بن غفير في زنزانة البرغوثي: مَن خرج أقوى؟
بن غفير في زنزانة البرغوثي: مَن خرج أقوى؟
ثائر أبو عياش
زيارة وزير الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير لسجن «ريمون»، وظهوره في قسم العزل الانفرادي حيث يُحتجز الأسير القائد مروان البرغوثي، لم تكن حدثاً عابراً أو مجرد استفزاز فردي من شخصية معروفة بخطابها التحريضي، بل جاءت في سياق سياسي وأمني مدروس، يحمل أكثر من رسالة، ويخدم أكثر من هدف، داخلياً وإقليمياً ودُولياً.
منذ اللحظة الأولى لانتشار الفيديو الذي يظهر فيه بن غفير وهو يوجّه تهديداً مباشراً للبرغوثي قائلاً: «مَن يعبث مع شعب إسرائيل سوف يُمحى»، بدا واضحاً أنّ هذا المشهد معدٌّ بعناية ليُبثّ، لا ليبقى في إطار الإجراءات السرّية داخل السجون. السماح بالنشر يعكس قراراً سياسياً يتجاوز الاعتبارات الأمنية التقليدية التي عادة ما تحيط بقضايا الأسرى، خصوصاً القادة الرمزيين.
البرغوثي ليس مجرد أسير محكوم بالمؤبّد منذ أكثر من عقدين؛ بل هو أحد أبرز القادة الفلسطينيين الذين يحظون بإجماع وطني عابر للفصائل، ورمز لانتفاضة الأقصى، وشخصية ينظر إليها كثيرون باعتبارها مرشحة طبيعية لقيادة الشعب الفلسطيني مستقبلاً في حال الإفراج عنها. استهدافه إعلامياً وشخصياً من قِبل بن غفير في هذا التوقيت، يوحي برغبة الاحتلال في إيصال رسائل سياسية متعدّدة: أولاً، محاولة تقويض رمزيّته وإظهار أنه تحت السيطرة الكاملة. وثانياً، بثّ رسالة ردع للفلسطينيين بأنّ قادتهم في السجون ليسوا بمنأى عن الاستهداف المباشر، حتى في أكثر ظروف الاحتجاز عزلة.
بن غفير، المعروف بتشدّده وميوله الفاشية، يسعى عبر هذه الزيارة إلى تعزيز صورته أمام جمهوره اليميني المتطرّف أنه الرجل الذي يواجه «أعداء إسرائيل» بلا هوادة. وفي ظلّ تراجع شعبية بعض أقطاب اليمين بعد طول أمد الحرب على غزة وفشلها في تحقيق أهدافها المعلنة، فإنّ مشهد مواجهة أحد أبرز القادة الفلسطينيين داخل السجن يُقدَّم للشارع الإسرائيلي بوصفه إنجازاً رمزياً يُظهر القبضة الحديدية للحكومة.
إضافة إلى ذلك، فإنّ اختيار سجن «ريمون» — وهو من السجون التي تُعتبر عالية الحراسة ويضمّ قسماً للعزل الانفرادي — يحمل إشارة إلى أنّ «لا أحد بعيد عن يد الدولة»، وأنه حتى الشخصيات ذات الثقل السياسي والنضالي يمكن الوصول إليها بسهولة.
لا يمكن فصل توقيت نشر الفيديو عن السياق الأوسع للحرب على غزة التي دخلت شهرها الثاني والعشرين، في ظلّ تعثّر المفاوضات حول صفقة تبادل الأسرى واستمرار الضغوط الدولية على إسرائيل بسبب جرائم الحرب والحصار الإنساني.
يمكن القول إنّ الفيديو حقّق لبن غفير مكاسب سريعة في الرأي العام المتطرّف، لكنه منح البرغوثي دفعة رمزية غير مقصودة
في هذا التوقيت، تحاول حكومة الاحتلال تحويل الأنظار داخلياً نحو خطاب القوة، وإعادة تعبئة الرأي العام الإسرائيلي خلف القيادة عبر مشاهد تعكس «هيبة الدولة» وقدرتها على إذلال الخصوم. كما يمكن قراءة النشر على أنه ورقة ضغط في ملف التبادل؛ فإظهار البرغوثي في وضعية العزل وتحت تهديد مباشر قد يُستخدم كرسالة إلى الفصائل بأنّ القادة الأسرى يمكن أن يتعرّضوا لمعاملة أكثر قسوة، ما لم يتمّ القبول بشروط إسرائيل في المفاوضات.
الرسالة هنا مزدوجة: داخلية تهدف إلى تعزيز مكانة بن غفير أمام قاعدته الانتخابية المتطرّفة عبر كسر المحظورات والتحدّي العلني لرموز الحركة الوطنية الفلسطينية، وخارجية موجّهة إلى المجتمع الدُّولي وإلى الوسط الفلسطيني نفسه بأنّ إسرائيل لا تتهاون مع مَن تعتبرهم «محرّضي الإرهاب»، حتى لو كانوا شخصيات سياسية بارزة تحظى باحترام شعبي واسع.
هذه الزيارة ليست حدثاً فردياً معزولاً، بل هي جزء من مسار أوسع يسعى إلى إعادة تعريف إدارة ملف الأسرى داخل المنظومة الإسرائيلية، وتحويله من ملف أمني إلى أداة سياسية انتخابية وإعلامية. استهداف مروان البرغوثي بالذات هو استهداف لرمزية الوحدة الوطنية الفلسطينية، ومحاولة لضرب أي أفق مستقبلي لحلّ سياسي يمكن أن يمرّ عبر قيادة تحظى بشرعية داخلية وخارجية.
وفي النهاية، يظهر أنّ بن غفير لا يخاطب الفلسطينيين بقدر ما يخاطب جمهوره في الداخل الإسرائيلي، لكنه — من حيث لا يدري — يعيد تذكير الشارع الفلسطيني والعربي بأنّ مروان البرغوثي، رغم سنوات العزل الطويلة، لا يزال حاضراً في وعي الاحتلال كخطر سياسي وأمني، وهو ما قد يزيد من رمزيّته بدل أن يقلّل منها.
الفيديو أثار تفاعلات واسعة على المستويَين الفلسطيني والإسرائيلي، إذ رآه الفلسطينيون دليلاً جديداً على همجيّة الاحتلال واستهدافه الممنهج لرموزهم الوطنية، ما عزّز التعاطف الشعبي مع البرغوثي وزاد من مكانته كرمز مقاوم لا ينكسر رغم القيود. في المقابل، تلقّاه جمهور اليمين الإسرائيلي بارتياح كدليل على «قوة الردع» المزعومة، لكنه أيضاً فتح نقاشاً في الأوساط السياسية الإسرائيلية حول جدوى مثل هذه الاستعراضات وتأثيرها على المفاوضات الجارية.
من زاوية إعلامية، يمكن القول إنّ الفيديو حقّق لبن غفير مكاسب سريعة في الرأي العام المتطرّف، لكنه منح البرغوثي دفعة رمزية غير مقصودة، إذ أعاد صورته إلى واجهة النقاش الإقليمي، وأكّد أنّ شخصيّته لا تزال تثير القلق لدى الاحتلال بعد أكثر من عقدين من الاعتقال، وهو ما يعكس عمق تأثيره المستمر في الوعي الجمعي الفلسطيني.
* كاتب فلسطيني



