مقالات
بكر أبوبكر كنموذج للأديب والمفكر المبدع والساخر!
بكر أبوبكر كنموذج للأديب والمفكر المبدع والساخر!
د.خالد الناصر
يُعدّ الكاتب والمفكر الفلسطيني بكر أبو بكر نموذجاً مميزاً للأديب الذي يمزج بين العمل السياسي/الفكري والمسارات الإبداعية والقصصية؛ حيث تُشكل السخرية المبطنة والمفارقة الواقعية ملمحاً بارزاً في نتاجه الأدبي لتشريح الواقع المعيش ونقد عيوب التفكير البشري والسياسي والاجتماعي.
برز هذا الخط الأدبي بشكل واضح عبر تطور مجموعاته القصصية وإصداراته التي تراوحت بين المجموعات القصصية والنصوص النقدية الساخرة
1-مجموعة “لم لا!” (2000) حيث تمثل هذه المجموعة بداية انشغاله بالقصة القصيرة، واتسمت القصص بطرح تساؤلات وجودية وواقعية مغلفة بنبرة تمردية تسعى لكسر المألوف والجمود الفكري
2- التطور القصصي والإبداعي: تلا ذلك قصص أخرى مثل “في الزمن الواقع بإمكانكم أن تطيروا” (2003)، ومجموعة “ثلاثة شروط بسيطة”، وكتاب “ليس للفقير أن يحلم”. ثم مجموعته القصصية “أبونرجس يدخل الانتخابات” الصادرة في حيفا عام 2023م.
* في هذه السلسلة، مال أسلوبه إلى استخدام الواقعية الساخرة والمفارقة، حيث يضع الشخصيات البسيطة والمهمشة في مواجهة قوى أكبر منها (كالسلطة أو البيروقراطية أو الفقر) بنبرة متهكمة ذكية.
3-كتاب “صديقي الأحمق العزيز!” (الإصدار الأحدث) ويُمثل هذا الكتاب (الذي صدر مؤخراً عن دار البيرق العربي) قمة التجلي النقدي الساخر في كتاباته، فلا يقف الكتاب عند حدود القصة التقليدية، بل يتحول إلى تشريح اجتماعي وسياسي وتنظيمي ظريف وعميق لمفهوم “الحماقة” و”الغباء السياسي”.
* بالكتاب يسخر فيه من الشخصيات المدعية، متقلبة المواقف، وقليلة الخبرة كثيرة الاستعراض، والتي تتحول من “نزوة فردية” إلى “قوة تتحكم في مصائر الناس” دون أن تملك الأهلية.
* ينطلق العمل من مقالات ومواقف واقعية (مثل مقالته الشهيرة “زميلي الأحمق العزيز؟!”) ليعيد صياغتها بأسلوب يضحك القارئ ويبكيه في آن واحد على تفاصيل الحياة والعمل والتنظيم. وبذلك، يلتقي بكر أبو بكر مع رواد المدرسة الساخرة في توظيف المفارقة والنقد المباشر واللاذع لتمرير رسائل التوعية والتغيير
السلطان والغباء السياسي
يُعد هذا الكتاب أحد أبرز أعماله القصصية التي يسخر فيها من النرجسية السياسية والشهوة المطلقة للسلطة، ويمكن تلخيص مضامينه خاصة في قصة السلطان ضمن المجموعة القصصية في النقاط التالية:
* نقد عقلية “المستبد”: يهاجم الكتاب الفردية والتمسك بالكرسي، مسقطاً صفة “السلطان” على كل مسؤول يرى نفسه فوق النقد أو المساءلة.
* التهكم على النفاق المحيط: يسخر من طبقة “الحاشية” والمصفقين الذين يصنعون الطغاة الصغار في المؤسسات أو التنظيمات.
* الانتصار للمهمشين: يضع القارئ في مواجهة المفارقة بين شعارات “السلطان” البراقة والواقع المزري للمواطن البسيط أو العضو التنظيمي القاعدي.
مفهوم “الغباء” (التنظيمي والسياسي) عنده
أفرد الكاتب مساحة واسعة (خاصة في أحدث إصداراته “صديقي الأحمق العزيز”) لتشريح ظاهرة الغباء في العمل العام) حيث يراه أبو بكر ليس نقصاً في الذكاء الحيوي (البيولوجي)، بل هو العجز عن القراءة الصحيحة للواقع، والإصرار على تكرار ذات الأخطاء بانتظار نتائج مختلفة.
* مظاهر الغباء التنظيمي: تتمثل في غياب التثقيف الفكري، صعود الشعبوية، وتحكّم غير المؤهلين بمصائر الأطر الجماعية نتيجة المحسوبية.
* تدمير الذات الفصائلية يصف الكاتب استخدام أدوات النضال في معارك داخلية أو تدمير المكتسبات الوطنية بأنه “غباء سياسي وعيب وطني” يؤدي إلى تراجع القضية الكبرى.
من أهم مؤلفاته الفكرية والسياسية والتنظيمية
إلى جانب مجموعاته القصصية، يمتلك بكر أبو بكر مكتبة غنية من المؤلفات التي تُدرس في الأطر الحركية والسياسية وفي المعتقلات، تصل الى 40 كتابًا (أنظر مكتبة نور https://www.noor-book.com/ على الشابكة، https://archive.org/وموقع أرشيف لتجد كتبه، ومقالاته الكثيرة بمواقع عديدة ومنها بموقعه الشخصي https://bakerabubaker.net/ ، ويمتلك عديد الاوراق والدراسات وآلاف المقالات الأخرى ويمكننا ذكر كنموذج سريع: أفول نجم التنظيم السياسي، ودراسة حركة فتح: الفكر والمسلكية والمنهج، وورقة الشخصية الكاريزمية والقيادة وهي دراسة في السلوك القيادي وكيفية بناء الكوادر القادرة على الإدارة. ورقة بين السياسة وغوغاء الشعبوية وهو نقد فكري لظاهرة التجييش العاطفي وغياب الوعي بين الجماهير. وأيضًا ورقة ثقافة المبادرة وثقافة الاستسلام كمقاربة فكرية تحث على الإيجابية ورفض الخنوع الفكري والسياسي…الخ الكثير.
* أسلوبه: يقدم سخرية سياسية واجتماعية واعية، ممتزجة بالنقد الذاتي الحاد، مستفيداً من مفارقات المشهد الفصائلي والسياسي العربي والفلسطيني.
* تجلّي السخرية عنده: يظهر أسلوبه الساخر في مقالاته وكتبه التي تفكك “عقلية التنظيم” أو “أوهام القيادة”، وتعرّي الشعارات الرنانة التي تصطدم بجدار الواقع المأساوي. السخرية هنا هي وسيلة “لتطهير” الوعي ومواجهة الانحرافات الفكرية.
* الملامح الساخرة: السخرية عنده نقدية حركية، تهدف إلى البناء لا الهدم فقط، وهي كوميديا سوداء تولد من رحم المعاناة الفلسطينية اليومية والاشتباك المستمر مع الاحتلال من جهة، ومع الترهل الداخلي من جهة أخرى.
خاتمة: الكاتب والمفكر الفلسطيني بكر أبو بكر يمثل امتداداً للفكر السياسي الرصين من جهة، وللإرث الساخر في عدد من كتبه وقصصه ومنشوراته في سياق القضية الفلسطينية والواقع العربي المعاصر، حيث تُوظف السخرية كأداة نقدية داخلية وخارجية في آن واحد، وحيث تجد أن الرحلة من الساخرين العرب أي من أمثال الجاحظ وصولاً إلى زكريا تامر وعزيز نيسين ثم الى بكر أبو بكر هي رحلة تحول الضحك من “فاكهة الكلام” إلى “مواجهة واحتجاج”





