تحقيقات وتقارير

بعد رفض لندن لسياسة ترامب في أوكرانيا هل بدأ الحلف الأنكلوسكسوني المقدس في التآكل؟

بعد رفض لندن لسياسة ترامب في أوكرانيا هل بدأ الحلف الأنكلوسكسوني المقدس في التآكل؟

حسين مجدوبي

ترى لندن أن الرابح الأكبر من سياسة ترامب ستكون روسيا في أوروبا، ثم الصين في مجموع العالم، وستؤدي إلى عالم جيوسياسي جديد لن تكون لأوروبا كلمة فيه وستفقد بريطانيا التأثير.

  تقترب لندن في موقفها من تطورات الحرب الروسية-الأوكرانية من الاتحاد الأوروبي وخاصة فرنسا وكذلك في القضية الفلسطينية أكثر من مواقفها المؤيدة في غالب الأحيان لواشنطن. ويحدث هذا في وقت ابتعدت فيه عن الأوروبيين بسبب «البريكسيت». وهذا الابتعاد عن واشنطن يجر إلى التساؤل عن صلابة الحلف الأنكلوسكسوني «المقدس» في التنسيق في القضايا الدولية، وهل بدأ يتآكل مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؟

وكان الاعتقاد السائد وسط الأوروبيين هو عودة انخراط لندن في سياسة البيت الأبيض وبالتالي مزيدا من إضعاف الاتحاد الأوروبي الذي يعاني مسبقا ومنذ حرب العراق سنة 2002 من ولاء بعض دول أوروبا الشرقية مثل بولندا للسياسة الأمريكية أكثر منها الأوروبية، وكان الرئيس الفرنسي وقتها جاك شيراك قد نبه وحذّر من خطورة هذا الولاء على القرار الأوروبي. غير أن رئيس الحكومة البريطانية كبير ستارمر كان من الأوائل الذين أخذوا مسافة من سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ملفين يشغلان الرأي العام العالمي وهما فلسطين وأوكرانيا وخاصة الملف الأخير الذي يشهد تطورات نوعية.

ستارمر يواجه ترامب

وعلاقة بالملف الأوكراني الذي يشهد تطورات متسارعة، كان الاتحاد الأوروبي ينتظر خطوات ترامب المختلفة عن سياسة الرئيس جو بايدن ولكن ليس بهذه الحدة المتمثلة أولا في تشكيك ترامب في مصداقية وجود الرئيس فلاديمير زيلينسكي في المنصب الرئاسي، لأنه لم يجر انتخابات رئاسية، وثانيا، الاتفاق الذي يسعى إليه البيت الأبيض مع روسيا على وقف الحرب مع الإشارة إلى إمكانية احتفاظ موسكو بإقليم دونباس وشبه جزيرة القرم إلى الأبد. ويحدث هذا بدون منح الأوروبيين وكييف دورا رئيسيا في مفاوضات السلام.
وكان كير ستارمر، سبق غالبية زعماء الاتحاد الأوروبي، ومن المبادرين الأولين على المستوى الأوروبي والعالمي في الرد على ترامب والإعراب عن دعمه الكبير للرئيس الأوكراني زيلينسكي مؤكدا أن هذا الأخير جرى انتخابه ديمقراطيا من طرف الشعب الأوكراني. ومشددا على دحض مزاعم ترامب بقوله «من المعقول تمامًا تعليق الانتخابات في زمن الحرب كما فعلت المملكة المتحدة خلال الحرب العالمية الثانية». وفي سياسته المناهضة لترامب الذي يريد وقف أي دعم عسكري عن أوكرانيا، تعهد ستارمر بالاستمرار في الدعم العسكري بالسلاح للجيش الأوكراني حتى تحقيق السلام، ثم التعهد بإرسال رفقة فرنسا 30 ألف جندي للحفاظ على السلام والدفاع عن وحدة أوكرانيا. ولم يتأخر الإعلام البريطاني في دعم موقف لندن وتوجيه انتقادات لاذعة إلى سياسة ترامب في أوكرانيا.
وكان ستارمر قد استبق سياسة ترامب قبل وصوله إلى البيت الأبيض بأيام، ووقع يوم 17 كانون الثاني/يناير الماضي في كييف على اتفاقية مع أوكرانيا تمتد إلى مئة سنة، وتتضمن التعاون في مختلف المجالات ومنها الدفاع المشترك عن أمن البلدين والحلفاء، وإقامة قاعدة صناعية عسكرية صلبة. وتعد هذه الاتفاقية استراتيجية، وتتجاوز ما يحدث في المرحلة الحالية نحو تعاون أعمق بكثير يشمل الإعداد للتطورات التي قد تشهدها أوروبا خلال العقود المقبلة. وكتب رئيس الحكومة البريطانية مقالا في جريدة «ذي تيليغراف» يوم 16 شباط/فبراير الجاري تضمن أفكارا جريئة وضرورة الدفاع عن أوكرانيا مبرزا ضرورة قيام بريطانيا بدورها ولو تعرضت للخطر لأن «المساعدة على ضمان أمن الأوكرانيين هي مساعدة على ضمان أمن بلدنا وقارتنا».
وفي ملف ساخن يشغل الرأي العام العالمي وهو حرب إسرائيل ضد غزة، كان رئيس الحكومة البريطانية من الأوائل الذين رفضوا مقترح ترامب تهجير الفلسطينيين وتحويل القطاع إلى منتجعات سياحية تابعة للولايات المتحدة الأمريكية مباشرة. ورغم تنسيق واشنطن ولندن في الملف الفلسطيني وتسليح الكيان الإسرائيلي، إلا أن كير ستارمر كان واضحا بقوله «إنه يجب السماح لسكان غزة بالعودة إلى منازلهم وإعادة الإعمار على طريق حل الدولتين». بل امتد رفض مقترح ترامب إلى صديقه رئيس الحكومة الأسبق بوريس جونسون الذي سخر من مقترح الرئيس الأمريكي بترحيل الفلسطينيين، وطلب بنقهلم إلى منتجعه في ولاية فلوريدا.

أسباب موقف لندن

ويتفاجأ المراقبون من مواقف لندن وهي التي كانت دائما على وفاق مع القرارات السياسية التي تتخذها واشنطن في الملفات الدولية ومنها الانخراط في حرب غير قانونية ضد العراق سنة 2003. ونادرا ما اختلفت معها في قضايا وبشكل نسبي، كما حدث سنة 2013، عندما رفض البرلمان البريطاني المشاركة في ضرب سوريا بسبب استعمالها أسلحة كيميائية ضد المدنيين. ومن المرجح جدا، أن موقف الحكومة البريطانية الذي يحظى بتاييد كبير من باقي المؤسسات مثل الاستخبارات والجيش يعود إلى عاملين رئيسيين وهما:
في المقام الأول، مساعي فريق ترامب وخاصة إيلون ماسك بالتأثير في السياسة البريطانية بالتشجيع على التطرف السياسي من خلال دعمه لليمين القومي المتطرف، ويمتد هذا إلى مجموع أوروبا. ولم يسبق لإدارة أي رئيس أمريكي أن حاولت التدخل العلني وبنوع من التهديد في القضايا البريطانية.
في المقام الثاني، وهو الأهم، القلق الشديد من تصرفات البيت الأبيض، إذ أن النسخة الجديدة من ترامب في عودته للرئاسة مختلفة عن نسخته الأولى ما بين سنتي 2017-2012، فهذه المرة يتصرف كما قال الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا كـ»إمبراطور العالم». ومن شأن هذه التصرفات مثلما جاء في مقترح تهجير فلسطينيي غزة وضرب حل الدولتين والضغط على أوكرانيا لقبول سلام خطير على الأمن القومي الأوروبي، أن تضرب بدون شك التوازن العالمي القائم منذ الحرب العالمية الثانية. وهو توازن لم يتأثر كثيرا بانهيار الاتحاد السوفييتي لأن روسيا استعادت قوتها نسبيا، ولكن سياسة ترامب قد تقود العالم للمجهول. وترى لندن أن الرابح الأكبر من سياسة ترامب ستكون روسيا في أوروبا، ثم الصين في مجموع العالم. وعمليا، عالم جيوسياسي جديد لن تكون لأوروبا كلمة فيه وستفقد بريطانيا الكثير من التأثير وستصبح دولة ثانوية.
وتجر هذه التطورات إلى تساؤل عريض ومفاده: هل يشكل الاختلاف حول القضية الأوكرانية بين لندن وواشنطن وربما ملفات أخرى لاحقا ومنها فلسطين، بداية تآكل ذلك الحلف الأنكلوسكسوني الذي تميز وسط الغرب واتخذ الكثير من القرارات التي تحكمت في مجرى العالم خلال المئة سنة الأخيرة؟ بدون شك، ستحاول لندن الحفاظ على نوعية العلاقات الأطلسية، لكن إذا ترسخ نهج ترامب في واشنطن لسنوات طويلة، بمعنى قدوم رؤساء على شاكلة ترامب، سيتراجع هذا الحلف، لاسيما وأن أجندة واشنطن المستقبلية تركز على منطقة الهادي ـ الهندي.

 ـ «القدس العربي»:

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
جميع الآراء المنشورة تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي صحيفة منتدى القوميين العرب