بعيدًا عن أضواء النجومية: حين تتحول الشهرة إلى عبء في حياة الفنان

بعيدًا عن أضواء النجومية: حين تتحول الشهرة إلى عبء في حياة الفنان
عبد العزيز بنعبو
الرباط – : الفنان المغربي والعربي بشكل عام يعرف جيدا ضريبة النجومية، وهي باهظة، وتكاليف مسايرة الصورة التي يرسمها المشاهد للممثل الذي ظهر مرارا وتكرارا في مسلسل أو فيلم أو حتى وصلة إشهارية، تتجاوز قدراته المالية بكثير.
تبدو الصورة في الظاهر بسيطة، لكنها في العمق تكشف مفارقة لافتة بين الاختيار والاضطرار. فعندما يتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي صور الممثل الهوليوودي كيانو ريفز، وهو يستقل القطار أو الترام، أو يشتري كوب قهوة من محل في الشارع بين الناس، فإن ذلك يقدّم كاختيار لكسر روتين الشهرة والعيش خارج ضغط الأضواء.
لكن المشهد في المغرب أو في عدد من البلدان العربية يختلف كليا. هنا، لا يكون ركوب الحافلة أو الترام خيارا فلسفيا أو أسلوب حياة، بل نتيجة مباشرة لانتهاء عقد عمل فني انتهت معه العائدات، ليبدأ الفنان من جديد رحلة البحث عن فرصة عمل جديدة لدى منتج أو مشروع جديد.
إلى وقت قريب، وما زالت هذه الحالات تظهر بين الحين والآخر، كانت تتداول تصريحات لفنانين ذوي تجربة طويلة، أقرب إلى اعترافات قاسية عن واقع المهنة، فترات طويلة بلا عمل، عجز عن تسديد مصاريف العلاج، وأحيانا حتى صعوبة في أداء كراء المنزل.
هذه الصور التي كانت أكثر حضورا في سنوات سابقة، بدأت تتراجع في التداول العلني، ليس لأن الوضع تغيّر، بل لأن جزءا من الجيل الحالي يرفض تحويل معاناته إلى مادة إعلامية أو «خبرا اجتماعيا» يستهلك بسرعة. لكن جوهر الإشكال لم يتغير كثيرا، لأن الهشاشة ما زالت قائمة، وإن اختلفت أشكال التعبير عنها.
القضية لا تقتصر على المغرب وحده، بل تمتد إلى المشهد العربي عموما، حيث يعيش عدد من الفنانين وضعا مهنيا غير مستقر، يقوم على العمل المتقطع عوض الاستمرارية.
ومع تركز الإنتاج السمعي البصري في مواسم محددة، وعلى رأسها الموسم الرمضاني، أصبح جزء كبير من العمل الفني مرتبطا بدورات قصيرة ومكثفة، يعقبها فراغ مهني طويل. هذا التحول أنتج واقعا يتمثل في غياب دخل شهري قار، وهشاشة مالية ممتدة طوال السنة، وارتباط فرص العمل بمنطق العرض الموسمي أكثر من الاستمرارية. وهكذا، يجد عدد كبير من الفنانين والتقنيين أنفسهم أقرب إلى منطق «العمل باليومية»، رغم أن طبيعة المهنة إبداعية وليست يدوية. أمام هذا الوضع، تدخلت مؤسسات مهنية ونقابية، إلى جانب وزارة الثقافة، من أجل تنظيم القطاع عبر مسار قانوني طويل انتهى بإرساء «بطاقة الفنان» كآلية للاعتراف المهني. وقد مر هذا المسار بعدة محطات أساسية، منذ بداية 2003 مع أول اعتراف قانوني، ثم انطلاق تسليم البطاقات المهنية سنة 2007، مرورا بالقانون الإطار سنة 2016، ثم تنظيم أصناف البطاقة سنة 2017، وصولا إلى 2022 مع ربطها بنظام التغطية الصحية الإجبارية عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي. هذه التراكمات التشريعية كانت تهدف إلى إخراج القطاع من الهشاشة، وإدخاله في إطار مهني منظم. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن عدد الحاصلين على بطاقة الفنان يتراوح بين 12 ألف و13 ألف بطاقة مهنية تشمل فنانين وتقنيين وإداريين. لكن السؤال الذي ظل حاضرا رغم هذا المسار الطويل: هل انعكس هذا الاعتراف القانوني على واقع العيش المهني للفنان؟
على المستوى العملي، تكشف المؤشرات المتداولة داخل القطاع عن فجوة واضحة بين التسجيل القانوني والاستفادة الفعلية من الحماية الاجتماعية. فرغم إدماج الفنانين ضمن منظومة التأمين الإجباري عن المرض، عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، تبقى طبيعة العمل الفني عائقا أمام استقرار التغطية، بسبب طابعه غير المنتظم.
وتشير تقديرات مهنية إلى أن فترات العمل الفعلية للفنانين والتقنيين غالبا ما تظل محدودة جدا، إذ تتراوح في كثير من الحالات بين 15 و45 يوما سنويا فقط، وهي مرتبطة أساسا بتصوير أعمال تلفزيونية أو مشاريع فنية ظرفية. وهنا تتشكل ما يمكن تسميته بالعطالة المقنعة، حيث فنان مسجل رسميا، يحمل بطاقة مهنية، ومنخرط في نظام الحماية الاجتماعية، لكنه يظل عمليا بدون دخل قار لمعظم أشهر السنة.
رغم وجود إطار قانوني منظم، فإن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق. فالمساهمة في نظام الحماية الاجتماعية تتطلب أداء اشتراكات منتظمة، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل غياب دخل ثابت. كما أن التصريح بأيام العمل يظل بدوره محدودا، ما يؤثر مباشرة على مستوى الاستفادة من التغطية الصحية، ويجعل الحماية الاجتماعية في كثير من الحالات أقرب إلى إطار نظري منها إلى ضمان فعلي.
في خلفية هذا المشهد، تبرز إشكالات أخرى تتعلق بطريقة توزيع فرص العمل داخل القطاع. فالحضور المتكرر لنفس الوجوه في عدد من الإنتاجات، مقابل غياب أسماء أخرى، يطرح تساؤلات حول معايير الولوج إلى المهنة، ويغذي الإحساس بغياب تكافؤ الفرص لدى فئات واسعة من الممارسين، من الرواد إلى خريجي المعاهد الفنية.
وفي رأي النقاد، فإن هذا الواقع يكشف عن مفارقة عميقة تتمثل في كون الفن الذي يصنع الفرجة ويمنح لحظات الترفيه، يقوم في جزء كبير منه على أوضاع مهنية هشة وغير مستقرة. ويتساءلون: هل يمكن إعادة التفكير في النموذج الاقتصادي للقطاع الفني بما يضمن كرامة العيش للفنان؟ أم أن العطالة الفنية المقنعة ستظل جزءا غير معلن من خلفية الصورة اللامعة للشاشة؟ وإلى حين الإجابة، تظل هذه الأسئلة معلّقة بين كواليس الإنتاج وواقع المعيش، في انتظار أن تتحول من نقاشات مهنية إلى إصلاحات ملموسة على الأرض.
«القدس العربي»



