بن سلمان بين إيران ورمزية القضية الفلسطينية: هل حقاً أيد الهجوم على طهران؟

بن سلمان بين إيران ورمزية القضية الفلسطينية: هل حقاً أيد الهجوم على طهران؟
ظهر في الأسابيع الأخيرة أن ضغوطاً إقليمية خفية تسعى إلى منع ترامب من شن هجوم ضد إيران خشية من تصاعد التوتر في الشرق الأوسط والإضرار بالبنية التحتية للنفط والغاز. وكان ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان هو الذي دعا علناً إلى حل دبلوماسي وصرح بأن بلاده لن تسمح باستخدام أراضيها في أي عمل عسكري. لفهم أهمية هذا الأمر، لا بد من وضع بن سلمان في سياق الخريطة الإقليمية للعام 2026. لا شك أنه الزعيم الأبرز الآن؛ فله تأثير كبير في كل مفترق طرق رئيسي في الشرق الأوسط تقريباً: في سوريا يدعم الرئيس أحمد الشرع ويعطيه شرعية واسعة، وفي لبنان يدعم الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام في مواجهة حزب الله، وفي المسألة الفلسطينية كان له دور مهم في الدفع نحو وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وعلى الأقل يواصل العمل ظاهرياً على حل الدولتين.
في الوقت نفسه، يسعى بن سلمان إلى تشكيل محور سني إقليمي جديد يشمل تركيا ومصر وقطر. ورغم أن هذا المحور لم يعلن رسمياً تحالفاً عسكرياً، فإنه يمثل تنسيقاً استراتيجياً في مواجهة التحديات التي تشكلها إيران. وقد حول ولي العهد السعودية من دولة رد فعل إلى دولة فاعلة، من خلال استثمار مئات المليارات وبناء التحالفات والوساطة في الصراعات والسعي إلى صياغة نظام إقليمي جديد تتبوأ فيه السعودية مكانة مركزية. لكن إيران كانت دائماً في كل الساحات تقريباً عقبة أمامها: في لبنان عبر حزب الله، في سوريا عبر المليشيات الشيعية، في اليمن عبر الحوثيين، في غزة عبر دعم التنظيمات الفلسطينية مثل حماس والجهاد الإسلامي. بالنسبة للسعودية، لا تعتبر إيران مجرد منافس أيديولوجي ديني، بل منافس استراتيجي على زعامة العالم الإسلامي. من هنا، إذا كان بن سلمان قد أيد هجوماً أمريكياً – إسرائيلياً ضد إيران فسيكون بمثابة مقامرة محسوبة. ففي السيناريو المتفائل -حسب رأيه- الذي ينهار فيه النظام في طهران أو يتم استبداله بقيادة أكثر براغماتية، لن تجد السعودية منافساً إقليمياً حقيقياً يذكر. سيتوسع نفوذها وسيصبح المحور السني الذي تقوده هو المحور الذي يهيمن في الشرق الأوسط. ولكن المخاطرة لا تقل جسامة. فإذا تعقدت الحملة أو إذا نجت إيران أو إذا اندلعت حرب إقليمية واسعة النطاق فقد تدفع السعودية ثمناً باهظاً. وقد أثبتت البنية التحتية للنفط والمنشآت الاستراتيجية الهشة في السابق. إضافة إلى ذلك، إذا تبين أن بن سلمان قد أيد الهجوم على دولة إسلامية كبيرة فقد يواجه انتقادات في العالم العربي والإسلامي، سيستغلها خصومه لتقويض شرعيته.
حتى لو سارت الأمور على ما يرام لبن سلمان وتراجع التهديد الإيراني بشكل ملحوظ، فستبقى هناك قضية واحدة قائمة، وهي القضية الفلسطينية، التي تراجعت أهميتها في الفترة الأخيرة. ولكن إذا لم تعد إيران تشكل التهديد الرئيسي فمن المؤكد أن تعود القضية الفلسطينية إلى الواجهة، لا سيما إذا سعى بن سلمان إلى إعادة طرح “مبادرة السلام السعودية” التي طرحها عمه قبل 20 سنة تقريباً، وعرض فكرة التطبيع مقابل إقامة الدولة الفلسطينية على الرأي العام في إسرائيل وحكومته.
هنا يواجه بن سلمان معضلة استراتيجية: هل عليه أن يبادر إلى خطوة دبلوماسية حقيقية تشمل ضغطاً كبيراً على إسرائيل وخطوات ملموسة لتعزيز حل الدولتين؟ أم عليه ترك القضية معلقة تحت السيطرة، لكن بدون حل نهائي، حتى لا يعرض علاقاته مع الولايات المتحدة للخطر؟ القضية الإيرانية والقضية الفلسطينية مترابطتان عنده. فإضعاف طهران قد يقلل من نفوذ حماس والجهاد الإسلامي، وبالتالي، تعزيز قيادة فلسطينية تتفق مع رؤية السعودية. وإذا اختار تجاهل القضية لفترة طويلة، فقد يجد أن الشارع العربي غير مستعد للتخلي عن الرمزية الفلسطينية.
جاكي خوري
هآرتس 2/3/2026




