بلا بساط أحمر في برلين: لماذا تجنبت حكومة ميرتس لقاء ابن الشاه رغم صعوده في معادلة إيران؟

بلا بساط أحمر في برلين: لماذا تجنبت حكومة ميرتس لقاء ابن الشاه رغم صعوده في معادلة إيران؟
علاء جمعة
برلين- : غادر رضا بهلوي، نجل آخر شاه لإيران، برلين من دون أن يحصل على اللقاء السياسي الذي كان يأمله مع الحكومة الألمانية. زيارة صاخبة أمنيا وإعلاميا، لكنها باردة رسميا؛ فقد فتحت له العاصمة الألمانية ساحات النقاش والجدل، لكنها لم تفتح له أبواب الحكومة. وبينما استقبله عدد محدود من نواب البرلمان، تمسكت حكومة المستشار فريدريش ميرتس بموقف حذر، معتبرة إياه «شخصا خاصا» لا ممثلا رسميا للمعارضة الإيرانية.
وبذلك تحولت الزيارة، أكثر مما كانت جولة سياسية عادية، إلى اختبار لطريقة تعامل برلين مع مستقبل إيران: هل تراهن على أصوات المعارضة في المنفى، أم تبقي قنواتها مفتوحة مع النظام القائم في طهران، رغم كل الانتقادات الموجهة إليه؟ وبحسب مجلة «دير شبيغل» الألمانية، فإن ابن الشاه، الذي يراه كثيرون رمزا لأمل إيراني في مرحلة ما بعد حكم الملالي، لم يكن مرحبا به على المستوى الحكومي، رغم استقباله من قبل شخصيات برلمانية بارزة.
وفي مشهد بدا للوهلة الأولى وكأنه استقبال لشخصية دولية رفيعة، تحوّل الحي الحكومي في برلين إلى ما يشبه المنطقة المحصنة. سيارات شرطة، حواجز، مسارات مغلقة، ومتظاهرون يتجهون إلى محيط الرايخستاغ، بينما كان رضا بهلوي يصل إلى العاصمة الألمانية حاملا رسالة سياسية واضحة: إقناع الغرب، وألمانيا تحديدا، بأن زمن الرهان على النظام الإيراني قد انتهى.
رفضت برلين استقبال بهلوي رسميا، وقدمته بوصفه «شخصا خاصا» لا ممثلا سياسيا معترفا به
لكن المفارقة أن الرجل الذي يرى فيه قسم من الإيرانيين في الداخل والمنفى «صوتا للمرحلة الانتقالية»، لم يجد في برلين بابا حكوميا مفتوحا. فالحكومة الألمانية تعمّدت إبقاء المسافة، ورفضت استقباله رسميا، وقدمته بوصفه «شخصا خاصا» لا ممثلا سياسيا معترفا به. وبحسب مجلة «دير شبيغل» الألمانية، حملت زيارته عنوانا عريضا داخل برلين: «ابن الشاه غير مرحب به» على المستوى الحكومي، حتى وإن استقبله عدد محدود من نواب البرلمان.
الرسالة الرسمية الألمانية جاءت بوضوح في المؤتمر الصحافي الحكومي. فقد قال المتحدث باسم الحكومة شتيفان كورنيليوس إنه «لا توجد لقاءات مخططة مع ممثلين عن الحكومة»، مضيفا أن بهلوي «شخص خاص تقف خلفه حركة أو يحمله تيار ما»، وأن برلين «لا ترى سببا للبحث عن لقاء معه». والأهم أن كورنيليوس شدد على أن مخاطب ألمانيا في ملف إيران، في اللحظة الراهنة، هو النظام القائم في طهران، مع تأكيده أن الهدف السياسي الألماني يبقى أن يقرر الشعب الإيراني بحرية شكل قيادته ومستقبله.
داخل قاعة المؤتمر الصحافي، حاول بهلوي تحويل الزيارة إلى منصة اتهام للغرب. قال إن الإيرانيين لا يحتاجون إلى مزيد من بيانات القلق، بل إلى موقف سياسي واضح يقطع مع ما وصفه بسياسة «الاسترضاء» التي اتبعتها الحكومات الغربية طوال عقود. وهاجم قرار حكومة فريدريش ميرتس عدم لقائه، معتبرا ذلك «عارا»، لأن الحكومات الديمقراطية، كما قال، يجب أن تتحدث مع من يمثلون «صوت من لا صوت لهم». ونقلت المجلة الألمانية شبيغل عنه انتقاده أي تفاوض جديد مع «الملالي»، لأن ذلك، وفق رأيه، يمنح شرعية لمن يقمعون الشعب الإيراني.
هاجم بهلوي قرار حكومة فريدريش ميرتس عدم لقائه، معتبرا ذلك «عارا»
لكن برلين لا تنظر إلى المسألة من زاوية أخلاقية فقط. فبحسب «دير شبيغل»، تلعب الحسابات الدبلوماسية دورا واضحا في هذا التجاهل الرسمي. وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أعلن مؤخرا أن بلاده استأنفت الاتصال بالحكومة في طهران، في ظل أولوية ألمانية-أوروبية تتعلق بفتح مضيق هرمز أمام الملاحة. وهذا يعني أن الحكومة الألمانية، حتى وهي لا تمنح النظام الإيراني شرعية سياسية، ترى أنه يبقى الطرف الضروري في أي مسار لخفض التصعيد أو حماية طرق التجارة والطاقة. وقد أكد ممثل وزارة الخارجية في المؤتمر الصحافي الحكومي أن ألمانيا لديها علاقات دبلوماسية مع إيران «وتحافظ عليها في إطار الممكن حاليا».
في البرلمان الألماني، لم يحصل بهلوي على «بساط أحمر» رسمي. لم تكن له مواعيد داخل البوندستاغ كمؤسسة، بل استقبله عدد محدود من النواب في الجمعية البرلمانية القريبة من الرايخستاغ. أبرز هؤلاء كان أرمين لاشيت، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البوندستاغ والقيادي في الحزب المسيحي الديمقراطي. لاشيت دافع عن اللقاء معه، معتبرا أنه «أشهر وجه معارض معروف» في الملف الإيراني، وأنه قد يكون شخصية قادرة على قيادة مرحلة انتقالية إذا تغيرت الظروف داخل إيران. ووفقا لتغطية «زد دي إف»، قال لاشيت إن بهلوي لا يرى نفسه حاكما دائما أو شاها جديدا، بل شخصية انتقالية.
لكن موقف لاشيت لم يكن محل إجماع حتى داخل المعسكر المحافظ. فقد عبّر يورغن هارت، المتحدث باسم السياسة الخارجية في كتلة الاتحاد المسيحي، عن شكوك واضحة في قدرة بهلوي على تمثيل طريق إيران نحو الحرية والسلام. ونقلت «دير شبيغل» عنه تساؤله: لماذا لا يؤسس بهلوي حزبا ديمقراطيا في المنفى ويقدم برنامجا سياسيا واضحا؟ بالنسبة إلى هارت، المشكلة ليست في الحوار مع بهلوي بحد ذاته، بل في المبالغة في الرهان عليه أو التعامل معه كبديل.
ترى وزيرة العدل في برلين والمنحدرة من أصول إيرانية أن عائلة بهلوي ترمز إلى نظام سلطوي قبل عام 1979، شهد ملاحقة وتعذيب وقتل معارضين، ولم يعرف حرية صحافة أو قضاء مستقلا
في المقابل، جاءت انتقادات أخرى من داخل الوسط السياسي الألماني أكثر حدة تجاه بهلوي نفسه. فقد نقلت قناة «تسي دي إف» التلفزيونية الإخبارية عن فيلور بادنبرغ، وزيرة العدل في برلين والمنحدرة من أصول إيرانية، قولها إن عائلة بهلوي ترمز إلى نظام سلطوي قبل عام 1979، شهد ملاحقة وتعذيب وقتل معارضين، ولم يعرف حرية صحافة أو قضاء مستقلا. كما قالت إن بهلوي لم يقدم حتى اليوم مسافة نقدية واضحة وكافية من ذلك الإرث. ونقلت «زد دي إف» أيضا عن السياسية الخضراء لويزه أمتسبرغ أن بهلوي شخصية «تستقطب» بشدة داخل الجالية الإيرانية، وأن أي حوار معه يجب أن يتضمن مواجهة نقدية لمواقفه السياسية.
صحيفة «تاغسشبيغل» كتبت أن قرار الحكومة الألمانية بالابتعاد عن بهلوي يبدو، عند التدقيق، أقرب إلى «تجنب خاطئ»، لأن اللقاء معه لا يعني الاعتراف به قائدا لإيران ولا تبني مشروعه السياسي، بل يتيح الاستماع والتقدير وفتح الإمكانات. الصحيفة رأت أن الاكتفاء بوصفه «شخصا خاصا» لا يجيب عن حقيقة أنه أصبح رقما حاضرا في النقاش حول مستقبل إيران.
أما «دويتشلاند فونك» فأبرزت الجانب الهجومي في خطاب بهلوي، مشيرة إلى أنه دعا الحكومات الأوروبية إلى التوقف عن التفاوض مع قيادة طهران، لأن أي تفاوض، في رأيه، يمنح أجهزة الحكم الإيرانية فرصة للبقاء. كما نقلت عنه اتهامه للحكومة الألمانية بأنها تسمح لطهران بفرض شروطها على من تلتقي ومن لا تلتقي.
“القدس العربي”




