبرنامجه، متسائلًا عن مبررات الحديث عن أن الدولة لا تستطيع الاستمرار من دون شخص بعينه.
واستشهد عيسى بالمادتين 140 و226 من الدستور، مشيراً إلى أن المادة الأولى تحدد مدة الرئاسة بست سنوات، ولا تجيز تولي المنصب لأكثر من مدتين رئاسيتين متتاليتين، فيما تتضمن المادة الثانية قيوداً على تعديل النصوص المتعلقة بإعادة انتخاب رئيس الجمهورية ومبادئ الحرية والمساواة.
وانتقد الاستناد إلى فكرة أن الشعب يمكن أن يقرر عبر استفتاء تعديل الدستور بما يسمح باستمرار الرئيس، معتبراً أن تقديم هذه الخطوة باعتبارها تعبيراً عن الإرادة الشعبية لا ينبغي أن يكون وسيلة للالتفاف على الضوابط الدستورية أو تجاوز تعهد الرئيس نفسه.
دعا السياسي والبرلماني السابق محمد أنور السادات، الأحزاب والقوى المدنية إلى إعادة حساباتها وفتح حوار جاد بشأن مستقبل الحياة السياسية
وفي مقابل المطالبات باستمرار السيسي، دعا السياسي والبرلماني السابق محمد أنور السادات، الأحزاب والقوى المدنية إلى إعادة حساباتها وفتح حوار جاد بشأن مستقبل الحياة السياسية، والاستعداد لانتقال سلمي للسلطة، معتبرًا أن إعلان الرئيس انتهاء ولايته في 2030 يتيح فرصة لإعادة التفكير في آليات إعداد وتأهيل قيادات قادرة على تحمل المسؤولية.
واقترح تعيين نائب أو نائبين لرئيس الجمهورية، باعتبار أن الدستور يتيح ذلك، بما يسمح بإعداد شخصيات سياسية وتأهيلها عمليًا ونظريًا من خلال المشاركة في إدارة شؤون الدولة، واكتساب الخبرة اللازمة، تمهيدًا لإمكانية خوض انتخابات الرئاسة عام 2030 وفقًا للشروط الدستورية والقانونية.
ورأى أن هذا المسار يوفر آلية مؤسسية لإعداد قيادات جديدة، ويجنب البلاد الدخول في مقترحات أخرى قد تثير خلافات دستورية وسياسية، ومن بينها ما طُرح بشأن تأهيل شخصيات سياسية من خلال قضاء فترة داخل الأكاديمية العسكرية.
وشدد السادات على أن الانتقال السلمي للسلطة لا يتوقف على إعداد أسماء مرشحة لتولي المسؤولية، وإنما يتطلب تهيئة المناخ السياسي العام، من خلال تشجيع الأحزاب وفتح المجال العام وتعزيز حرية الرأي والتعبير، إلى جانب تعزيز الفصل بين السلطات والتوازن فيما بينها.
وطالب بمراجعة أوضاع المحكوم عليهم في قضايا تتصل بالتعبير عن آرائهم أو المشاركة في العمل السياسي، والنظر في أوضاع المحبوسين احتياطيًا، بما يبعث برسائل طمأنة ويعكس جدية التوجه نحو مرحلة سياسية أكثر انفتاحًا.
وفي مؤشر آخر على محاولات طرح بدائل سياسية، أعلن إسلام بهي الدين تأسيس “تيار جيل الوسط”، باعتباره مشروعًا سياسيًا مدنيًا ديمقراطيًا يستهدف بناء دولة حديثة تقوم على قوة المؤسسات وسيادة القانون واحترام الدستور وحقوق المواطنين، مع الالتزام بالعمل السياسي السلمي ورفض العنف والفوضى.
أعلن إسلام بهي الدين تأسيس “تيار جيل الوسط”، باعتباره مشروعًا سياسياً مدنياً ديمقراطياً يستهدف بناء دولة حديثة تقوم على قوة المؤسسات وسيادة القانون
وقال في بيان إعلان التأسيس إن التيار لا يقدم مجرد اسم جديد في الحياة السياسية، وإنما يطرح مشروعًا يقوم على الانتقال من حكم الفرد إلى منطق المؤسسة، ومن إدارة اللحظة إلى التخطيط للمستقبل، مؤكدًا أن استقرار الدول لا ينبغي أن يرتبط ببقاء الأشخاص، وإنما بقدرة مؤسساتها على الاستمرار والتطور.
وأوضح أن التيار يتبنى رؤية لدولة تتغير فيها الحكومات والقيادات وتتداول فيها السلطة دون اضطراب مؤسساتها، ويخضع المسؤولون فيها للمحاسبة، وتكون صلاحياتهم محددة بالدستور والقانون، مشددًا على أن رئيس الجمهورية في النظام الديمقراطي مسؤول أمام الشعب ومؤتمن على إرادته.
وأكد البيان رفض التيار التطرف والعنف والدعوات إلى الفوضى، وكذلك الجمود وتقديس السلطة وهدم مؤسسات الدولة، داعيًا إلى الجمع بين الإصلاح والحفاظ على مؤسسات الدولة، والاحتكام إلى الدستور والقانون باعتبارهما أساسًا لممارسة السلطة.
وأشار إلى أن المشروع يستهدف وضع الإنسان المصري في صدارة السياسات العامة، وتعزيز دور المؤسسات في إدارة الحكم، وتوسيع مساحات التفكير والنقاش والمبادرة، إلى جانب دعم التعليم والصحة والثقافة والحرية والتنمية.
ودعا التيار إلى المشاركة في صياغة رؤيته لمستقبل مصر، معتبرًا أن الاختلاف السياسي لا يعني الخيانة، وأن النقد وطرح الأسئلة يمثلان جزءًا من الحياة العامة، وأن المواطن هو مصدر شرعية السلطة.
“القدس العربي”



